“التّـِنّـين……”
تمتم أحدهم بصوت خائر القوى.
“إنه تّـنّين بيت القصر الدوقي.”
كل من كان في هذا المكان إما قد رأى آرِن فعلًا، أو سمع الإشاعات عنه.
لكن آرِن الآن كان مختلفًا عن أي صورة ترسمها أذهانهم.
لم يكن بالطبع التنين المرعب، ولا ذلك الطفل الضعيف الذي لا يفارق آيريس.
كان فتىً يبدو واثقًا وسعيدًا.
ولكن بفضل جناحيه الخافقين وعينيه الغريبتين المتوهجتين، كان واضحًا أنه ليس بإنسان، بل تنين، وكان يبارك حفل زفاف والديه المرتقب.
بالطبع، كان هناك من لم يفاجأ بظهور التنين إطلاقًا.
مثل الإمبراطور الجالس في المقعد الشرفي.
وسط تساقط بتلات الزهور البيضاء بجمال، مال الإمبراطور نحو الفتاة الجالسة بجانبه.
“هل كنتِ بخير خلال هذه الفترة، إيفانجلين؟”
“نعم.”
أجابت إيف بهدوء وابتسامة خجولة.
لم يتمكن الناس من التحدث بصوت عالٍ، لكنهم تبادلوا النظرات والإيماءات.
بدا الإمبراطور وحفيدته، لمن يراهما، كأجمل صورة لجَد وحفيدته.
كانت تلك اللحظة هي لحظة تثبيت مكانة الحفيدة الإمبراطورية إيفانجلين.
حلق التنين ببطء في دائرة ثم هبط إلى الأرض، وذهب ليجلس بجانب الحفيدة الإمبراطورية.
بدون أن تظهر عليه أي علامة خوف أو هيبة تجاه الإمبراطور.
تقاطعت ملامح وجه الإمبراطور للحظة، لكنه لم يعلق على الأمر.
بعد لحظات قليلة.
أُطفئت جميع الأضواء، وحبس المجتمعون أنفاسهم ترقبًا.
ورغم الظلام الدامس، أدرك الجميع أن أليكسيون تيت كان يقف أمام المذبح.
فوجوده كان طاغيًا لهذه الدرجة.
الآن، لم يتبق سوى شخص واحد يحتاجه حفل الزفاف.
آيريس روبين.
كان دور العروس قد حان.
***
قبل أن تخطو خطوتها الأولى، أخذت آيريس نفسًا عميقًا لترتب أفكارها وتهدئ أعصابها.
ستصبح قريبًا زوجة أليكسيون.
أمام تهاني واعتراف الضيوف.
سألتها ميريام بحذر:
“هل أنتِ متوترة؟”
“كلا.”
هزت آيريس رأسها.
كم من الأحداث الجسام مرت بها، فكيف تتوتر لمثل هذا الموقف؟
لكن…
“عند التفكير فيما سيأتي، أشعر بقليل من الرهبة.”
الزواج بحد ذاته لا يخيفها.
بل على العكس، يملؤها شوقًا وترقبًا.
لكن إن سألها أحد عن الحياة كـ”دوقة”، فستجيب بالنفي حتمًا.
ورغم ذلك، لم تكن آيريس متشائمة.
“المهم… أن أخوض التجربة.”
لديها قوتها، ولديها عائلتها التي ستدعمها بحزم.
والأهم من ذلك، أن أليكسيون يحبها.
مجرد التفكير في أنها ستقف بجانبه بكل فخر كزوجته وشريكته، كان يملأ صدرها فخرًا وسعادة.
وبينما كانت آيريس تبتسم بهدوء وتستعد لخطوتها الأخيرة قلبًا وقالبًا.
تغيرت الموسيقى.
كانت الإشارة التي تعني أن عليها التقدم.
سارت آيريس ببطء نحو المذبح.
“……!”
انتاب الضيوف ذهول وأطلقوا زفرة دهشة واحدة.
كان بينهم من حضر عددًا لا يحصى من حفلات الزفاف، لكنه المرة الأولى التي يرون فيها مثل هذا المشهد.
ارتفع همس الحاضرين وحماسهم حتى كاد يطغى على الموسيقى الهادئة، مما اضطر الفرقة الموسيقية للعزف بصوت أعلى.
“……التاج……”
“من أين حصلت على شيء كهذا؟”
“أليس كنزًا من كنوز بيت الدوقية؟”
“لم نسمع بمثل هذا قط!”
الفستان نفسه كان أنيقًا وبسيطًا، لكن بفضل الضوء الذي كان يفيض من التاج الذي صنعه آرِن لها، بدت كأنها تشع بنورها الخاص وحيدة في الظلام.
وما أن وصلت آيريس أمام المذبح، حتى أضيئت جميع الأضواء دفعة واحدة.
رمشت آيريس بعينيها للحظات ثم استجمعت تركيزها.
كان أليكسيون ينظر إليها بوجه أكثر جدية من أي وقت مضى.
لم تكن هناك خطابات تهنئة.
كان ذلك بإصرار من أليكسيون الذي لم يرغب في الاستماع إلى مواعظ أحد.
كما أن الشخصيات التي يمكنها إلقاء كلمة في زفاف الدوق كانت محدودة أصلًا.
