صمت ثقيل يخيم
حلَّ صمتٌ ثقيل.
لم تَعُد مُورِيا تَنطِقُ بِكَلِمَةٍ، واكتَفَتْ بِالتَّحدِيقِ في كارفيان بِصَمتٍ.
تُطلِقُ نَظراتٍ ضاغِطةً، تُفيدُ بأنَّها تَعلَمُ كُلَّ ما يَدورُ في خَلَدِه.
“……”
تَظاهَرَ كارفيان بِالهُدُوءِ ظاهِريًا، لكنَّ باطِنَهُ كانَ عَلَى النَّقيِضِ تَمامًا.
‘أهَلْ يُمكِنُنِي القَولُ حَقًا إنِّي مُختَلِفٌ عَن هَذِه المَرأة؟’
فَقَدْ كانَ مَجنونًا بِـ ‘آري’، أوْ بِالأحرى بِآيريس، قَبلَ لِقائِها بِفَترَةٍ طَويلَةٍ.
حَتَّى لَوْ أَخبَرَهُ أحَدٌ بِالحَقيقَةِ في ذَلِكَ الوَقتِ… لَكانَ ‘مَا زَالَ مَجنونًا بِها’.
‘لَظَلَلْتُ مُتَعَلِّقًا بِها.’
أمَّا الآنَ، فَـ أنَا الآنَ….
‘مُختَلِفٌ.’
فَالآنَ، يَستَطِيعُ كارفيان أنْ يَتَخَلَّى عَن آيريس.
يَستَطِيعُ أنْ يَشهَدَ زَواجَها مِن رَجُلٍ آخَرَ، بَلْ وأنْ يَرغَبَ في ذَلِكَ مِن أَجلِ سَعادَتِها، وأنْ تَعيشَ حَياةً تَكونُ فيها أَسعَدَ مِن أيِّ أحَدٍ آخَر.
لَوْ كُنّا صَريحينَ أكثَرَ لَقُلنا إنَّ شُعورَهُ كانَ أقرَبَ إلى ‘بِقَلبٍ يَتَفَطَّرُ أَسىً’، ولَيسَ ‘عَنْ طِيبِ خاطِرٍ’.
لَكِنَّهُ عَلَى الأقَلِّ لَنْ يَقِفَ في طَريقِها.
“…لا تَتَصَرَّفي وكَأنَّكِ تَعرِفينَني جَيِّدًا، فَقَط لِأنَّكِ كُنتِ في نَفْسِ مَكانَتي.”
خَرَجَ الصَّوتُ مِن بَينِ شَفَتَيْ كارفيان مَبحوحًا.
“أنا لَمْ أَعُدْ أتَصَرَّفُ مِثلَكِ. أَنا، بِخِلافِكِ، أَحرِصُ عَلَى احتِرامِ حَياتِها. وَسَواءٌ كُنَّا نَحْنُ قَرينَيْنِ مَكتوبَينِ بِالقَدَرِ أمْ لا… فَلَنْ يَتَغَيَّرَ شَيءٌ.”
فِي النِّهَايَةِ، هوَ لَيْسَ سِوَى شَخْصٍ غَريبٍ في حَياةِ آيريس روبين.
فَقَطْ بِمِقدارِ ما تَمْنَحُهُ مِنْ شَفَقَةٍ وَاهتِمامٍ بَينَ الحِينِ وَالآخَر.
وأَحْيانًا أُخرى تَستَغِلُّهُ.
وهوَ، فِي كُلِّ مَرَّةٍ، يُلَبِّي ذَلِكَ بِكُلِّ سُرورٍ…
‘يَبدو أنِّي كَذَلِكَ الكَلبِ الضَّالِّ الَّذي يَتُوقُ إلى لَمسَةِ بَشَرٍ.’
أَطلَقَ كارفيان ضَحكَةً ساخِرَة.
لَكِنَّ هَذَا كُلَّهُ يَعودُ إلى مُشكِلَتِهِ هُوَ فَقَط.
إنَّها لَيْسَتْ مُشكِلَةَ آيريس، ولا مُشكِلَةَ الدُّوقِ، ولا حَتَّى مُشكِلَةَ القَصرِ الإمبِراطُورِيِّ.
المُشكِلَةُ الوَحِيدَةُ الَّتي كانَ عَلَيْهِ حَلُّها الآنَ هيَ:
“لا بُدَّ أنَّهُ لا وُجودَ لِمَنْ يَقِفُ وَراءَكِ. فَكُلُّ هَذا فِعْلُكِ وَحدَكِ.”
