“أشعرُ وكأنَّ أنفاسي سَتُحبَسُ…”
دحرجتْ آيريس عينيها في مكانها.
كانت تُمسك بذراع أليكسيون وتُحدق في كارفيان.
بنظرةٍ لا تقبل أدنى خطأ.
فعلى الرغم من أنها تقبّلت فكرة تعلُّم السحر من كارفيان، إلا أن وجهها كان يُصرِّح بأنها لا تثق به مطلقًا.
لم يكن أمامها من خيار.
فما فعله كارفيان بـأليكسيون كان كثيرًا.
“في الحقيقة، مجرد وصولنا إلى هذه المرحلة هو أمرٌ عظيم.”
في الماضي، ما كان أليكسيون ليحتمل وجود كارفيان في نفس المكان الذي توجد فيه هي.
وآيريس هي الأخرى كانت ستفعل المثل على الأرجح.
“لا تتوتري، آري.”
“آري؟”
تضيّقتْ عينا أليكسيون.
“بماذا ناديتَ آيريس الآن؟”
أمال كارفيان رأسه باستغراب.
كان وجهه بريئًا، يبدو عليه فقط الدهشة من ردّة فعل أليكسيون.
بدأ مزاج أليكسيون يتعكّر أكثر فأكثر.
عندما فكّر بأن كارفيان يخدع آيريس أمام عينيه بهذا الوجه البريء، كاد المشهد أمامه أن يغشاه احمرارٌ من الغضب.
‘… يجب أن أتحلّى بالصبر.’
لقد سبق له أن سبَّب الضيق لـآيريس)و آرِن بسبب غيرته في غير محلها.
لذا عليه الآن، فقط أن يتحمّل…
“يا سيد برج السحرة، لم يُنادَني أحدٌ باسم آري ولو لمرةٍ واحدة في حياتي لذلك أشعر بأنه اسمٌ غير مألوف بالنسبة لي… هل يمكنك مناداتي بـآيريس؟”
صفا ذهن أليكسيون بذلك الصوت الواضح.
تحدثت آيريس وهي تنظر إلى كارفيان بنظراتٍ ثابتة، دون أن ترمش حتى.
تلكّأ كارفيان في كلامه وكأنه مُنذهل قليلاً.
“لـ، لكن…”
“أعرف ما تريد قوله. من المؤكد أن كارفيان يتذكر الأمور بهذا الشكل. لكني لا أملك تلك الذكريات.”
“لكنَّ آري أيضًا، قد رأت…!”
“ما أُختُبِرَ في الأحلام يختلف عمّا يُتذكِّرُه المرء حقًا.”
ابتسمت آيريس بلطف.
كان وجهها حازماً، لا يحمل أيّ قدرٍ من العدائية، لكنه في الوقت نفسه لم يكن ليسمح بأدنى اعتراض.
“أرجو أن تتقبّل الأمر من أجلي. سأتعلم منك الكثير في الفترة القادمة يا سيد البرج، لذا أعتقد أنه سيكون أفضل بكثير أن يُنادى عليّ باسمٍ أعتادُ سماعه.”
“… سأفعل، آيريس.”
أجاب كارفيان بصعوبة.
نظر أليكسيون إلى آيريس بوجهٍ مذهول.
لم يكن يتوقع أبدًا أن تتعامل آيريس مع الموقف بهذا الحزم.
رمقته آيريس بابتسامة خفيفة.
وكأنها تسأله: ‘أحسنتُ التصرُّف، أليس كذلك؟’
أومأ أليكسيون برأسه إيماءةً خفيفة.
لم يتبادل العاشقان أي كلمة، لكن نظرةً صغيرة وإيماءةً كانت كافية.
فقد بلغت ثقة أحدهما بالآخر هذا المقدار.
سعل كارفيان بصوتٍ مكتوم.
بدا وكأنه لا يدري كيف يتصرف أمام هذا المشهد الذي زاد من حب أليكسيون وآيريس لبعضهما البعض
‘لا يهمني.’
شعرت آيريس بقليلٍ من الحماس.
بالنظر إلى ما فعله كارفيان بـأليكسيون طوال تلك الفترة، فهو يستحق هذا وأكثر.
علاوةً على ذلك، لو فكرت بما فعله آرِن لإنقاذهم…
‘لا بأس لو كنتُ لئيمةً قليلاً.’
سعل كارفيان مرة أخرى وفتح فمه:
“سنبدأ الآن. هل أنتِ مستعدةٌ يا آيريس؟”
“نعم.”
أومأت آيريس برأسها وتقدّمت خطوةً إلى الأمام.
حدّق بها كارفيان مطولاً.
بعينيه الوديعتين، بدأ قلب آيريس القاسي يلين شيئًا فشيئًا.
‘مثل هذا الشخص، كان قادرًا على إيذاء الآخرين بهذا الهدوء… لا أستطيع تصديق ذلك.’
لكن سواء صدّقت ذلك أم لا، فهو الواقع.
وكذلك حقيقة أن كارفيان وبعد رحلة طويلة جدًا، أصبح الآن هو من يعلّمها السحر.
“مُدّي يديكِ إلى الأمام.”
نفذت آيريس ما طلبه كارفيان.
شعرت بقليلٍ من السخافة، لكنها إن أرادت التعلّم، فعليها أن تطيع التعليمات.
