“على الإطلاق… لا، كيف خطرت لكَ تلك الفكرة…”
تَلَكَّأتْ أيريس في كلامها، وقد أصابها الذهول.
“سيدي، لستُ ساحرةً ولا صيدلانية ولو كنتُ أملك دواءً يمنع الأحلام، لما وضعتُه على الهدية.”
“ولِمَ لا؟”
بدا أليكسيون فضوليًا ببراءة.
<حسنًا، لا أعرف.>
قررت أيريس أن تجيب بصراحة.
“لأنَّ الأحلامَ شيءٌ جيّدٌ. فالليلةُ الخاليةُ منها تكون مملّةً للغاية… أنا لم أكن لأضعَ شيئًا كهذا على الهدية”
“… أفهمُ ذلك.”
أعاد أليكسيون سلسلة المفاتيح إلى جيبه.
بدا عليه شيءٌ من الارتياح، وشيءٌ من الحيرة في آنٍ واحد.
أيًّا كان الأمر، فقد ارتاحت أيريس لانتهاء هذا الاستجواب.
لكنَّ هذا لم يعنِ انتهاء شؤونها مع أليكسيون.
رفعتُ التنين الصغير برفق وفتحت فمها:
“ألا يسبب كونغ مشكلةً إذا ظلَّ ينفث النار هكذا؟”
وفي اللحظة التي كان فيها أليكسيون على وشك الرد، دوى صوتٌ جهوريٌّ من طرف الرواق الآخر:
“هَيَا! أرشدوني إلى حيث ابنتي في الحال!”
تجمدت أيريس في مكانها.
ذلك الصوت… كان مألوفًا للغاية.
“آنسة روبين.”
توجهت نظرات أليكسيون الباردة إليها مباشرةً.
“يبدو أنَّكِ تعرفينهم… مَنْ هُمْ؟”
قبل أن تتمكن أيريس من الرد، اقتحم الكونت والكونتيسة السابقان روبين غرفة الاستقبال.
وكان واضحًا من حالة الخدم المرتجفين أنَّهم قد أُجْبِرُوا على البوح بالمعلومات تحت التهديد.
نظر أليكسيون إليهما ببرودٍ.
أغلقت أيريس عينيها ثم فتحتهما بقوة.
“أيريس!”
صاح توماس روبين، الكونت السابق روبين.
كان أشقرَ الشعر، قاتمَ العينين، ويبدو أصغرَ بكثيرٍ من عمره رغم معاناة العشر سنوات الماضية كجنديٍّ مُسْتَأْجَر.
“أيريس، لقد سمعتُ كلَّ شيءٍ من أختِك أن يُفْرَض عليكِ أمرٌ خطيرٌ كهذا…”
“عمَّا تتحدث، يا أبي؟”
استنكرت أيريس الكلام.
لقد كتبت ردًّا لأختها أكَّدت فيه أنه لا داعي للقلق على الإطلاق.
فالتنين الصغير لطيف، وأنها سعيدة بحياتها كمربية.
<لقد كتبت لها أن تكفَّ عن القلق دون داعٍ… ما كلُّ هذا؟>
هنا تدخلت هيلين روبين، زوجة الكونت السابق وأم أيريس.
كانت شعرُها ورديًّا فاتحًا، وعيناها خضراوين، وتبدو هي الأخرى أصغر بعشر سنواتٍ من عمرها الحقيقي مثل زوجها.
“لقد كتبتِ الجزرَ في ردِّك.”
“…”
حاولت أيريس أن تردَّ متسائلةً عن علاقة ذلك بالأمر، لكنها أطبقت فمها على الفور.
[إذا كنتِ مُكْرَهَة، فَارْسُمِي الطعامَ الذي تكرهينه في رسالتك القادمة سأنقذكِ بأيِّ طريقةٍ كانت.]
أولًا، تذكَّرت ردَّ أختها.
وثانيًا، لأنها فعلًا كتبت عن الجزر في ردِّها.
تمامًا هكذا:
[لا تقلقي يا أختي فأنا الآن آكل الجزر جيدًا فلا تعتبريني طفلةً صغيرةً كما كنتِ.]
شعرت أيريس بالذهول.
<لقد طلبتِ مني صراحةً أن أرسم الجزر إذا كنتُ لا أريد ذلك!>
لقد استخدمت تلك العبارة فقط لتوصلَ لأختها ريبيكا أنها لم تعد طفلةً فلا داعي للقلق عليها، ليس إلَّا.
أمَّا لو كانت إشارة استغاثة حقيقية، لرسمتها في زاوية الورقة.
بسرية، حتى لا يكتشفها أحد.
<أختي العقلانية الباردة كلُّ هذا الهرج والمرج…>
سألت بحذر:
“هل وصلكم خطابي، بأيِّ حال؟”
“آه، ذلك الخطاب السخيف؟ وصلنا ثلاث رسائل تقريبًا مُرْسَلَةٍ من قصر دوق تيت طبعًا تجاهلناها ظنًا منّا أنها خدعة.”
نفخ توماس روبين من أنفه.
لم يكن سخرية، بل بدا أنه يكاد ينفجر غيظًا.
“أيريس، هل تعتقدين حقًا أنَّنا نريدكِ أن تضحي بنفسك لسداد ديوننا؟”
ارتعشت أيريس.
