بدا أن أليكسيون أدرك للتو أن تدخّله لم يكن سوى عائقًا أمام آيريس، فتراجع إلى الوراء ووجهه متصلبٌ كالصخر.
آلمها قلبيًا رؤيته يمرر يده على وجهه في ضيق.
“أنتِ تتحملين الأمر جيدًا، يا آيريس.”
شجعها كارفيان بلطف.
“فقط خمس دقائق أخرى وسينتهي الأمر.”
خمس دقائق.
وقتٌ يمضي سريعًا في الأيام العادية، لكنه بدا الآن وكأنه أبديةٌ لا تنقضي.
أخيرًا.
وبمجرد أن صفّق كارفيان بكفيه، تلاشى الوهج تمامًا.
تمسّكت آيريس بيدها المُخَدّرة وانهارت على الأرض وكأنها تسقط.
“آيريس!”
أسرع إليها أليكسيون في لحظة ودعم جسدها.
“…أنا بخير.”
تمتمت آيريس بضعف.
“أنا حقًا بخير… فلا تقلق علي.”
“كيف لا أقلق؟”
كان جسد أليكسيون يرتجف بشدة وهو يتفحص يدها.
عندها فقط أدركت آيريس أنه هو الآخر كان مبتلاً بالعرق البارد.
بمجرد رؤيتها تتألم، كان هذا الرجل يعاني بشدة.
رفع أليكسيون رأسه ووجه كلامًا لاذعًا نحو كارفيان.
“أرجو أن يكون ما حصلت عليه بقدر ما عانت آيريس من ألم.”
ارتفع حاجب كارفيان بانزعاج.
“هل تظن أني عذبت آيريس بلا سبب؟ وأمام عينيك أيها الدوق؟”
“أنت قادر على ذلك بالتأكيد.”
سخر أليكسيون صراحةً.
“كم مرةٍ رأيتك فيها تخدع الأبرياء حتى الآن؟”
أدارت آيريس رأسها.
لقد كافحت لتوها لتتحمل أمرًا صعبًا، وكان مشهد الاثنين وهما يتشاجران مرهقًا للغاية بالنسبة لها.
بالطبع، لو كان كل هذا بلا أي فائدة لشعرت بالخيبة، لكنها لم تكن لتحمّل كارفيان المسؤولية.
فهو بالتأكيد بذل قصارى جهده.
عندها.
“والآن، حاولي قبض يدك ثم فتحها مجددًا، يا آيريس.”
تابعت آيريس كالمسحورة بصوت كارفيان اللطيف.
“…!”
على راحة يدها المفتوحة، ظهر شكل ذهبي صغير.
كان يتغير شكله بين لحظة وأخرى.
تارةً يبدو ككتكوت صغير، وتارةً كوردة صفراء، وتارةً ككرة متوهجة كالشمس…
“هل ترينه بوضوح؟”
أومأت آيريس برأسها.
كانت مذهولةً لدرجة أنها لم تستطع الرد.
“هذا هو مصدر قوتك. بل، المصدر في داخلك… لذا يمكننا تسميته بالعلامة.”
كان كارفيان مبتسمًا بملء وجهه، وكأنه سعيد حقًا.
“الآن، يمكنك استخدام قوتك كما تشائين. ما أكثر شيءٍ ترغبين فيه؟”
ابتلعت آيريس ريقها.
‘أكثر شيء أرغب فيه…’
***
“…إذاً، هكذا دخلت إلى المهجع.”
كما هو متوقع، تم اكتشاف روب، وهو ليس من قاطني المهجع، بسهولة.
ادعى أمام ريبيكا أنه جاء فقط ليقدم لها باقة زهور كصديق، لكن ذلك أثار شكوكًا أكثر.
خاصةً وأن باقة الزهور التي أحضرها كانت ورودًا فاخرةً لا تُهدى إلا للحبيب.
وضع مشرف الأكاديمية يده على جبينه.
“أيها اللورد تشيرين… أعلم أن حالتك وحالة الآنسة روبين استثنائية. وكلاكما كنتما طالبين ممتازين يفخر بهما، وأنا واثق أنكما ستبقيان كذلك حتى بعد عودتكما.”
“…”.
“ولكن زيارة غرفة آنسة دون أن تكون خطيبها…”
“أهناك مشكلة طالما أنه مهجع مشترك؟”
سألت ريبيكا بحذر.
فالمهاجع متعددة الأسرّة كانت تفصل بين الجنسين، لكن الغرف الفردية القليلة لم تكن مفصولة.
ألقى المشرف نظرة صارمة.
“بالتأكيد هناك مشكلة. وقد كنت داخل غرفتها، أليس كذلك؟ هذه مشكلة كبيرة.”
رفع روب إحدى يديه.
“إذا كانت خطيبتي، فهل يمكنني دائمًا زيارة ريبيكا؟”
“روب!”
صاحت ريبيكا مندهشة، لكن روب لم يكترث.
