“الكونت؟”
استغرب أليكسيون قليلاً.
لم يكن بينه وبين كونت كلارك أي تواصل يُذكر.
صحيح أن والده والكونت كانا يتبادلان الرسائل أحياناً، ولكن ذلك لم يتعدَّ دعوات الحفلات وغيرها من التفاعلات الاجتماعية العادية جداً.
“قل له أن ينتظر.”
“عذراً؟ هل هناك أمرٌ عاجل، سيدي؟”
سأله المدير بتعجبٍ صادق.
وكان سبب استغرابه وجيهاً، فعادةً ما كان أليكسيون يستقبل الضيوف الوافدين إلى القصر الدوقي في أسرع وقتٍ ممكن ليُسرع في توديعهم.
والسبب كان بسيطاً.
لم يكن يُحب بقاء الغرباء في المنزل لفترة طويلة.
“… لا يوجد أمرٌ عاجل.”
تردد أليكسيون للحظة.
لقد شعر بالحرج للحظةٍ بسبب ملاحظة المدير.
فأيريس روبين لم تكن تمثل شيئاً بالنسبة له.
فهل يعقل أن يهمل كل أموره ويُسرع إليها بسبب شكٍّ واحدٍ لا يعرف حتى إن كان حقيقياً أم لا؟
“عند التفكير، من الأفضل أن أستقبل الكونت أولاً.”
لم يبد المدير مندهشاً.
“حسناً، سيكون في صالة الاستقبال لو كان قد خرج، لكُنّا قد علمنا.”
كانت هذه حقيقةً يجهلها معظم الزوار، فجميع تحركاتهم – باستثناء عددٍ قليلٍ جداً موثوق به – كانت تحت المراقبة.
“سأذهب.”
بعد لحظات، عندما دخل أليكسيون صالة الاستقبال، قفز كونت كلارك من الأريكة كالنابض.
حيَّاه بِأَدَبٍ كما لو كان يُمسك بتلابيب عقله بالكاد، لكنه سرعان ما انفجر في صياحٍ غاضب:
“هناك أمرٌ يجب أن تعرفه حتماً، سمو الدوق!”
“…؟”
اكتفى أليكسيون بالنظر إليه مباشرةً.
“ثمة خادمةٌ وَقِحَةٌ تتجول في القصر الدوقي! إنها خادمةٌ تستخدم وحشاً… أقصد، حيواناً حسب رغبتها ليهاجم الناس إنها ليست وَقِحَةً فحسب، بل وخطيرة أيضاً، لذا يُرجى اتخاذ الإجراء المناسب.”
شعر كونت كلارك ببعض الرضا لأنه امتنع عن قول كلمة “وَحْشٍ”.
فبغض النظر عن كونه وحشاً من الناحية الموضوعية، فإن لأليكسيون هوايةٌ في جمع مثل هذه المخلوقات الغريبة.
لذا، إذا وصفه صراحةً بالـ “وَحْش”، فقد يبدو الأمر كما لو كان ينتقد الدوق.
عقد أليكسيون جبينه الأنيق.
‘أخيراً!’
ابتسم كونت كلارك داخلياً بفرحٍ وسرور.
فقريباً سيتم طرد أيريس روبين المتغطرسة.
لكن…
الكلمات التي خرجت من فم أليكسيون كانت على النقيض تماماً مما توقعه.
“إذاً أنت تقول الآن أنك تجرأت على تهديد تنينٍ منحته العائلة الإمبراطورية ومربِّيته؟”
“ماذا…؟”
“التنانين لا تهاجم من لا يهددها أولاً. ألا تعرف حتى هذه المعلومة الأساسية، أيها الكونت؟”
“هذا… هذا…!”
يا للكارثة!
أحسَّ كونت كلارك بذلك.
بكلمات العامة العامية، لقد وقع في “مستنقعٍ لا خلاص منه”.
وبكل سوء حظ، كان الذي هاجمه تنيناً من بين كل الوحوش التي يقتنيها الدوق.
وتنيناً منحته العائلة الإمبراطورية، فوق ذلك.
لكن رُبَّ ضارةٍ نافعة.
سرعان ما أظهر كونت كلارك براعته الكلامية المعتادة.
“لقد… لقد سلمت على ابنة صديقي بسعادةٍ فحسب! إذا شعر التنين بأن ذلك هجوماً، فهذا مُحزِن.”
“سلمت عليها بسعادة…”
ردد أليكسيون كلماته ببطء.
“يمكننا استدعاؤها وسؤالها مباشرةً.”
“ماذا!؟”
انهمر العرق البارد من جبين كونت كلارك.
“لكن… لكن ذلك التنين لا يبدو قادراً على الكلام، لذا فقط تلك الخادمة الوَقِحَة…”
“قلت ابنة صديقك، ثم قلت خادمةً وَقِحَةً.”
قال أليكسيون بسخرية.
“من قابلت بالضبط؟”
انغلقت شفتا الكونت.
لقد لُوحِظَ أن كلامه أصبح ملتوياً بعد أن تراكمت الأعذار.
“على أي حال، هناك مربية واحدة فقط للتنين سنعرف إذا استدعيناها.”
“هذا…”
حاول كونت كلارك تهدئة الموقف بابتسامة ودودة، لكن الوقت كان قد فات.
أومأ أليكسيون بيده نحو الخادم ليصدر الأمر:
“استدعِ السيدة روبين.”
“لا… لا أريد إزعاج الآنسة روبين.”
تأتأ كونت كلارك.