بمجرد أن مدّت يديها معًا إلى الأمام، تمتم كارفيان ببضع كلمات لم تستطع فهمها.
‘ماذا…؟’
أخذت يداها تدفآن تدريجيًا.
شعرت آيريس بأن يدَيْها تنبعث منهما الحرارة، ففزعت وحاولت قبضهما، لكن كارفيان منعها.
“ابقي هادئةً من فضلك.”
“ما هذا؟”
“هذا العمل يُفجِّرُ قوتَكِ.”
شرح كارفيان:
“بإمكاننا القول إنكِ في مرحلة استخدام قوتكِ بشكلٍ لاواعٍ يمكن تشبيه ذلك بالمرحلة التي يمر بها السحرة الصغار قبل أن تتفجّر قواهم.”
رمشت آيريس بعينيها.
بهذا الشرح، استوعبت بعض المواقف التي مرت بها مؤخرًا.
“بالطبع، لا يمكن المقارنة بينكِ وبين السحرة الصغار تمامًا. لو كنتِ مثلهم، لَتفجّرت قوتكِ منذ زمنٍ بعيد.”
“إذاً، حقيقة قوتي هي…”
قهقه كارفيان.
“لا أعتقد أنكِ ستريدين سماع هذا يا آيريس، لكن قوتكِ تتوافق مع قوتي مثل قطعتيّ اللغز. أتكرهين ذلك؟”
“…”.
ابتلعت آيريس ريقها.
بالتأكيد لم يكن خبرًا سارًا.
لو كان لا بد من وجود رابطٍ قدرّي يربطها بشخص، لتمنت لو كان أليكسيون.
لكن ما يربطها هي وكارفيان هو مجرد قوة.
ما يعني أن علاقتهما لا يمكن مقارنتها إطلاقًا بعلاقتها هي وأليكسيون المرتبطين بالمشاعر والقدر.
“ليس الأمر مطروحًا للنقاش حول ما إذا كنت أكره هذا أم أحبه.”
أجابت آيريس بهدوء.
“أن أكون مساويةً لسيد برج السحر في القوة، إنه لشرفٌ لي.”
بدا على كارفيان بعض الدهشة، لكنه سرعان ما أومأ برأسه.
“أنا سعيد لأنكِ تلقّيتها بهذا الشكل يا آيريس، على أي حال، استغرق تفجير قوتي أنا أيضًا… وقتًا طويلاً جدًا. وكان مؤلمًا أيضًا.”
بدأ فمها يجفّ.
كانت تدرك تمامًا ما يتحدث عنه كارفيان.
‘… إنه يتحدث عن تلك الأيام التي كان فيها صغيرًا.’
أيامٌ كانت مؤلمةً لدرجة الموت.
أيامٌ لم يكن لديه فيها سوى عزاء آيريس يعتمد عليه…
عندما تذكرت آيريس كارفيان في صغره، شعرت برغبة في احتضان هذا الساحر القاسي الذي أمامها أيضًا.
لكن تلك الأيام مضت منذ زمنٍ بعيد.
كارفيان الآن راشدٌ يجب أن يتحمّل مسؤولية أفعاله.
“… لذا، أتمنى أن تتفجّر قوتكِ يا آيريس دون ألمٍ وبكل يُسر.”
استعادت آيريس صوابها بصعوبة.
تابع كارفيان شرحه:
“صحيح أن إنهاء البحث استغرق وقتًا ليس بقليل… لكنه كان يستحق العناء.”
تمتم كارفيان ببضع كلمات أخرى.
كانت كلمات لم تستطع آيريس فهمها هي الأخرى.
ازدادت حرارة يديها، لكنها حاولت البقاء هادئة.
“أخبريني إن لم تقدري على التحمل.”
“إنها، إنها ساخنة.”
قطّبت آيريس وجهها.
“أشعر وكأنها تحترق…”
لكن آيريس لم تقل إنها لا تستطيع التحمل.
كانت فقط ترتجف وتتألم.
شعرت آيريس بأن أليكسيون الذي يقف بجانبها قد توتر بشدة.
لم ينبس بكلمة، لكنه ظل يرمقها بنظراتٍ قلقة ويحرّك شفتيه وكأنه يريد قول شيء.
صلّت آيريس ألا يرتكب أليكسيون أي حماقة.
“… هل هناك ما يمكنني فعله لمساعدتها؟”
“لا يوجد.”
هز كارفيان رأسه نافيًا.
“بل على العكس، هذه الطريقة هي الأقل ألمًا. لتفجير هذه القوة… لا مفر من المعاناة من بعض الألم.”
نظر إلى أليكسيون مباشرة.
كانت نظرةً واثقة، لا تخفي شيئًا.
“لقد جرّبتُ الطريقة على نفسي أولاً. إنه ألمٌ تستطيع آيريس تحمّله.”
“لكنها تتألم هكذا…”
أغمضت آيريس عينيها بإحكام ثم فتحتهما مجددًا.
كان حتى مجرد التفوه بكلمة أمرًا مرهقًا لها، لكن رغبتها في طمأنة أليكسيون كانت أكبر.
“أنا، أنا بـ، بخير.”
بالرغم من أنها تتعثر في كلماتها بسبب الألم، إلا أن آيريس لم تحرّك يديها.
“أنا، أنا حقًا بخير… فلا تقلق.”
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 145"