“…….”
ابتلعتْ أيريس ريقها.
كان الطفل غارقًا في نوم عميق وهادئ.
مع انعكاس أشعة الشمس على وجهه الناعس، بدا وكأنه تمثال طفل ملاكٍ من أحد المعابد، لا يُضاهى جمالًا.
يا له من مسكين، لقد كان متوترًا حقًا.
لم يعتد آرِن على النوم بسهولة، فهو مفعم بالحيوية عادة.
ففي معظم الأحيان، حتى بعد أن تُغطيه ببطانه وتُربّت عليه ليهدأ، كان يبقى طويلاً ساهرًا قبل أن يغلبه النعاس.
لكن أن يخلد إلى النوم بهذه السرعة اليوم، فلن يكون السبب مجرد شعوره بالملل من الكتاب فقط.
كم طال انتظاره لي…
عضّت أيريس على شفتيها.
تأملت قليلاً، فأدركت أنه ليس آرِن وحده من ينتظرها، بل هناك الكثيرون ممن لا تسير أمورهم على ما يرام دون أن تلمسها هي بيدها.
…ألأخرج؟
لكنها ما إن همّت بالنهوض حتى عادت وجلست ثانية.
فكرتها بعودة آرِن ليجدها قد ذهبت، وتخيّل ملامح خيبة الأمل على وجهه، جعل قلبها يتوجع ألمًا.
لا بأس، فقط ليوم واحد.
بقيت تراقبه بصمت، وإذا برأسها يبدأ في الإيماء بالنعاس دون أن تشعر.
فأيريس أيضًا كانت منهكة للغاية مما توالى عليها من أحداث مؤخرًا، لذا سرعان ما غلبها النعاس.
انبسطت أشعة شمس الظهيرة الدافئة فوق الأم وابنها الهامدَين في سكينة.
***
“هل قلت… إن أيريس قد اختفت؟”
عند تقرير كبير الخدم، بنيامين، توتر جسد أليكسيون توترًا غريزيًا.
“نعم يا سيدي. لم تكن في غرفة نومها أيضًا، لذا ظننتُ أنها قد تكون هنا… لكن يبدو أنها ليست هنا.”
تضيّقت عينا أليكسيون.
كان من المستبعد جدًا أن تغادر أيريس القصر دونه دون أن تُخبره.
فلو أنها خرجت، لكان هناك بالتأكيد من رآها.
“لا بد أنها في مكانٍ ما هنا.”
“أنا أعتقد ذلك أيضًا يا سيدي. لكن لا ضرر من التأكد. وسيدي الصغير…”
تلكأ بنيامين في إكمال جملته، لكن أليكسيون التقطها بذكاء.
كان يريد أن يقول إن آرِن يستطيع الطيران، أليس من الممكن أن يكون قد أقلع بها طائرًا؟
“مُحال.”
قال أليكسيون بحزم ونهض من مكانه.
“سأبحث عنهما بنفسي.”
“لديك أعمالك يا سيدي… سنبحث نحن عنهما.”
“لقد أنهيتُ كل شيء.”
أشار أليكسيون بذقنه نحو المكتب، حيث كانت الأوراق المتراكمة قد رُتّبت بدقة.
“فقط راجعها.”
“نعم يا سيدي.”
جمع بنيامين الأوراق فورًا.
حتى من نظرة خاطفة، بدت وكأنها رُتّبت بإتقان شديد، ولم يكن هناك ما يعيق المضي قدمًا بها.
ترك أليكسيون كبير الخدم في المكتب وخرج بخطوات واسعة.
قال إنها ليست في غرفة النوم.
وأيريس لن تأخذ آرِن إلى غرفة فارغة أو المخزن.
والعكس صحيح أيضًا.
بما أنه لا يوجد من رآهما، فلا بد أن المكان قليل الوجود البشري عادةً.
قطّب أليكسيون حاجبيه.
فالأماكن المحتملة لم تكن كثيرة.
…لأبدأ بالمكتبة أولًا.
لم يكن المكان الأكثر ترجيحًا لذهاب أيريس و آرِن، لكن بما أنه لم يخطر بباله مكان آخر، فالأفضل أن يبدأ بالتفقد من هناك.
بعد لحظات، فتح أليكسيون باب المكتبة.
حقيقة أن الباب لم يكن مُغلقًا بالكامل زادت من حدسه.
وكما توقع، كان بداخل المكتبة كل من أيريس و آرِن.
لكن بمشهد لم يتوقعه.
…!
اتسعت عينا أليكسيون للحظات من الدهشة، ثم سرعان ما ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتيه.
كان أعز شخصين في العالم عليه غارقين في نوم عميق، متكئين على بعضهما البعض.
على أريكة فردية ليست بالكبيرة أبدًا.
كان شعر أيريس يلمع بذهبية تحت أشعة الشمس المسائية، و آرِن، بوجهه الملائكي الهامد، مستندٌ كليًا على أيريس.
لا بد أنهما غير مرتاحين.
بحذر شديد، رفع أليكسيون أيريس و آرِن معًا في حضنه.
بما أن أيريس كانت تحتضن آرِن، استطاع تحريكهما معًا دون عناء.
ربما شعرت بحركته، تململت أيريس قليلاً، لكنها لم تستيقظ ولو مرة واحدة حتى أوصلهما إلى غرفة النوم.
لقد كانت مُتعبة حقًا.
