كانت إرادةً حديدية أدهشت حتى أليكسيون نفسه.
فقد كان سر صعود الزوجين السابقين، اللذين عاشا في رغد ثم تحولا بين عشية وضحاها إلى عامة الشعب، ليصبحا مرتزقتين ناجحين يكمن هنا تمامًا.
كان “توماس روبين” شخصًا مفعمًا بالحيوية والجرأة.
أو بكلمات أخرى، بفضل طبعه الناري، كان يقتحم أي خطر دون تردد ليؤدي واجبه كمرتزق.
كما ساهم في ذلك امتلاكه لقوة خارقة تمكنه من أرجحة سيف ثقيل بإصبعين فقط، على عكس مظهره الهادئ اللطيف.
أما “هيلين روبين” فكانت حادة الذهن وباردة الأعصاب.
كانت تراقب كل ما يفوته زوجها لتُدبِّر الأمور وتضمن عودته سالِمًا.
لو كانت هيلين بصحة جيدة، لما وصلوا إلى حد خسارة كل شيء.
فأساسًا، وقع توماس ضحية الاحتيال عندما كانت هيلين طريحة الفراش بسبب المرض.
إذ بينما كان توماس خارجًا عن رشده، يشتري أي دواء واعد يسمع عنه، اقترب منه محتال زاعمًا وجود شركة واعدة تعمل على دواء جديد، فوقع في الفخ.
ونادرًا ما كان يوجد من لا يتراجع تحت وطأة نظراتها الحادة تلك.
حتى أمراء الدول والنبلاء رفيعو المستوى لم يكونوا استثناءً.
لكن “أليكسيون تيت” كان واحدًا من هؤلاء الاستثناءات النادرة.
فقد حدّق في هيلين روبين بنظرة ثابتة لا تَرتعِش، لم يبدُ عليه سوى الدهشة البسيطة.
“إذا كانت الابنة تريد ذلك، فبكل تأكيد.”
“……”
ساد صمت للحظة وجيزة.
شعرت آيريس فجأة وكأنها مشاهد في مباراة لكرة القدم.
مشاهد لم تتوقع أبدًا أن تُرمَى الكرة فجأة أمامها.
“آيريس بالطبع تريد ذلك.”
أجابت هيلين بلهجة هادئة.
بنبرة توحي بأن الأمر بديهي لدرجة لا تستدعي السؤال.
ربما طرحته مجرد حرص على المجاملة.
“أليس كذلك، آيريس؟”
ترددت آيريس للحظة.
بالطبع، من أجل كونغ ومن أجل نفسها أيضًا، كان من الصواب البحث عن والد التنين.
لكن كان هناك سبب جعلها حتى الآن لا تفكر في هذا الأمر.
‘… لقد كان كونغ وأنا كافيين.’
لم تشعر أبدًا بضغط حقيقي أثناء رعايتها لكونغ حتى الآن.
ولم يخطر ببالها فكرة الحاجة إلى يد مساعدة، حتى ولو للحظة.
لقد كانت تقضي وقتًا ممتعًا، وقتًا خاصًا بهما فقط.
اعترفت آيريس بذلك.
‘أنا… لا أرغب في تدخل شخص آخر.’
لا تعرف من يكون “والد” التنين.
حتى لو كان طيبًا مع كونغ، فقد يكون شخصًا يحاول استبعادها وطردها.
قد يطالب بدفع ثمن باهظ تتجاوز وعود أليكسيون لها، ثمنًا لا تستطيع الدوقية تحمله.
كان الأمر غامضًا ومبهمًا، لكن مع ذلك أدركت آيريس.
‘يجب أن أبحث عنه من أجل كونغ.’
ماذا لو مرضت، على سبيل المثال؟
لا ينبغي أن يحدث ذلك بالطبع… لكن ماذا لو متُّ قبل أن يكبر كونغ؟
تذكرت آيريس الفزع الذي شعرت به عندما كانت طفلة، خلال النصف عام الذي قضته أمها طريحة الفراش.
لو لم يكن لديها عائلة آنذاك، لكان الخوف أكبر.
عندما فكرت في تجربتها الخاصة، وفي الشعور بالخسارة الذي قد يختبره كونغ في المستقبل، تأكدت من ضرورة وجود أب.
سيكون أفضل لكونغ أن يكون لديه حامٍ آخر يمكنه الوثوق والاعتماد عليه كما يثق بها.
“أعتقد أنه يجب أن نبحث عنه من أجل كونغ.”
لحظة وجيزة جدًا، التقت نظرات آيريس وأليكسيون.
في عينيه الشفافتين اللتين لا يمكن قياس أي عاطفة فيهما، شعرت قلبها ينقبض تلقائيًا.
لعقت آيريس شفتيها.
‘ماذا يعتقد أليكسيون؟’
إذا حصل كونغ على أب أيضًا، ستزداد المسافة بين كونغ وأليكسيون أكثر.
فكونغ، الذي كلما اقتربت آيريس من أليكسيون زاد رفضه له مقارنة بالسابق…
‘وهو يهتم بكونغ إلى هذا الحد، لا بد أنه يشعر بالأسى.’
بدا كونغ بالنسبة لأليكسيون نوعًا ما بمثابة ابن.
ابن يرفض باستمرار والدَيْنِ يحبانه ويهتمان به إلى أبعد حد.
ولكن بغض النظر عن مشاعره الداخلية، لم يبدُ أليكسيون أي شيء على الإطلاق.
“أفهم. كان تفكيري قاصرًا.”
