وكأنما سمعَ اقتراحاً لا يُريحه، تكلّم بوجهٍ باردٍ قائلاً:
“لماذا على دوقيتنا أن تتحمّل مثل هذا الأمر الشاقّ؟ جلالتُه يتحدّث وكأنه يمنحنا امتيازاً خاصاً.”
حدّق به الإمبراطور بتمعّن.
“إنه امتياز، أيها الدوق. لا يخفى عليك معنى إقامة الحفيدة الإمبراطورية في قصر الدوقية.”
“…….”
كان من المُتعارف عليه أن إقامة فردٍ من العائلة الإمبراطورية المباشرة في قصر أحد النبلاء، وليس في القصر الإمبراطوري، تحمل معنيين: رهينة… أو خطيبة ولي العهد.
“سيكون فارق السنّ كبيراً بين طفلك الذي سيُولد وبينها، لكن باجتهاد الزوجين يمكن تقليله إلى أدنى حدّ.”
بلغت به السخرية حدّاً لم يتمالك معه ضحكةً مكتوماً.
وفي الوقت نفسه، أدرك أن الإمبراطور أصبح في وضعٍ لا يحسد عليه لدرجة أنه يُحاول عقد خطبة بين حفيدته الإمبراطورية ووريث دوقية لم يُحمل به حتى الآن.
وإن يكن الأمر كذلك، فإن…
“لا داعٍ لتقرير أمور بعيدة كهذه الآن، يا صاحب الجلالة.”
“لقد استعجلتُ الأمر.”
اعترف الإمبراطور بخطئه.
“لكن إن أردت أيها الدوق، فيُمكننا التفكير في زواج ابنك من حفيدة إمبراطورية أخرى، وليس إيفانجيلين.”
كان هذا بمثابة إظهارٍ لكرمٍ كبير من إمبراطور.
فعادةً ما يتزوج الأحفاد الإمبراطوريون الآخرون، بخلاف إيفانجيلين التي انقطعت بها السُبل، ممّن يريدون.
وباعتبارهم العائلة الإمبراطورية لإمبراطورية عظيمة، فإنهم يتمتعون بهذا الامتياز.
لكن أليكسيون رفض هذا الاقتراح أيضاً بشكل قاطع.
“سيتزوج طفلي من يريد، كما تزوجتُ أنا.”
“…….”
“ولكن بما أن جلالتك تطلب هذا، فلا يطيب لي الرفض فحسب. سآمر أسرتي بالاستعداد لاستقبال سمو الحفيدة الإمبراطورية.”
“…سأتقبل قرارك بامتنان أيها الدوق.”
لم يرمش لأليكسيون جفنٌ أمام رد الإمبراطور المليء بالسخرية.
“يشرفني أن تظنّ بي جلالتُك هذا الظنّ.”
بل إنه أضاف ما زاد من غيظ الإمبراطور.
***
“أحقاً ستأتي إيف؟”
بدا آرِن غير مصدّق للخبر، فأخذ يكرر السؤال مراراً وتكراراً.
“إيف سـ……؟”
“أجل.”
ابتسمت أيريس ابتسامة خفيفة.
“بعد ثلاث ليالٍ فقط، ستأتي إيف بعربة من القصر الإمبراطوري.”
“واو…!”
صرخ آرِن فرحاً، ثم أمسك برأسه وأخذ يدور في المكان.
بدا عليه التجهّم، وكأنه يحمل هماً كبيراً.
“ما بكَ يا آرِن؟”
“لم أصنع هدية لإيف بعد. ولا حتى خطرت ببالي فكرة. أردت أن أهديها شيئاً يُذهلها….”
ساور أيريس التردد للحظة.
ثلاثة أيام ليست وقتاً قصيراً. وبمهارة آرِن، يمكنه بلا شك صنع هدية رائعة تُذهل إيف.
لكن، هل هذا حقاً ما ترغب به إيف؟
“آرِن، أعتقد أن… ما تريده إيف ليس هدية.”
“لماذا؟”
تساءل آرِن مستغرباً.
“أمي فرحت عندما تلقت هدية! إيف ستفرح هي أيضاً بالتأكيد.”
“في الأيام العادية، كانت إيف ستفعل. لكن إيف الآن قلقة عليك كثيراً وتشعر بالذنب، أليس كذلك؟”
“همم… لا داعي لتشعر بالذنب.”
“ورغم ذلك.”
واصلت أيريس شرحها بهدوء.
“ثم إنك كنت مريضاً كثيراً الفترة الماضية، لدرجة أنك لم تستطع التحول لبشر. إيف ستعتقد أن ذلك كله بسببها بكل تأكيد.”
“ليس خطأ إيف!”
صاح آرِن مفتوح العينين.
“كله بسبب تلك المرأة الشريرة.”
“صحيح. لكن لو لم تُختطف إيف، لما أُصبتَ أنتَ أيضاً.”
“…….”
“لذا أعتقد، أن إخبار إيف بمشاعرك الحقيقية سيكون أفضل هدية على الإطلاق.”
