كانت الغرفة حالكة الظلام، فيما عدا بضعة خطوط من ضوء الشمس التي كانت تتسلل عبر فجوة في السقف عوضًا عن النافذة.
“أن أُؤتى من قِبَلها.”
كان ينبغي عليّ أن أكون أكثر ريبةً تجاه تلك المرأة، موريًا سكين.
كان خطئي الفادح أنني ظننتها مجرد جاسوسة زرعها الإمبراطور.
قد كانت جاسوسة بالفعل، لكن يبدو أنها لم تكن جاسوسة الإمبراطور.
فقد استخدمت السحر لتغيير هيئتها واختطفت حفيدة الإمبراطور.
‘لعل هدفها لم يكن إيفانجيلين، بل……’
في تلك اللحظة.
دب دب.
كان هناك من يصعد الدرج.
اتخذت هيلين على الفور وضعية الدفاع والهجوم.
إن كان قد جاء ليُسكتها، فقد عقدت العزم على أن تبادر بالهجوم.
لكن ما إن انفتح الباب، حتى اتسعت عينا هيلين دهشة، وفُغر فاها على اتساعه.
“آيريس!”
لقد ظهرت هناك ابنتها الصغرى الحبيبة، التي كان من المستحيل أن تكون في هذا المكان، برفقة خطيبها.
أسرعت آيريس نحوها واحتضنتها، ثم أخذت تتفحص ملامح وجهها.
“أمي…… أأنتِ بخير؟”
“وما الذي يجعلني غير بخير؟”
حاولت هيلين أن ترسم ابتسامة على وجهها.
لكنها كانت ابتسامة متكلفة بالطبع، مما زاد قلق آيريس وعمق حيرتها.
“سمعتُ كل شيء. علمتُ أنهم دبروا لكِ مؤامرة.”
“….لا بد أن هذا كان جزءًا من خطتها تساءلتُ لماذا استسلمت بتلك السهولة.”
لامت هيلين نفسها.
فلو كانت جاسوسة الإمبراطور حقًا، لما كانت لتترك الميدان بتلك السهولة.
‘كان عليّ أن أشك في تلك النقطة بالتحديد……’
حدقت بها آيريس.
“ليس هذا خطأكِ، يا أمي.”
“أعرف ذلك، يا آيريس.”
تنهدت هيلين.
“لكن، لو كنتُ أكثر حرصًا…. لما اضطررتِ أنتِ لتحمل كل هذه المشقة.”
“ماذا تقولين؟ أي مشقة تظنين أني تحملتُ؟”
أشارت آيريس إلى الخلف.
“المشقة ستكون من نصيب هذين الإثنين.”
رمشت هيلين بعينيها.
أليكسيون تيت، و…… كارفيان سول.
“لماذا يرافقنا سيد برج السحر؟”
ارتفع صوتها غريزيًا ممتزجًا بالحذر.
في اعتقادها، لم يكن هناك سوى سبب واحد قد يدفع سيد البرج لمساعدة آيريس.
إنه ذلك الطمع الباطن الذي لن يرحب به أحد.
“جئتُ لمساعدتكم بإخلاص.”
أجاب كارفيان سول بصوت جاف.
“أدرك أنكم قد تجدون صعوبة في تصديق ذلك.”
“……ينبغي أن أتقدم لكم بالشكر.”
كان وجه هيلين بنفس صلابة وجهه.
“لكن، كيف……؟”
“يمكننا العثور على حفيدة الإمبراطور.”
أجاب كارفيان بصراحة.
ما لم يعترض طريقهم تنين آخر، سيكون العثور على حفيدة الإمبراطور أمرًا يسيرًا.
خاصةً إن كان الخصم مجرد ساحر عادي.
“لكن إثبات براءتكِ، يا سيدتي، مسألة أخرى.”
“إذا وجدنا إيف، ستتمكن هي من إثبات براءتي.”
“….ما يحاول كارويان قوله هو، أنه حتى لو فعلت، قد يكون إثبات ذلك صعبًا. فقد يزعمون أن إيف مسيطر عليها بواسطة سحركِ.”
“هذا صحيح.”
عضت آيريس على شفتيها.
كان الأمر مرًا، لكنه كان صحيحًا.
‘أمي متهمة بالفعل. هذه فرصة مثالية للنيل من عائلتنا.’
هزت هيلين رأسها.
“لا تفكري في أمري، ابحثي عن سمو الأميرة إيفانجيلين أولاً. سنجد حلاً لما بعد ذلك.”
“لا يمكن أن تكون موريًا سكين قد أغفلت هذه النقطة.”
أجاب كارفيان بوجه جامد.
“يبدو أن الهدف الأساسي كان سيدتي، وليس حفيدة الإمبراطور بحد ذاتها……”
“علينا أن نكون حذرات، يا أمي.”
ارتعش صوت آيريس لا إراديًا.
إذا لم تتمكن هيلين من خلع تهمة محاولة اختطاف أحد أفراد العائلة الإمبراطورية، فستواجه الإعدام، أو حياة أسوأ من الموت.
بطبيعة الحال، ستظلم حياة آيريس وشقيقتها ريبيكا أيضًا.
لكن الأهم من كل ذلك، كان حياة أمهما.
“بالطبع أريد إنقاذ إيف أيضًا…… لكنني لا أريد التضحية بكِ، يا أمي.”
تدخل أليكسيون في الحديث.
“هل من الممكن، يا سيدتي، أن يكون هناك شاهد يمكنه إثبات براءتكِ حينها……؟”
“لا يوجد.”
