‘… كأنه يظن أني سأهرب.’
رفعت ريبيكا جفنيها ببطء وتطلعت إلى روب.
على عكس صوته الذي بدا مفعمًا بالثقة، كانت علامات التوتر بادية عليه هو أيضًا.
“ري.. ريبيكا.”
تمتم روب بارتباك.
“هذا الكلام يعني…”
“لن أهرب.”
قالت ريبيكا بصدق.
“لن أهرب أبدًا، لذا اطمئن.”
صححت وضع يد روب.
الآن أصبحا ممسكين بأيدي بعضهما بحنان، كما يراه الناظر إليهما كعاشقين.
ولو رآهما أحد لقامت ضجة كبرى، لكن ريبيكا لم تبالِ.
“لأنني أيضًا رغبتُ فيك.”
“… لا تكذبي.”
أجاب روب بصوت مرتجف، ولم يستطع حتى أن يلتقي عينيها، لكنه لم يفلت يدها.
تنهدت ريبيكا في داخلها.
لم يخطر ببالها أن هذا الخجول، الذي تفوه لتوه بتلك الأقوال العظيمة، سيكون على هذه الحال.
‘أتدرّب على هذا طوال الوقت؟… لا يهم.’
في حياة ريبيكا، لم يكن هناك أحد، باستثناء عائلتها، أظهر لها من التفاني والحب مثلما فعل روب.
مع علمه التام بأن احتمالية أن يلقى المُقابل ضئيلة جدًا.
فكيف لها إذًا ألَّا تحب روب؟
“أتعلم، روب.”
نظرت إليه مباشرة.
كانت عازمة على ملاحقة نظره أينما اتجه.
“أنا أيضًا كنت معجبة بك. وحتى عندما كنت تهدي آيريس الهدايا، أظن أنني شعرت بقليل من الغيرة؟”
أجاب روب ووجهه محمر.
“… هذه حقًا كذبة هذه المرة. ففي ذلك الوقت، لم تكوني تهتمين بي أبدًا.”
قهقهت ريبيكا.
“أتعرف جيدًا. إذاً، ما قلته قبل قليل ليس بكذب.”
“… ريبيكا.”
“بل أنت، لا تهرب مني. فأنا لن أتركك أبدًا، ولن أرحل أبدًا. منصب الماركيزة المستقبلية لتشيرين هو ملكي.”
“كنت أعرف دائمًا أنكِ طموحة. لكن لم أكن أتوقع أن تطمعي في منصب والدتي بهذا الشكل المبكر.”
بعد لحظة صمت قصيرة، نظر كل منهما إلى الآخر وانفجرا في ضحكة عالية.
كان ذلك لأنهما تأكدا، رغم مرور السنين، أن لا هو ولا هي قد تغيرا على الإطلاق، مما جعلهما يشعران بخفة في القلب.
رفع روب كفه ليلمس خدها بلطف ثم قبلها.
كانت قبلة قصيرة، لكنها كانت حلوة إلى أبعد حد.
***
‘ما أكثر شيء أرغب فيه…’
حركت آيريس شفتيها.
كانت آيريس تعرف بالطبيعي ما تريده.
لكنها لم تستطع، بكل بساطة، أن تبوح به بصراحة أمام هذين الرجلين.
“… أن أصبح قوية.”
لذا، أسقطت إيريس عبارة “من أجل من” من إجابتها.
“حتى لا أكون عبئًا على أحد… ولكي أكون عونًا للجميع. أريد أن أصبح قوية.”
حدق بها كارفيان بتمعن.
“يجب أن تكوني صريحة، يا آيريس. بمثل هذه الإجابة، لن تحصلي على شيء.”
ابتلعت آيريس ريقها.
‘كارفيان على حق.’
أخذت نفسًا عميقًا للحظات.
كانت تتوقع كيف سيكون رد فعل كارفيان على كلامها، لكنها لم تستطع تخمين ردة فعل أليكسيون على الإطلاق.
“أريد أن أكون عونًا لأليكسيون. عندما يكون في خطر… لدرجة أن أتمكن من إنقاذه. لدرجة أن أصبح ندًا له، نتكئ على ظهور بعضنا البعض بثقة.”
“آيريس.”
تقدّم أليكسيون خطوة كبيرة إلى الأمام محاولًا الإمساك بيد آيريس، لكنه بدا كمن اصطدم بحائط، فلم يستطع الاقتراب.
حذّره كارفيان.
“لا تقاطع، أيها الدوق. آيريس تقوم الآن بعملٍ أخطر مما تتصور.”
يبدو أنه استخدم سحرًا كبيرًا، إذ بدت عروق زرقاء بارزة على جبينه.
“…….”
ألقى أليكسيون نظرة فاحصة كالرمح نحو كارفيان، ثم تراجع خطوة إلى الوراء.
تنفس كارفيان الصعداء والتفت إلى آيريس قائلًا:
“إذا كنتِ ترغبين حقًا في ذلك، فحسنًا حدث.”
“ماذا…؟”
سألت آيريس مندهشة.