“كيف؟”
أمال آرِن رأسه متسائلاً.
“لن تصدقني إن أخبرتها فقط…….”
“ماذا عن كتابة رسالة؟”
“رسالة……؟”
كرر آرِن الكلمة بوجهٍ متحيّر.
“لكن آرِن لا يجيد الكتابة…….”
“ماما ستساعدك.”
ابتسمت أيريس.
“لا تقلق على أي شيء.”
“نعم……!”
***
ذلك المساء.
أليكسيون، العائد من المقابلة، نقل لها خبراً غير متوقع.
“يُقال أن موريا سكين ستُعاقب بتقطيع الأطراف.”
ابتسم أليكسيون ابتسامة مرة.
“لا داعي لهذا، لكن يبدو أن جلالته يريد إظهار حسن نيته لنا.”
“تقطيع الأطراف…….”
ابتلعت أيريس ريقها.
كان تقطيع الأطراف، أقسى أنواع الإعدام، ويُطبق عادةً على القتلة المتسلسلين الذين قتلوا العشرات.
وهي لم تكن تشعر بالأسف طبعاً.
لو نجحت خطة موريا سكين، لكانت أيريس نفسها مزقتها إرباً.
“أجل. وأنا أعتقد أنها عقوبة مناسبة لها.”
تنهدت أيريس.
“لا أعلم بخصوص ذلك لكن… من الجيد أنها ستُعدم بطريقة حاسمة. فلن تستطيع بعدها مدّ أيديها لأطفال أبرياء.”
“صحيح. يقولون أنه سيتم إعدامها سريعاً بعد العثور على العقل المدبر وراءها.”
“…….”
عضت أيريس على شفتها.
في الحقيقة، كانت الدائرة السحرية التي رسمتها موريا سكين تراها مألوفة بشكلٍ ما.
ولأنها كانت مختلفة تماماً عن الدوائر التي أراها إياها كارفيان، فربما كانت دائرة سحرية تتذكرها لا شعورياً…
‘…….’
اقشعرّ بدنها.
‘إذا كانت كذلك، فلا بد أن كارفيان يتذكرها.’
إذا كانت تلك الدائرة من الذكريات القديمة التي تتشاركها هي وأليكسيون و كارفيان، لكان على الاثنين الآخرين تذكرها أيضاً. لكن، ماذا لو……
‘كنت أنا فقط من يتذكرها؟ في الحقيقة، أنا من كانت الأقرب إليه. أليكسيون لم تكن له أية قدرة، و كارفيان كان خارج السيطرة.’
فتحت أيريس فمها بحذر.
“تلك الدائرة السحرية… هل يقوم كارفيان بدراستها جيداً؟”
تصلّبت ملامح أليكسيون.
“لا أعلم بخصوص ذلك. لم أسمع منه شيئاً.”
“……إذا قابلت كارفيان مرة أخرى، فأبلغه من فضلك. قُل له أنها تبدو كواحدة من الدوائر السحرية التي رأيناها عندما كنا صغاراً.”
“……!”
شدّ ألكسيون على يدها بقوة.
“أمتأكدة؟”
“…لست متأكدة.”
هزّت أيريس كتفيها.
“لكن إن كانت موريا سكين على صلةٍ ما به، بأي شكل كان… وإن كان ذلك الشخص لا يزال حياً حقاً.”
“محال.”
هزّ أليكسيون رأسه نافياً.
“كارفيان مزّقه إرباً. هذا مُدوّن في السجلات القديمة. ليس مما يمكن تلفيقه أو اختلاقه.”
ارتعش صوت أيريس.
“ماذا لو ك، كان كارفيان مخدوعاً؟ ماذا لو الذي قتله…… لم يكن ذلك الشخص الذي يستحق الموت، بل شخصاً آخر؟”
“…….”
“أرجوكَ، أليكسيون. بلّغ كارفيان كلامي.”
“لماذا لا تخبرينه بنفسك؟ إنه معلمكِ.”
لم يكن أليكسيون يسخر منها أو يلومها.
بدا الأمر وكأنه تساؤل بريء فقط.
ولربما كان من الأفضل أن تشرح هي الأمر بنفسها.
ابتسمت أيريس ابتسامة مرة.
“آسفة. لا أملك الشجاعة لذلك. أن أقول له: لربما الذي قتلتَه كان شخصاً آخر… لربما قتلتَ شخصاً بريئاً.”
واصلت أيريس حديثها بصعوبة بالغة.
“أعرف أن هذا جبن مني. لكني لا أستطيع أن أقول له ذلك أبداً.”
حدّق بها أليكسيون للحظة، ثم جذبها فجأة إلى صدره واحتضنها.
وبينما هي بدأت ترتجف، همس برفق في أذنها:
“لا تتعاملي مع نفسك كمذنبة لمجرد طلبٍ كهذا. فأنا قادر على تلبية ما هو أصعب من ذلك.”
التعليقات لهذا الفصل " 158"