وَهَذِهِ أيضًا، إجابَتُها مَعروفَةٌ سَلَفًا.
“لِماذا؟ هَلْ خابَ ظَنُّكَ؟”
“لا.”
أَمالَ كارفيان رَأسَهُ بِبُطءٍ.
“أنَا مُطمَئِنٌّ.”
لَنْ يَعودَ هُناكَ أيُّ خَارِقٍ للعَادَةِ يُهَدِّدُ آيريس.
هَذِه المَرأةُ سَتُعدَمُ، ولَنْ تَقدِرَ بَعدَ الآنَ عَلَى إيذاءِ آيريس أوْ أيٍّ مِمَّن تُحِبُّهُم.
سَيَعودُ هوَ إلى بُرجِ السَّحَرَةِ، لِيَعيشَ نَفْسَ الحَياةِ الَّتي كانَ يَعيشُها قَبلَ لِقاءِ آيريس.
‘…لَيْسَ بِأمرٍ سَيِّئ.’
عَلَى الأقَلِّ، في البُرجِ، هُناكَ العَديدُ مِنَ السَّحَرَةِ المُستَعِدِّينَ لِبَذلِ أرواحِهِم فِداءً لِأمرٍ مِنْهُ.
لَمْ يَكُنْ كارفيان قَطُّ مُهتَمًّا بِهِم مِنْ قَبلُ، لَكِنَّ مَوقِفَهُ تَغَيَّرَ الآنَ، بَعدَ أنْ أصبَحَ هوَ في مَوقِفِ مَنْ يَتَقَبَّلُ الإخلاصَ مِنَ الآخَرين.
“أتَذهَبُ هَكَذا؟”
ما إنِ استَدَارَ كارفيان حَتَّى انطَلَقَ صَوتُ مُورِيا سْكِين مُتَحَسِّرًا.
“يَجِبُ أنْ تَستَعيدَ قَرينَتَكْ…!”
“قَرينَتي؟”
شَهَرَ كارفيان بِاستِنكارٍ.
“لَو كُنتِ تَرغَبينَ في اقْتِراحِ مِثلِ هَذا، كانَ يَجِبُ أنْ تَظهَري قَبلَ ذَلِكَ. قَبلَ أنْ أتَعَلَّمَ كَيفَ أتَخَلَّى عَنها.”
***
سُرعانَ ما وَصَلَ الخَبَرُ إلى قَصرِ الدُّوقِيَّةِ: لا وُجودَ لِمَنْ يَقِفُ وَراءَ مُورِيا سْكِين، وكُلُّ ما حَدَثَ كانَ فِعْلَها المُنفَرِدَ.
استَقبَلَ الجَميعُ هَذِه الأنباءَ السَّارَّةَ بِصِدقٍ.
كانَ أَرِن هُوَ الأكثَرَ فَرَحًا وتِلْقائِيَّةً، وذَلِكَ طَبيعِيٌّ.
“الآنَ، لَنْ يَستَطِيعَ أحَدٌ إيذاءَ إيفْ!”
“لَيسَ بِالتَّحديدِ.”
هَزَّت إيفْ رَأسَها بِوَجْهٍ جادٍّ.
“ألا تَرَى؟ أنا أُقيمُ الآنَ في قَصرِ الدُّوقِيَّة. وَصاحِبُ الجَلالَةِ الإمبِراطورُ أرسَلَ إلَيَّ الكَثيرَ مِنَ الهَدايا، مُظهِرًا حُبَّهُ لي… إذاً، عَدَدُ مَنْ يَطمَعُ فِيَّ سَيَزدادُ أكثَرَ.”
تَجَعَّدَ وَجْهُ أَرِن.
“لِماذا تَتَحَدَّثينَ دائِمًا بِهَذِهِ الطَّريقَةِ يا إيفْ؟ إنَّهُ أمرٌ صَعبٌ جِدًّا عَلَيَّ فَهْمُهُ.”
نَظَرَت آيريس إلَيْهِما بِابتِسامَةٍ جافَّة.
فَبالرَّغمِ مِنْ كُلِّ ما مَرُّوا بِهِ، إلا أنَّ أَرِنَ مَا زالَ عَلَى سَجِيَّتِهِ البَريئَةِ.
لَعَلَّ ذَلِكَ لأنَّهُ لَيْسَ بَشَرًا.
أمَّا إيفْ…
‘لَقَدْ عانَتْ كَثيرًا في سِنٍّ صَغيرَةٍ. في سِنٍّ تَصغُرُ كَثيرًا عَنْ أنْ تَذوقَ مَرارةَ الدُّنْيا…’
لَكِنْ، لا سَبيلَ لاستِرجاعِ ما فاتَ.