فقد أحست بأنها طفلةٌ تُوَبَّخ.
كان توماس روبين أبًا حنونًا، لكنَّه كان صارمًا لا هوادةَ فيه فيما يتعلق بسلامة ابنتيه.
“دَيْنُنَا شأننا! أنتِ فقط فَكِّري في أن تعيشي أنتِ وأختكِ في سلام.”
لم يمنحها فرصةً حتى للاعتراض.
“وأيضًا، هذا… هذا الكائن الخطير… يا إلهي، تنينٌ! أيريس، هل تعلمين حتى مدى خطورة التنانين؟”
عاجلته أيريس بالاعتراض.
أكثر ما كرهته هو سوء فهم والديها لكونغ.
فبغض النظر عن خطورة كل التنانين، فإنَّ كونغ بالنسبة لها تنينها الصغير اللطيف.
“كونغ ليس خطيرًا. إنه يُحبُّني كثيرًا.”
“ليس خطيرًا؟”
احتدم وجه توماس روبين واحمرَّ كالطماطم.
“أيريس، هذا التنين قادرٌ على حرقكِ حيةً إن أراد! ابتعدي عنه الآن!”
“أعلم.”
أجابت أيريس بهدوء.
“لكنَّ كونغ لن يؤذيني. بل على العكس، يحاول حمايتي.”
“… لا تخبريني، أيريس.”
تدخلت هيلين روبين.
كانت مترددة بشكلٍ غير معهودٍ منها وهي تتحدث، على عكس شخصيتها الحاسمة.
وكأنها لا تريد تصديق ما ستقوله.
“هل… هل أصبحتِ… تعتبرين نفسكِ أمًّا لذلك التنين؟”
“لا.”
نفت أيريس على الفور.
لأنَّ عقدها مع أليكسيون تضمَّن أن يُعرف عنها أنها مجرَّد مربية تنين عادية.
لكن…
“أنا متأكدة. لو لم تكوني كذلك، لسألتِ عن معنى ذلك فليس من الضروري أن تُطْلَعَ مربيةٌ عاديةٌ على أسرار العائلة الإمبراطورية.”
اسودَّت ملامح هيلين روبين.
“ابنتي… ابنتي أصبحت أمًّا لتنينٍ.”
يا للكارثة!
صمتت أيريس.
لم تجد أيَّ كذبةٍ تخترعها.
على الرغم من أنَّ سؤالًا خطر ببالها: “كيف يعرف والداها سرًّا إمبراطوريًا؟”، إلا أنَّ الارتباك والخوف الناجمين عن اكتشاف السرِّ كانا أكبر.
<لن يصدقوني مهما اخترعتُ من أعذارٍ أو أكاذيب.>
التفتت هيلين روبين نحو أليكسيون.
لطالما تصرَّف كمراقبٍ محايدٍ طوال هذه الضجة.
” لم أكن لأستغرب أن تقومَ سيادتُك بسداد الديون فابنتي الآن ستكون مقيدةً مدى الحياة بهذا التنين.”
لم ينفِ أليكسيون.
“هذا صحيح.”
ارتجفت شفاه هيلين روبين.
وضعت يدها على جبينها كأنها على وشك الإغماء وترنحت.
<…?>
رفعت أيريس حاجبيها بدهشة.
فقد عرفت أمها جيدًا جدًّا حتى تنخدع بتمثيلها.
فأمها التي تبدو في الظاهر هشةً ضعيفةً لا حدود لا، اعتادت أن تُرْسِلَ لها خطاباتٍ تتباهى فيها بأنها قطعت رأس قاتلٍ متسلسلٍ في ذلك اليوم، وتقول إنَّ حياتها أصبحت أكثر إرضاءً بكثيرٍ من أيام إدارتها للأراضي كزوجة كونت.
<هذا يعني… أن لديها مطالب.>
همست هيلين بصوتٍ ضعيف:
“آه… يا لابنتي المسكينة. لم نستطع تربيتها كباقي الفتيات، وها هو ثمن إرسالها إلى منزل الآخرين. أن تصبح مقيدةً بتنين…”
شعرت أيريس بالتوتر فجأة.
خافت أن يهاجم كونغ أمها.
لأنَّ والديها سيحاولان إخراجها قسرًا من قصر الدوق إذا حدث ذلك.
قائلَيْن إنهما لا يمكنهما تركها أمًّا لتنينٍ مرعبٍ يهاجم الناس!
لحسن الحظ، كان كونغ يحدق في هيلين وتوماس فحسب، دون أي رد فعل.
“لكن إن كان هذا قدركِ، فماذا عسانا نفعل؟ لا بد أن نجد أبًا لهذا الطفل اللطيف.”
“…!”
اتسعت عينا أيريس.
<لقد نسيت.>
نظرًا لكثرة الأحداث، ومتعة رعاية كونغ، فقد نَسِيَت الأمر تمامًا.
<وإذا وُجِدَ أبٌ له، فسيكون عبء الفتاة أخف فالتنانين عادةً ما تتبع الجنسَ نفسه من مقدم الرعاية.>
رفعت هيلين رأسها ونظرت إلى أليكسيون تيت بنظراتها الحادة المعتادة:
“بالتأكيد ستتعاون معنا في ذلك، صاحب سمو الدوق؟ لا بد أن نجد أبًا لهذا التنين الصغير اللطيف من أجله.”
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 20"