أجاب بهدوء، بل وشرح الأمر للزوجين روبين أيضًا.
“سأباشر البحث عن المرشحين فورًا لا أعرف متى سنجده… لكن بين هذا العدد الكبير في الإمبراطيرة، لا بد أن هناك شخصًا مناسبًا.”
أطلق توماس تنهيدة ارتياح، لكن هيلين لم تزلح نظراتها المشككة.
“إذا استغرق الأمر وقتًا طويلًا، فسيكون ذلك مشكلة، سيدي إذا وجدته بعد أن أصبحت آيريس جدة، فما الفائدة من ذلك؟”
“قد يحدث ذلك بالفعل.”
لم ينكر أليكسيون كلام هيلين.
فكرت آيريس أن عدم كذبه لتفادي موقف محرج كان تصرفًا نموذجيًا منه.
“لكن يمكنني أن أعدكم على شيء واحد، وهو أنني سأبذل قصارى جهدي في البحث.”
“أمي، أبي.”
تدخلت آيريس مسرعة.
“سأبحث بجدية أيضًا. ثقوا بي.”
“… إذا كان الأمر يتعلق بآيريس، فيمكنني الوثوق.”
أطلقت هيلين تنهيدة.
“آسفة يا آيريس. لقد رأيت الكثير من النذل لدرجة أنني أصبحت أشك في كل شيء لكنني بالطبع أثق في ابنتنا.”
وألقت نظرة ذات مغزى نحو أليكسيون.
“وبالمناسبة… وكذلك الشخص الذي تثقين به.”
رمشت آيريس عينيها عدة مرات.
لم تكن تعرفه جيدًا بما يكفي لتقول إنها تثق بأليكسيون.
‘لكن مشاعره تجاه كونغ صادقة على الأقل… آه، هل هذا ما يسمى بالثقة؟’
وبينما كانت حائرة، أعلنت هيلين مواجهة أليكسيون:
“على أي حال، لستم مضطرين لسداد ديوننا. بل لن تستطيعوا سدادها حتى لو أردتم.”
أطبقت آيريس عينيها بشدة.
بسبب شخصية والديها شديدة الاعتزاز بالنفس، توقعت احتمال ألا يتقبلا صفقتها مع أليكسيون من الأساس.
لكنها لم تتوقع أن يرفضا بهذه القطعية…!
“لقد سُددت بالكامل بالفعل.”
“ماذا…؟”
نحو آيريس المصعوقة، ابتسم توماس روبين مبتسمًا.
“لقد فوجئتِ كثيرًا يا ابنتي؟ الآن لا داعي للقلق بشأن الديون فقد قبضنا على شخصية خطيرة للغاية، وسددنا الديون من مكافأة القبض عليه!”
أطلق أليكسيون كلمة إعجاب قصيرة.
“أتكونان أنتما الزوجان المرتزقان اللذان قبضا على القرصان الشهير ‘كيزان’…؟”
“نعم.”
ابتسمت هيلين.
“لقد سمعت عنه كما يبدو. نحن من فعلنا ذلك.”
شكّت آيريس في أذنيها مرة بعد أخرى.
قرصان… كيزان؟
كيزان ملك القراصنة الذي يملأ الصحف كل صيف؟
غرق أليكسيون في التفكير.
“إذاً ستحصلان على وسام ‘الكوكب الذهبي’ وأكثر.”
“الوسام ليس مهمًا.”
قال توماس بسرعة.
فوسام الكوكب الذهبي، المصنوع من ألمع نجم في السماء، يحمل قيمة كبيرة ترفع العامي فورًا إلى مرتبة نبلاء منخفضة، لكنه بدا حقًا غير مهم بالنسبة له.
“الأهم أننا سددنا كل الديون.”
ذهلت آيريس.
لقد تحققت المعجزة: الأمر التي كانت تتمناه طوال هذا الوقت.
وليس بواسطتها أو بواسطة أختها، بل بواسطة والديها.
قالت هيلين لها بصوت حنون:
“تفهمين الأمر، أليس كذلك يا آيريس؟ لذلك لم تعد لديكِ حاجة للعمل أكثر. لكن…”
حزن بريق عينيها.
“أنتِ أم التنين سمعت قبل سنوات من الحكيم ما يعنيه ذلك.”
“……”
“ابحثي عن والد التنين بأسرع ما يمكن سنبذل نحن أيضًا قصارى جهدنا للمساعدة.”
أومأت آيريس برأسها بصعوبة.
شعرت بالذهول بسبب الحظ السعيد الذي جاء فجأة.
إما حرصًا منها أو لأن الأمر عاجل حقًا، عاد توماس وهيلين مسرعين لإنهاج إجراءات سداد الديون في نفس اليوم.
ودعتهما بوجه ذاهل، لكن أفكارًا معقدة اجتاحت رأسها.
لكن ذلك لم يدم طويلاً.
“آنسة روبين، لنتحدث قليلاً.”
شعرت وكأن قلبها هبط إلى حذائها.
فأليكسيون كان لا يزال هنا.
بلعت آيريس ريقها بجفاف وأدارت جسدها ببطء.
كان أليكسيون يحدق فيها بتعبير لا يمكن اختراقه على الإطلاق.
وكأنه ينوي تشريح ما يدور في رأسها.
“أريد من الآنسة أن تكون صريحة معي.”
ها قد جاء ما كانت تتوقعه.
لم تنطق آيريس بكلمة، وانتظرت بصمت كلامه التالي.
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 21"