ما حَدَثَ قَدْ حَدَثَ، ولَنْ يَبْقَى الآنَ إلا أنْ تَعتَنِيَ عائِلَةُ الدُّوقِ بِإيفْ اعتِناءً حَسَنًا.
“لا تَقْلَقي يا إيفْ.”
قالَت آيريس بِصَوتٍ حَنونٍ.
“لَنْ يَجْرُؤَ أحَدٌ بَعدَ الآنَ على اقتِحَامِ قَصرِ الدُّوقِيَّة.”
الأهَمُّ مِنْ ذَلِكَ، أنَّ عَدَدَ مَنْ يَستَطيعونَ حِمايَةَ إيفْ وأَرِن قَد ازدادَ.
فَلَيْسَ أليكسيونَ فَقَط، بَلْ والِداها أيْضًا، والأهَمُّ مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى آيريس نَفْسُها أصبَحَت لَدَيْها القُدرَةُ الآنَ على حِمايَةِ الصِّغار.
إذا تَجَرَّأَت مُورِيا سْكِين، أو أيُّ شَخصٍ آخَرَ يُوازيها في القُوَّة، على الاقتِحامِ، فَسَيَذوقونَ وَبَالَ أمرِهِم.
رَفَعَت إيفْ رَأسَها وَحَدَّقَتْ فيها بِتَدقيقٍ.
“أجَميعُكُمْ… سَتَحمونَنِي؟”
“يُمكِنُكِ قَولُ ذَلِكَ.”
أَوْمَأَت آيريس بِرَأسِها.
“لَكِنَّهُ، في نَفْسِ الوَقتِ، حِمايَةٌ لِجَميعِنا.”
“أنا أَعرِفُ أنَّهُ مِن أَجلِ حِمايَتِي.”
أَبْرَزَت إيفْ شَفَتَيْها بِعُبوسٍ.
“وَمَعَ أنِّي لا أستَطيعُ أنْ أُكافِئَكُم الآنَ… لَكِنِّي أَعِدُكِ. حينَ أَكبُرُ، سَأُكافِئُ عائِلَةَ الدُّوقِ.”
هَزَّت آيريس رَأسَها نافِيَةً.
تَمَنَّتْ في سِرِّها أنْ تنْسَى هَذه الطِّفلة الصَّغيرة تِلكَ الوُعُودَ الثَّقيلَةَ حينَ يَأتِي يَومُ تكوُنُ فيها كَبيرة.
لَكِنْ، ولِلأَسَفِ، كانَت حَفيدَةُ الإمبِراطور، إيفانْجِلين، ذاكِرَتُها جَيِّدَةً جِدًّا.
جَيِّدَةٌ إلى دَرَجَةِ أنَّها سَتَفي بِوَعْدِها بَعدَ 15 عَامًا، تَحْديدًا في يَومِ حَفْلِ بُلوغِها سِنَّ الرُّشدِ.
***
مَضَى الوَقتُ، وَحَلَّتْ لَيلَةُ الزِّفافِ.
قَرَّرَت آيريس، اتِّباعًا لِتِقاليدِ عائِلَةِ روبين، أنْ تَقضِيَ هَذِه اللَّيلَةَ مَعَ عائِلَتِها.
لَمْ يَعتَرِضْ أحَدٌ عَلَى ذَلِكَ طَبعًا، إلا أنَّ التِّنِّينَ الصَّغيرَ كانَ استِثناءً وَحيدًا.
“أحَقًا لَنْ أرَى ماما حَتَّى الغَدِ؟!”
تَجَعَّدَ وَجْهُ أَرِن كُلُّهُ بِالكآبَة، فَأسرَعَت ميرْيام بِمُحاوَلَةِ تَهدِئَتِهِ وَهيَ في حَيرَةٍ مِن أمرِها.
“لَيْلَةٌ واحِدَةٌ فَقَط يا سَيِّدي. ألَمْ تَكُنْ بِخَيرٍ مِنْ قَبلُ دونَ الآنسَةِ آيريس؟”
“مَتى كُنتُ بِخَيرٍ!”
“كُنتُ أظُنُّ سَيِّدي الصّغير قَدْ كَبُرَ…!”
“أنا أُريدُ الذَّهابَ إلى حَيثُ ماما! سَأذهَبُ لِأَحرُسَها!”
عِنْدَها فُتِحَ البابُ وَدَخَلَ أليكسيونَ مُتَظاهِرًا بِالهُدُوءِ وَقالَ:
“أَنْتَ مَنْ سَيَحرُسُ ماما؟ كَلامٌ مُضحِكٌ. أظُنُّ أنَّ آيريس هيَ مَنْ سَيَجِبُ عَلَيها حِراسَتُكَ الآنَ.”