كانت تتوقع من كارفيان كلامًا عدائيًا أو ساخرًا، لكنه أظهر موقفًا تعاونيًا بدلًا من ذلك.
“آيريس، أمامك فقط أن تصبحي قوية. وبالطبع، يمكنكِ أن تصبحي أقوى حتى من دوق تيت.”
“…!”
بدأ قلب آيريس يدق بقوة.
إذا أصبحت أقوى من أليكسيون، فستتمكن من حمايته وحماية آرِن بشكل كاف.
ليس هذا فقط.
لن تعود تشعر بأنها نقطة ضعف أليكسيون و آرِن. ولن يستطيع أي أحد أن يتعامل معها باستخفاف…
ليس بوصفها خطيبة أليكسيون أو سيدة آرِن، بل بفضل قوتها هي وحدها.
ضحك كارفيان بسخرية خفيفة.
كانت ضحكة تحمل شيئًا من الاستهانة، وفي نفس الوقت شيئًا من الإعجاب بظرفها، وكأنه يقرأ ما في رأسها.
“لكن لا تفرحي مبكرًا. فلا يزال أمامك طريق طويل.”
قذف نحوها شيئًا.
تلقفته بصعوبة فإذا هي لفافة صغيرة من الرق.
“اقرئي ما فيها كما هو.”
رمشت آيريس.
كانت الحروف بحد ذاتها أبجدية عادية، لكنها كانت تَتَمَوَّه وتتشوش كلما حاولت قراءتها.
“لا أستطيع قراءته.”
أجابت بصراحة، فأومأ كارفيان برأسه وكأنه توقع ذلك.
“بالطبع لن تستطيعي قراءته إذا حاولتِ فقط. ولكن، أليست لديكِ قوة، يا آيريس؟”
“إنها قوة ضعيفة… كألعاب الأطفال. وهي لا تمكنني من صنع شيء حتى…”
“حاولي فقط.”
كان صوت كارفيان لطيفًا للغاية.
“إذا لم ينجح الأمر، فسأساعدكِ.”
عضت آيريس على شفتيها وركزت على الرق.
كان الأمر شاقًا للغاية، إذ ظلت الحروف تتشوش وتتضح مجددًا لدرجة جعلتها تشعر بالغثيان.
‘… اجعلني أستطيع قراءته.’
توسلت آيريس إلى الحروف في داخلها.
‘ولو للحظة فقط، اجعلني أعرف ما الذي تعنيه.’
بالطبع لم يحدث شيء، لكن آيريس ظلت تتوسل وتتوسل.
بتضرع أعمق بكثير مما كانت تفعل عادة وهي تصنع مشغولاتها اليدوية.
وكأن حياتها كلها معلقة على قطعة الرق هذه…
وفجأة.
‘…؟’
تحرك لسانها لا إراديًا، ناطقًا بضع كلمات لم تفهم معناها. وفي نفس اللحظة، انبثق ضوء أبيض من يدها، حاجبًا الرؤية عن عينيها.
أغمضت آيريس عينيها بإحكام، لكن القوة التي انبثقت للحظات لم تؤثر على بصرها فحسب.
تحطمت جميع نوافذ القصر دفعة واحدة، مصحوبة بدوي هائل اهتز له القصر بأكمله.
“آيريس!”
صاح كارفيان مذعورًا ومد يده نحوها.
عندها، شعرت بيد أليكسيون الباردة.
“لا بأس.”
أدركت آيريس أنها ترتجف لا إراديًا.
ضمها أليكسيون بقوة من الخلف، وهمس بصوت هادئ:
“لقد رأيت هذا عدة مرات. أمر يحدث غالبًا للسحرة الذين يمتلكون قوة فطرية عاتية. ستكونين بخير قريبًا.”
“…”
“أحسنتِ صنعًا. أنا… فخور بكِ.”
كان صوت أليكسيون حازمًا، وكأنه يحاول طمأنتها.
أغمضت إيريس عينيها.
شعرت بشيء يخنق حلقها، واحمر وجهها.
لم يكن ذلك بسبب ما حدث للتو.
فقد لم تكن غبية لدرجة تصديق أن كلمات أليكسيون كانت صادقة.
بالتأكيد، أليكسيون لن يرغب في أن تخاطر بنفسها لتطلق قوتها.
خاصة أنها كادت أن تسبب كارثة الآن.
لكن أليكسيون كان يخفى مشاعره الحقيقية ويواسيها.
“… يمكنني أن أفعل أفضل من ذلك.”
“أعرف.”
ضمها أليكسيون بقوة أكبر.
“إنها مجرد محاولتك الأولى فقط. ستتقنينها أكثر في المرة القادمة.”
شعرت به يرفع رأسه وينظر نحو كارفيان.
“أظن أن هذا يكفي لليوم.”
“… أوافقك الرأي.”
حدق بهما كارفيان بنظرة غريبة، ثم أدار رأسه ليتأمل النوافذ المحطمة.
“أبارك لكِ، يا آيريس. إذا استمريتِ هكذا، فستهددين منصبي أنا أيضًا يومًا ما.”
يتبع في الفصل القادم ..
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 147"