“حقاً؟”
أمال أليكسيون رأسه.
“بما أن هذا أول ما ذكرته عندما رأيتني… فلا بد أن الأمر مهم جداً.”
“…”
“أم أنك أزعجتني بأمرٍ غير مهم إطلاقاً؟”
“لا.”
ابتلع كونت كلارك ريقه الجاف.
لم يبقَ له سوى أن يأمل أن تتصرف أيريس بذكاء.
‘وأرجوك، اتركي ذلك الوحش!’
لكن أمنية كونت كلارك لم تتحقق.
فبعد لحظة، فُتِح الباب ودخلت أيريس حاملة التنين الصغير تحت إبطها.
في تلك اللحظة، رأى كونت كلارك.
رأى وجه دوق تيت الجليدي بلا حدود…
وهو يتصلب بلا رحمة أكثر فأكثر عند رؤية أيريس روبين.
‘لا يزال هناك أمل.’
سعل “أحُوم” ثم بادر بالكلام:
“أيريس، بما أنك اعتذرت عما حدث سابقاً، فلنعتبر الأمر كأن لم يكن لكن سمو الدوق يريد معرفة القصة من البداية للنهاية.”
ضاقت عينا أليكسيون، لكنه لم يقل شيئاً.
بل ظل يحدق في أيريس روبين في صمت، كما لو كان يقول لها: تكلَّمي إذا كان لديكِ ما تقولينه.
أخيراً، فتحت أيريس فمها:
“ما الذي تريد معرفته، أليكسيون؟”
دهش كونت كلارك بشدة.
تناديه باسمه الأول!؟
‘الآن الذي تذكرت، لقد ناداها بالسيدة روبين.’
لا يمكن.
هل كذبت أيريس عليه وادعت أنها لا تزال ابنة نبيل؟
من مظهرها الخارجي، لم تبد شخصيتها جريئة إلى هذا الحد، لكن شؤون الناس لا يمكن معرفتها.
‘هل نجحت كذبتها حتى تعامل كضيفة وليس كخادمة؟’
حتى لو كان الأمر كذلك، فمناداته بهذه الألفة باسمه الأول…
‘أمرٌ خطير.’
انطلقت أجراس الإنذار في رأس كونت كلارك.
‘رجل وامرأة غير متزوجين… يناديان بعضهما بالأسماء الأولى… والأمر الذي لا يمكن أن يجهله دوق تيت وهو كيف انتهى أمر توماس روبين… وإذا فكرت في حقيقة أنه جعل ابنته مربية للتنين…’
كان كونت كلارك، كأرستقراطي من جيله، يتمتع بمفاهيم محافظة للغاية، واستنتج الاستنتاج الوحيد الذي يمكن لعقليته أن تصل إليه.
لا بد أنه تورط بين عاشقين يتشاجران!
‘نظراً للفارق الاجتماعي، ستكون عشيقةً أكثر من كونها حبيبة.’
مجرد لهوٍ مؤقت قبل الزواج.
عندما فكر في الأمر هكذا، شعر بالشفقة على أيريس روبين أيضاً.
لكن موقفه الحالي كان أكثر بؤساً.
على الأقل، طالما لم يتخلَّ عنها دوق تيت بعد، كانت أيريس أشبه بنمرةٍ حية.
تدخل كونت كلارك بمظهر محرج:
“سيدي، سأشرح لك لقد صادفت أيريس اليوم…”
“اصمت.”
قال دوق تيت بوجهٍ عديم التعابير.
“كنت أسأل السيدة روبين.”
“…”
“اشرحي.”
نظرت أيريس روبين إلى دوق تيت بنظرةٍ مباشرة.
هذا المنظر أدهش كونت كلارك مرة أخرى.
‘انظروا إلى هذا!’
على الأقل حسب تقدير كونت كلارك، لتتمكن من مواجهة إنسان مرعب مثل الدوق مباشرةً بهذه الطريقة، لا بد أن تكون العلاقة بينهما وثيقة جداً.
وماذا تعني العلاقة الوثيقة بين رجل وامرأة غير متزوجين!؟
كانت خيالات كونت كلارك تنمو بسرعة لا يمكن إيقافها.
“هرب كونغ مرة أخرى هذا الصباح.”
شرحت أيريس بصوتٍ هادئ.
“في البداية، لم أعتبر الأمر مهماً، لكنني أدركت لاحقاً خطورته، فانضممت إلى الآخرين للبحث عنه لحسن الحظ، لم يبتعد كونغ كثيراً، وكان في حديقة المتاهة بينما كنت أعود حاملةً كونغ…”
نظرت إلى كونت كلارك بنظرةٍ خاطفة.
ارتجف كونت كلارك من الشعور بأن عينيها الزرقاوين الجميلتين تخترقانه حتى النخاع.
في الحقيقة، ما كانت تشرحه من البداية للنهاية لم يكن مهماً له.
المهم كان ما سيلي.
“كان كونت كلارك يهم بالنزول من عربته رآني سمو الكونت… وقال لي بالضبط هكذا.”
توقفت أيريس قليلاً، ثم قلدت كونت كلارك:
“”ما زلتِ خجولةً كما عهدتكِ، أيريس. حقاً، كم مرَّ وقتٌ طويل. كيف حالكِ منذ ذلك الحين؟ بما أنكِ عدتِ إلى العاصمة، فأخبريني عن أخباركِ. لم أكن أعلم أنكِ تعملين خادمةً لدوق تيت، هاهوذا.””
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 18"