وآيريس هي الأخرى، وافقت على أنها لا ترغب في سماع كلمة تهنئة من الإمبراطور.
ناهيك عن فكرة إقامة المراسم على يد قسيس.
علا صوت رزين في أرجاء القاعة:
“آيريس روبين… هل تقبلين أن تكوني زوجتي؟”
“أقبل.”
أجابت آيريس بصوت بالكاد خرج.
وبمجرد أن نطقت بكلمة القبول، حتى مُدت يد أليكسيون لتحتضن خصرها، ثم التقت شفتاه بشفتيها.
كانت قبلة لا تليق بقبلة عهد وزواج، لكن آيريس لم تفاجأ.
فهي أيضًا، كانت تحبه بقدر ما يحبها.
***
غرفة الأطفال المليئة بالألعاب.
كان التنين الصغير يقرأ في دفتر بجد، حتى تكوّن العرق على جبينه.
“… وهكذا عاشوا في سعادة وهناء…! ماما أيضًا، وبابا أيضًا. و آرِن وإيف أيضًا.”
ما أن أنهى آرِن القراءة بترتيل ووضوح، حتى صفقت إيف له بحرارة.
“كنت أتساءل ماذا تكتب… لقد كنت تكتب مثل هذه القصة.”
كان آرِن طوال الفترة الماضية يكتب شيئًا بحماسة، حتى أنه كان يخفيه عنها.
لدرجة أنه عندما حاولت ميريام الاطلاع عليه، صرخ وأخفاه عنها.
“هل سيُعجب ماما وبابا بهذه القصة أيضًا؟”
“بالطبع.”
أجابت إيف دون تفكير.
“أيًا كان ما تفعله، فهما يفرحان به كثيرًا.”
لكن وجه آرِن أظلم في لحظة.
“…… ليس المهم أن يفرحا لأني أنا من فعلها، بل أريدهما حقًا أن يحبا هذه القصة. فهي القصة التي سأرويها لهما حالما يعودان…”
كان الدوق وزوجته في شهر العسل حاليًا.
في الأصل كان من المقرر أن يذهب آرِن وإيف معهما، لكن الإمبراطور الذي تعلق بحفيدته حبًا جمًا، اعترض على سفر إيف من العاصمة.
وبالطبع، لم يفكر آرِن بترك إيف.
تأملت إيف للحظات، ثم فتحت فمها بحذر:
“لماذا تريد أن يحبا هذه القصة تحديدًا؟”
“لأنهما… يقلقان كثيرًا. ولكن هذه القصة حقيقية. حقًا، من الآن فصاعدًا، سنعيش في سعادة وهناء ولن يحدث لنا مكروه. لذا لا داعي للقلق البتة…!”
“يا غبي.”
قرصت إيف خد آرِن بيدها.
“هذا غير ممكن. كم من الأشرار الكبار حولنا؟ كيف يمكن ألا تحدث لنا مصاعب في الحياة؟”
“أنا أستطيع حمايتكم جميعًا!”
“مع أنك لم تستطع منع موريا سكين.”
تدلى رأس آرِن للأسف.
شعرت إيف وكأن قلبها سقط في مكان ما، لكنها سرعان ما تابعت كلامها بكل ثقة:
“لكن هذا طبيعي. نحن أيضًا لن نبقى صغارًا للأبد. وإذا ظهر أشرار، فسنتخلص منهم فحسب.”
“أنا… سألتهمهم كلهم.”
فتح آرِن فمه على آخره، مُظهرًا أسنانًا بدت أكثر بكثير مما يملك الإنسان.
“حينها لن يستطيع أحد إيذاء إيف!”
“…. الأمر ليس بهذه البساطة. لو أكلت البشر فعلًا، فسيحاول الناس قتلك! وسيدعوك بالتنين المجنون.”
“هل سأصبح تنينًا شريرًا حتى لو أكلت الأشرار فقط؟”
“أجل.”
أكدت إيف برأسها بقوة.
“لذا، حتى لو كانوا أشرارًا، يجب ألا تأكلهم.”
“أوه…”
تسلل آرِن بجسده قرب إيف معتمدًا عليها.
“حقًا، إيف تعرفين كل شيء. لن أستمع سوى لكلام إيف.”
احمر وجه إيف بشدة.
صحيح أن التنين أظهر لها مشاعر الود والاعتماد عليها من قبل، لكنها المرة الأولى التي يقول فيها كلامًا كهذا.
فطالما كانت إيف تُعامل وكأنها مجرد جزء من “ماما وبابا وإيف”.
ابتلعت إيف ريقها بقوة.
ففي أعماق قلبها، تحرك شعور بالرغبة.
رغبة في تحويل هذا الوعد البريء الذي يقطعه التنين في هذه اللحظة، إلى وعد يلازمه مدى الحياة.
طمع شديد في أن يظل هذا التنين ينظر إليها وحدها طيلة حياته…
“…… إذاً، هل يمكنك أن تعدني بوعد واحد؟”
“ما هو؟”
أخرجت إيف الكلمات بأقصى سرعة استطاعتها:
“ليس الآن، بل عندما نكبر نحن الاثنان. عدني بأنك ستظل تسمع كلامي وحدي حينها.”
اتسعت عينا آرِن، ثم انحنت لتصبحا مثل هلالين.
“أجل…!”
يتبع في الفصل القادم…
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 163"