فكر حينها فقط بكمية المعاناة التي مرت بها أيريس مؤخرًا. انشغاله الشديد في الفترة الأخيرة جعله لا يجد وقتًا لتفقّدها، ناهيك عن آرِن.
إن كان هذا هو حالنا، فما الهدف من الزواج أساسًا؟
الزواج في الأساس هو للارتباط مدى الحياة، فأي معنى له إن كانا يعيشان تحت سقف واحد لكنهما لا يستطيعان رعاية بعضهما بسبب الزواج نفسه؟
تنهد أليكسيون بينما كان يُنزل أيريس و آرِن معًا على السرير، وفي تلك اللحظة بالتحديد.
“بابا؟”
فرك آرِن عينيه وبدأ يتململ.
“نم مجددًا.”
أسرع أليكسيون بإعادته للرقاد، لكن التنين الصغير، وكالعادة، لم يطع كلامه.
“أريد أن أنهض… أين ماما؟”
“دع ماما تنام أكثر.”
“همم…”
بدا آرِن متعجرًا وكأن النعاس لم يفارقه بعد، أمسك بيد أليكسيون ونزل من السرير.
خرجا معًا من الغرفة على أطراف أصابعهما.
نظر آرِن إلى أليكسيون بوجه حزين.
“هل ستذهب الآن، بابا؟”
“لا.”
هز أليكسيون رأسه نافيًا بسرعة.
“لقد انتهيت من كل العمل.”
“حقًا؟”
لوهلة، بدا وكأن مئات الشموع أُضيئت على وجه الطفل.
حدق أليكسيون في هذا المشهد للحظات شاردا.
كان يعتقد أن أيريس فقط هي من تستطيع جعل آرِن سعيدًا بهذا الشكل.
لكنه هو أيضًا…
يا لغبائي…
إذا كانت أيريس هي ماما، فهو بابا.
فهما شريكان متساويان، وليس أبدًا علاقة يكون فيها متخلفًا عن الركب.
كان عليه على الأقل، منذ اللحظة التي اعترف فيها آرِن به كبابا وتقبله، أن يجهد نفسه للتقرب منه.
“آسف يا بني. هل كنتَ تشعر بالوحدة كثيرًا هذه الأيام؟”
“…لا. أنا أفهم كل شيء، لأن ماما وبابا مشغولان لأسباب مهمة.”
حتى مع سماعه هذا الكلام الناضج، لم يشعر أليكسيون بأي فرحة.
“لا بأس في أن تكون صريحًا معي، آرِن.”
تمعّر فم آرِن وكأنه يريد قول شيء.
انتظر أليكسيون بصبر.
“أنا… أريد مساعدة ماما وبابا… ولكني لا أعرف كيف.”
في لحظة، شعر أليكسيون بدفء يغمر صدره بالكامل، مخالط بموجة من الانفعال.
بينما كان يتوقع سماع كلمات مثل ‘كنتُ وحيدًا’ أو ‘شعرتُ بالغضب’، كان آرِن في الحقيقة قلقًا عليه وعلى أيريس بصدق.
“إن كان هذا ما تريده، فالأمر سهل.”
تكلّف أليكسيون صوتًا جادًا.
“هناك شيء لا يمكنك مساعدتنا فيه إلا أنت… لكنني لم أخبرك به خوفًا من أن يكون شاقًا عليك.”
“حقًا؟”
اتسعت عينا آرِن.
“أريد فعله! سأفعله!”
“اصصه.”
خفّض أليكسيون صوته.
“الأمر هو…”
***
…يبدو أنني غفوتُ دون قصد.
تمطّت أيريس وهي تستيقظ.
شعرت بالحرج لأنها لم تتوقع أن تنام بعمق كل هذا.
من الظلام الذي اكتسح المكان، لم تستطع تخمين كم من الوقت نامت.
‘آه؟’
رغم عدم وجود ضوءٍ مُضاء، كان ضوء القمر كافيًا لتكشف الغرفة بأكملها أمام عينيها مباشرة.
بدلاً من المكتبة التي توقعها بالطبع، هذا المكان هو…
‘إنها غرفة نومي.’
اللحاف والمرتبة اللذان يلتفان حولها باعتيادية، ترتيب الأثاث المألوف جدًا…
‘متى عُدتُ إلى غرفتي؟’
ارتبكت أيريس وأسرعت بالنزول من السرير.
فقد كان ضوء ساطع يتسلل من بين فتحة الباب.
على الأرجح، لا بد أن آرِن لا يزال مستيقظًا.
لكن ما وجدته عندما فتحت باب غرفة النوم وخرجت كان…
“ماما!”
ليس فقط آرِن كما توقعت.
“أيريس.”
بل وأيضًا أليكسيون، الذي كان يبتسم ابتسامة خفيفة.
عندها فقط أدركت أيريس الموقف.
لا بد أن أليكسيون قد وجدها نائمة ونقلها إلى غرفة النوم.
ويبدو أن آرِن استيقظ في منتصف الطريق.
شعرت أيريس بالحرج بعض الشيء، فابتسمت ابتسامة متكلفة.
“ما بكم جميعًا لم تناموا بعد؟”
“لقد صنعنا أنا وبابا هدية لماما.”
قال آرِن بصوت مليء بالحيوية وراح يرفع لها صندوقًا صغيرًا.
تسلمت أيريس الصندوق على حين غرة، وفتحته على الفور.
“…!”
يتبع في الفصل القادم …
ترجمة
التعليقات لهذا الفصل " 150"