هزت هيلين كتفيها.
“لا أحد يحبني هناك. في الأساس، لم أسعَ قط للتقرب من أحد. كان كل اهتمامي منصبًا على حماية سمو الأميرة إيفانجيلين.”
“……أظن أنها كانت قد خططت لهذا أيضًا.”
لعقت آيريس شفتيها الجافتين.
“أمي مسؤولة عن شؤون القصر الداخلية، في العادة، حتى لو كانت صارمة، لكان هناك من يحاول التقرب منها. لكن لم يقترب منها أحد….هذا يعني أن تلك المرأة.”
“دعينا لا نفكر في الماء المسكوب.”
تقدمت هيلين بخطوات متعثرة نحو كرسي خشبي وجلست عليه.
خلافًا لكلماتها، كان وجهها يفيض بالأسف.
“لقد قطعتُ وعودًا كثيرة جدًا لسمو الأميرة إيفانجيلين. هي لم تكن تثق بسواي…. لذلك لم يكن أمامي خيار سوى ذلك.”
“……”
صمتت آيريس.
لم تكن بحاجة لسماع ما وعدت به هيلين إيفانجيلين.
كانت تعرفه تمامًا.
رفعت هيلين رأسها ونظرت إلى كارفيان.
“سأكون مدينةً لك، أيها السيد سيد البرج. هل توجد أي تعويذة سحرية يمكنها أن تحدد أين كنتُ بالضبط، وإلى متى؟”
“لو كان هناك مثل هذا السحر، لكانت كل الجرائم قد حُلّت بالفعل.”
أجاب كارفيان بسخرية.
“السحر ليس حلاً لكل شيء. الأسهل هو تهريبكِ من هذا المكان الآن.”
“……!”
اتسعت عينا آيريس.
‘تلك الفكرة!’
فكرت في الأمر.
إذا كان بإمكان كارفيان تهريب هيلين، يمكن لوالديها تغيير اسميهما والعيش بسعادة وأمان في الخارج.
بالطبع، هي وريبيكا ستصبحان فجأة ابنتي مجرمة، لكن ماذا في ذلك؟
لطالما عاشتا تحت ازدراء كونهما من عائلة نبيلة منحلة.
حتى لو أضيف إلى هذا الازدراء وصمة العار لكونها ابنة مجرمة…… لا بأس.
المشكلة أن هيلين كانت تعترض بشدة.
“لن أفعل هذا أبدًا.”
“أمي، أرجوكِ، فكري بالأمر مجددًا.”
“هل جننتِ، يا آيريس؟”
ارتفع صوت هيلين.
“ماذا عنكِ وعن أختكِ، كيف ستجيشاني….! لا يمكنني فعل هذا أبدًا. الموت أهون عليّ.”
“وماذا سنفعل نحن إن حدث؟”
هزت آيريس كتفيها.
“أنا وأختي سنكون بخير. لكن إن استمررتِ في تحمل هذه التهمة ظلمًا……”
“لا تزال الأمور غير محسومة بعد.”
هزت هيلين رأسها.
“قد تتبدد هذه التهمة. وإن لم تتبدد، يمكننا التفكير في الأمر حينها.”
قاطع كارفيان الحديث بعلامات الانزعاج بادية عليه.
“أعتذر عن المقاطعة، لكنني إذا تدخلت وأخرجتكِ الآن، ولن أستطيع إخراجكِ مجددًا إذا بدأت المحاكمة يمكنني حاليًا تلفيق الأمر على أنه هروب منكِ… لكن بعد ذلك، سيكون من الصعب إخفاء تورطي.”
***
أما آرِن، الذي تُرك وحيدًا، فظل يدور في أرجاء غرفة المعيشة.
‘أبي وأمي…. يعانيان.’
كان الخيط الذي يربطه بهما يزداد سُمكًا يومًا بعد يوم.
‘أمي قلقة طوال الوقت، وأبي حزين.’
كان الأمر غريبًا.
فالعادة أن يكون العكس هو الصحيح.
أثار فضول آرِن فركّز تفكيره على الخيط.
في البداية، كان فقط ليعرف مشاعرهما.
وبطبيعة الحال، شعر بمشاعرهما بقوة أكبر مما توقع.
‘هناك شيء يُصدر أزيزًا.’
هل كان صوتًا؟ أم اهتزازًا؟ هل كانا يتشاجران؟
بينما واصل آرِن التركيز، حدث أمر غريب.
فالخيط بدأ يُسحب باتجاه آرِن شيئًا فشيئًا، حتى بدا وكأن ماما وبابا في نفس الغرفة معه، يراهما بوضوح.
‘ماذا، ماذا يحدث؟’
كاد آرِن أن يقع على مؤخرته من شدة الصدمة.
ولم يكفِ أنه رآهما فحسب، بل كاد أن يصرخ عندما سمع أصواتهما أيضًا.
“بالطبع، إيف عزيزة عليّ أيضًا! أنت تعلم أنني أعتبرها مثل ابنتي. لكن أمي هي أمي……”
أدرك آرِن الموقف في لحظة.
إيف…… قد اختُطفت.
المشكلة كانت، أنه لإنقاذ إيف، كان على ماما وبابا التضحية بوالدة ماما.
‘لهذا السبب أمي حزينة، وأبي قلق.’
ابتلع آرِن ريقه بصعوبة.
لقد وعد ماما مرارًا وتكرارًا بأنه لن يغادر قصر الدوق أبدًا، لكن هذه كانت حالة طارئة.
التعليقات لهذا الفصل " 153"