لم يكن رد فعل الإمبراطور ليّناً بطبيعة الحال.
“…… في المرة الماضية، تفوّهت بهذا الكلام الوقح، والآن تطلب مني أن أرافقك لتبرئة سيدة روبين؟ أترى هذا معقولاً أيها الدوق؟”
أخفض ألكسيون رأسه.
“أعتذر، جلالتك.”
لكنه، وفي الوقت ذاته، لم يتراجع قيد أنملة.
“ولكن حينها كما الآن، كان دافعي هو القلق على والدي خطيبتي… أليست سيدة روبين على وشك أن تصبح قريبة لبيت الدوق قريباً؟”
“بالطبع، يجب فسخ الخطوبة!”
نهض الإمبراطور من مقعده بقوة، ضارباً بيده على ذراع الكرسي.
كانت عيناه تتّقدان حماسةً وهياجاً.
“ألا تزال تنوي الزواج بتلك المرأة حتى بعد ما وصلنا إليه؟”
“أجل.”
أجاب أليكسيون بصوت لا يتزعزع.
“هذا صحيح.”
“هراء محض!”
قهقه الإمبراطور مستهزئاً.
“قلت من البداية إن هذا الكلام فارغ، أليكسيون. فرغم أنني ربيتك منذ نعومة أظفارك…”.
ظل ألكسيون واقفاً صامتاً.
مهما قذفه الإمبراطور من كلمات، كان يصغي فقط.
كان موقفاً مألوفاً للغاية بالنسبة له.
فمنذ وفاة والديه، ما كان له إلا أن يخضع للإمبراطور ويُخلص له.
بغض النظر عمّا يكنّه في داخله.
بعد أن ظل الإمبراطور لفترة يوبّخه بصوتٍ مفعمٍ بالحماسة، توقف للحظات.
“…… أليكسيون.”
نبرة الإمبراطور، أصبحت أكثر ليونةً بعض الشيء.
“أنت تعلم أنني أعتبرك مثل ابني.”
“أليس ابنك هو كارفيان سول، جلالتك؟”
“كارفيان سول؟”
قال الإمبراطور باستنكار.
“ما هذا الهذيان؟ لقد كان ذلك الوغد مجرد أداة منذ البداية. لا نعرف من أي مزابل الدنيا أتى، فكيف يمكن الوثوق به؟”
“…….”
كان الأمر غريباً.
منذ أيام الصبا، تمنى أليكسيون مراراً وتكراراً أن يعتبره الإمبراطور أفضل من كارفيان، وأن يعترف به.
كما تمنى طرد كارفيان، ذاك الذي “لا يُعرف من أي مزابل الدنيا أتى” على حد تعبير الإمبراطور، بحجة أنه لا يستحق التواجد في القصر.
لكن الآن، وقد تحققت أوهام الطفولة، لم يشعر بأدنى سعادة.
بل على العكس…
“كان على الإمبراطورألا يقول مثل هذا الكلام عن كارفيان سول.”
لقد استغل الإمبراطور كارفيان سول تماماً كما استغل أليكسيون.
فقد استغل نفسية أليكسيون التوّاقة للاعتراف ليُشعل المنافسة مع كارفيان، واستغل نفسية كارفيان التوّاقة للحب ليجعله خاضعاً له وحده.
الآن، استطاع أليكسيون أن يخترق بوضوح ما فعله الإمبراطور طوال الوقت به و كارفيان.
‘كانت هذه أفعالاً لا تليق بإنسان.’
أول شعور انتابه كان شعوراً بالخيانة.
وبعده، كان الغضب.
لكن…
في الوقت ذاته، كان إدراكه لفظائع الإمبراطور، قد منح أليكسيون حريةً جديدة.
كان سبب ولاء ألكسيون للإمبراطور طوال هذه المدة بسيطاً:
لأنه كان يعتقد أن ‘هذا ما ينبغي على الإنسان فعله’.
لكن الآن، بعد أن أدرك أن كل ذلك كان بلا معنى…
حدّق ألكسيون في الإمبراطور نظرةً مباشرة.
لم يكن يوماً خاضعاً أو متذللاً أمام الإمبراطور، لكنها كانت المرة الأولى التي يظهر فيها عداءً صريحاً.
“جلالتك، إن ذاك ‘الذي لا يُعرف من أي مزابل الدنيا أتى’، ها هو الآن يصغي إليّ.”
ارتفع زاوية فمه بانحناءة ساخرة.
“بدوني أنا، وبدون كارفيان سول… كيف تخطط لحكم هذه الإمبراطورية؟”
***
“هيـــع، هيـــعـــ… هيــــع.”
كان آرِن ينتحب بشدة.
فلمجرد اتصاله بإيف للحظات، كان كافياً ليشعر بمدى الألم الذي تعانيه.
‘ببـ… بسرعة… يجب أن أجدها بسرعة.’
ربما بسبب بُعد المسافة، أو ربما لأن المشاعر المتبادلة بينهما كانت ضعيفة أساساً، لم يكن الاتصال مع إيف يقوى بسهولة.