“فِيي…!”
دَاسَ أَرِن بِقَدَمِهِ بِغَيظٍ.
فَهُوَ في الحَقيقَةِ يَعلَمُ جَيِّدًا مَدَى قُوَّةِ آيريس.
حَتَّى أنَّ كارفيان قَطَعَ صِلَتَهُ بِها مُنذُ مُدَّةٍ، مُعلِنًا أنَّهُ “لا مَزيدَ مِمَّا يُمكِنُهُ تَعليمُهُ إيَّاها”.
قيلَ في الشَّائعاتِ أنَّ رَئيسَ البُرجِ دَخَلَ بَعدَ ذَلِكَ في خَلوَةٍ تَأمُّليَّةٍ.
دُهِشَت آيريس كَثيرًا عِندَ سَماعِ هَذا الخَبَرِ، أمَّا أليكسيونَ فَلَمْ يَفعَلْ سِوى الضَّحِكِ.
كانَ يَقولُ أشياءًا مِثلَ: “أتَمَنَّى ألَّا يَخرُجَ أبَدًا!” حَتَّى أنَّ آيريسَ ضَرَبَتْهُ عَلَى ظَهرِهِ.
جَثَا أليكسيونَ على رُكبَتَيْهِ لِيُصْبِحَ في مُستَوَى نَظَرِ أَرِن.
“هَلْ تُريدُ أنْ أُخبِرَكَ بِسِرٍّ يا أَرِن؟”
“ما هو…؟”
“أنا أيْضًا أشتاقُ إلى آيريس، لَكِنِّي أتَحَمَّلُ ذَلِكَ. بَعدَ مُرورِ هَذا اليَومِ فَقَط، سَتُصبِحُ إيريس مِلكًا لي تَمامًا، إذاً يُمكِنُني تَحَمُّلُ ذَلِكَ.”
“ماما… سَتَكُونُ مِلْكَ بابا؟”
فَتَحَ أَرِن عَينَيْهِ واسِعًا.
“لَكِنَّ… هَذا أيْضًا لا يُعجِبُنِي…”
شَرَحَ أليكسيونَ بِلُطْفٍ:
“بابا أيْضًا سَيَكُونُ مِلْكَ ماما. هَلْ هَذا أيْضًا لا يُعجِبُكَ يا أَرِن؟”
“إذاً، أنا؟”
سَألَ أَرِن بِبَراءَةٍ.
“أنا… أنا مَنْ يُمكِنُنِي أنْ أملِكَ؟”
ها ها هَا، انفَجَرَت ضَحِكاتٌ مِن حَلقِ أليكسيونَ.
نَظَرَ إلَيْهِ ميرْيام وإيفْ مُندهِشَتَين.
لَقَدْ كانَت هَذِه أوَّلَ مَرَّةٍ يَرَيانِهِ فيها يُطلِقُ ضَحِكةً صادِقَةً وصاخِبَةً بِهَذا الشَّكلِ.
“أهَذا كانَ هَمَّكَ؟ كِلانا، بِالطَّبعِ، مِلْكٌ لَكَ يا أَرِن. تَفَضَّلِ التَهِمْنا مَتى شِئْتَ.”
“لا أُريدُ الإلتِهام! أنا لَسْتُ تِنِّينًا يَأكُلُ الآخَرين!”
بَدَأ يُرفرِفُ بِجَناحَيْهِ مُحَلِّقًا وَهوَ غَضبانٌ، فَشَعْثَنَ أليكسيونَ شَعرَ التِّنِّينِ الصَّغيرِ.
“طَبعًا أنتَ لَستَ كَذَلِكَ. كُنتُ أمْزَحُ فَقَط. هَلْ خَفَّ شُعورُكَ بِالشَّوقِ إلى ماما الآنَ؟”
“… نَعَم.”
أَوْمَأَ
أَرِن بِرَأسِهِ وَاحْتَضَنَ عُنُقَ أليكسيونَ.
“لَكِنْ، اقْرَأ لِي قِصَّةً.”
“أيَّةُ قِصَّةٍ؟”
ابتَسَمَ أَرِن ابتِسامَةً شِرِّيرَةً.
“القِصَّةُ الَّتي كَانَتْ ماما تَقرَؤُها لِي… إنَّها كِتابٌ غَليظٌ جِدًّا، جِدًّا.”
“حَاضِرٌ.”
يتبع في الفصل القادم …
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 161"