“إذا كانت تلك هي المشكلة، فأعتقد أن الأمر لا بأس به. الآنسة روبين هي خطيبتي.”
“…!”
لم تستطع ريبيكا إغلاق فمها من شدة الصدمة.
لقد كانا قد تأكدا للتو من مشاعرهما.
قبل ذلك، وعلى الرغم من أن مشاعرهما كانت شبه واضحة، إلا أنهما لم يكونا متأكدين.
لكن بعد تأكدهما اليوم، اعتقدت أنهما سيتقدمان تدريجيًا…
*’بهذه السرعة؟’
فجأة، شعرت أنها تفهم آيريس.
فشقيقتها أيضًا كادت أن تُدفع إلى الخطوبة وتحديد موعد الزفاف بسبب الظروف.
ولكن…
‘أعتقد أن الأمر سيكون على ما يرام.’
لقد باتت تعرف الآن من يكون روب جيدًا.
إنه شخص يمكنه تقديم أي تضحية من أجلها.
مهما واجهته من مصاعب ومحن، سيبذل قصارى جهده لحمايتها.
كيف لا تحب مثل هذا الرجل؟
وكل ما يطلبه روب مقابل كل تلك التضحيات، هو قلب ريبيكا فقط.
وهو ما يملكه بالفعل.
“…أهذا صحيح يا آنسة روبين؟”
“نعم.”
أجابت ريبيكا دون تردد، وقد رتبت كل شيء في ذهنها بالفعل.
“اللورد تشيرين هو خطيبي.”
“حسنًا إذاً.”
قطب المشرف وجهه.
“كان من المفترض تسجيل هذا مسبقًا… لكنني سأدبر هذا الأمر. عودا الآن.”
“شكرًا لك.”
خرجا مسرعين من غرفة المشرف.
كان قلبهما ينبض بسرعة، وكأنهما طفلان تم ضبطهما وهما يقترفان خطأً ما أثناء أيام الأكاديمية.
ابتسم روب بمجرد خروجهما إلى الممر.
“شكرًا لكِ لأنكِ قبلتِ، يا ريبيكا.”
“…هل أنت متأكد أنك بخير؟”
غمرها القلق متأخرًا.
بالنسبة لريبيكا، لم يكن هناك أي ضرر.
لكن ماذا عن روب…
“أنت، هل أنت…”
“لا بأس.”
مد روب يديه وقبض بقوة على يد ريبيكا اليمنى.
يد اللورد الأبيض الناعمة والكبيرة، التي بدت وكأنها لم تعرف التعب طوال حياتها، انطبقت على يد ريبيكا الملطخة بحبر القلم.
“مهما حدث في المستقبل، طالما أنكِ معي، فهذا يكفيني.”
“أنا لا يكفي.”
هزت ريبيكا رأسها.
“إذا كنتَ تعاني بسبب…”
قهقه روب بسخرية.
“هل تخشين أن لا أرث اللقب بسبب هذا يا ريبيكا؟ ألا تظنين أن هذا يقلل من كفاءتي؟”
“…لا، لستُ أخشى ذلك…”
“بالطبع لا.”
تنهد روب.
“أنا بالفعل من يدير الإقليم. والدي لا يريد حتى النزول إلى الإقليم إن لم أكن معه. وفي الأصل، غالبًا ما أذهب بمفردي.”
تنفست ريبيكا الصعداء.
إدارة الإقليم هي الواجب الأكبر للوريث، وبغض النظر عن مدى محاولة شقيقه، فلن يستطيع تجاوز روب الذي يديره باستمرار.
“وأرجوكِ، لا تنظري إلى أخي وكأنه محتال يتربص بمنصبي فقط يا ريبيكا.”
بدت على ريبيكا نظرة ارتباك وكأنه أصاب مقتلاً.
لم تتفوه بهذا أبدًا، لكن يبدو أن أفكارها الداخلية كانت مكشوفة أمامه.
“لحسن الحظ أن لي أخًا طيبًا.”
“أجل. مثلك تمامًا.”
بدأ روب بالسير وهو لا يزال ممسكًا بيدها.
انحنى جسد ريبيكا نحوه بشكل طبيعي، وأصبحت تمشي متكئة عليه جزئيًا.
لحسن الحظ، لم يصادفا أيًا من سكان المهجع الآخرين، لكن قربها الشديد من روب جعل قلبها يدق بعنف.
‘لم أكن أتوقع أن يخفق قلبي هكذا… في مثل عمري هذا.’
همس روب في أذن ريبيكا المتوردة.
“لا فائدة من أي تبرير تقدمينه. لقد انتظرت طويلاً، وأخيرًا حصلت عليكِ… لن أتركك أبدًا.”
أغلقت ريبيكا عينيها بإحكام.
شعرت فجأة بشعور تملكه الذي لم تختبره من قبل.
يتبع في الفصل القادم
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 146"