بقي ضعيفاً للغاية، وكان عليه بذل قصارى جهده ليستمر ذلك الخيط الواهن بصعوبة.
ومع ذلك، واصل آرِن تضييق نطاق البحث.
‘لقد شعرت بها… في الغرب.’
لم يستسلم آرِن وواصل رفرفة جناحيه.
المشكلة كانت أنه لكي لا يراه أحد، كان يحلق عالياً جداً، لدرجة أنه اقترب أكثر من اللازم من الشمس دون أن يدري.
‘حـــار…!’
هبط آرِن على عجَل نحو الأسفل.
لكن حرارة الشمس التي تذوقها للمرة الأولى، كان لها تأثير كبير على التنين الصغير.
‘أشعر بدوخة…’
ترنّح آرِن وسقط بسرعة كبيرة نحو الأرض.
باتجاه النقطة التي كان متصلاً بها مع إيف آخر مرة.
كراااااش!
مع دويّ هائل، انهار السقف متحطماً.
نظرت إيف بعينين مذعورتين إلى التنين الساقط.
أعني… إلى آرِن.
“آرِن!”
صاحت به فرحة، لكنها سرعان ما أدركت أن هناك خطباً ما.
كان آرِن مغمض العينين، يئنّ بألمٍ ويتأوه بصعوبة.
بطبيعة الحال، لاحظت موريا سكين ذلك أيضاً.
“ها! ها قد أتت السحلية لإنقاذ سموّكِ.”
رفعت يدها وهي تضحك بسخرية.
في لحظة، تم تقييد آرِن بالسلاسل الحديدية بإحكام.
“من الواضح أنكِ كنتِ في قصر الدوق طوال هذه المدة، أليس كذلك، بما أنكِ تعرفين هذه السحلية؟”
“……!”
شهقت إيف.
إن حقيقة أن موريا سكين تعلم بهذا الأمر تعني…
“جلالته كان يشك في ذلك أيضاً وللأسف، لم يتمكن من العثور على دليل. كان سيستغله كنقطة ضعف ليهدد بها عائلة الدوق لو وجده.”
“لقد التقيت به مرة واحدة فقط عابرة. في ذلك الوقت، التقت بي السيدة روبين، ورأيت هذا التنين أيضاً لفترة وجيزة. حتى أنني عرفت اسمه حينها…”
صمتت إيف.
لا داعي لتقديم الأعذار لهذه المرأة على أي حال.
الأهم هو إنقاذ آرِن بسرعة والهرب معاً…!
حدّقت موريا سكين في آرِن ملياً.
“عند التفكير، أرى أن هذا أفضل كقربان. إذا قدمت تنيناً، فلن أستطيع إحياء ميت واحد فقط، بل عدة موتى.”
“هل كنتِ تحاولين إحياء الموتى؟”
قشعريرة بدينة سرت في جسدها.
إن إحياء الموتى من المحرمات التي لا يمكن ارتكابها أبداً.
ضحكت موريا.
“بطبيعة الحال. سأحيي أخي. سأبعثه حياً… لكي ينعم بما يحق لي أن أنعم به.”
“… حتى لو عاد أخوكِ حياً، لن يتم الاعتراف به كفرد من العائلة الإمبراطورية. جلالته سينكر هذه الحقيقة ذاتها. ألا تعرفين من هو ذلك الرجل؟”
“آه، أيتها الحفيدة الإمبراطورية المسكينة.”
انفرج فم موريا بشكل واسع.
“حقاً لا تعرفين ما هو ذلك الرجل. لو أني أحضرت له ميتاً وأعدته للحياة حقاً؟ إنه رجل سيمدحني كثيراً من أجل خلوده هو.”
“أووه، أوووه…”
عندها.
آرِن، الذي استعاد وعيه للتو، فتح عينيه على مصراعيه وأخذ يتفحص المكان.
“إيـ… إيف… هل أنتِ بخير…؟”
“أنـ… أنا بخير.”
أجابت إيف بسرعة.
“لكن أنت…”
“أنا… أتألم.”
تساقطت دموع صافية كاللؤلؤ من عيني آرِن المستديرتين الكبيرتين.
انقبض قلب إيف.
‘لقد حدث له هذا لأنه حاول إنقاذي.’
لكن لم يكن بوسعها فعل أي شيء في هذا الموقف.
‘لو كان باستطاعتي استخدام القليل من السحر فقط…’
هزت إيف رأسها.
التفكير في المستحيلات الآن لن يفيد بشيء.
‘أنا، أذكى بكثير من آرِن. إذاً يمكنني أن أعلّمه طريقة. يجب أن أجد طريقة…!’
وفي تلك الأثناء، سحبت موريا إيف من مركز الدائرة السحرية، ثم جرّت آرِن وأجلسته في المركز.
“لا… لااا! ماما! بابا!”
صرخ آرِن بأعلى صوته.
“ماما! ماما!”
“ما هذه الماما التي تناديها.”
قهقهت موريا باستهزاء.
“سألحق بك ببقية الحساء لاحقاً.”
يتبع في الفصل القادم
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 155"