صحا الحبيب
لحسن الحظ، استيقظ آرِن دون أن يُظهر أي أعراض غريبة.
كان الطفل بصحة جيدة وكان كلما نظرت إليه آيريس بقلق يطمئنها، يؤكد لها بلسان حاله ومقاله أنه بخير
لكن المشكلة كانت تحديدًا في هذه النقطة.
‘…هذا ليس تصرُّف طفل.’
في الأصل، كان آرِن طفلاً بريئًا مرحًا.
بل كان جريئًا إلى درجة التهور، وفي سبيل الحصول على ما يريد، كان يظهر أحيانًا أنانيةً لا تكترث بمن حوله.
بالطبع، أظهر أيضًا جانبًا مضحيًا، كما حدث في حادثة الهروب الأخيرة التي لم يبالِ فيها بالنار لإنقاذ الآخرين.
لذا… كان آرِن طوال الوقت يظهر سلوك طفل في الخامسة من عمره.
يتحرك بعفوية دون التفكير في العواقب.
ولكن آرِن بعد أن استيقظ…
‘هناك شيء مختلف.’
ابتلعت آيريس ريقها.
لم يكن الأمر أنها تكره هذا التغيير في آرِن.
بل على العكس، شعرت بالاطمئنان نوعًا ما.
لأنه لم يعد يقلقها أن يتكرر ما حدث.
لكن كلمات أليكسيون ظلت ترن في أذنها، أنه كان بإمكان آرِن أن يتطور إلى تنين مكتمل النمو منذ وقت طويل.
‘هل يبقى هنا من أجلنا؟’
بقدر ما كانت ترغب في مناقشة هذا الأمر مع آرِن، لم تستطع التغلب على قلقها.
‘إذا كبر آرِن وتطور… فلن يعود بحاجة إليَّ.’
بطبيعة الحال، لا مفر من أن يبتعد.
فالتنين المكتمل النمو يختلف كليًا عن التنين الصغير.
فالتنين الصغير يحتاج إلى “ماما” و”بابا” لكي يعيش.
يعتمد على أبويه اللذين اختارهما بنفسه ليبقيا على قيد الحياة، ويكتسب منهما المعارف المتنوعة حتى يصير تنينًا مكتملاً.
وهذا هو دور “ماما” و”بابا” بالضبط: أن يكونا دليله، وحاميه، وعائلته.
أما بالنسبة للتنين المكتمل النمو، فإن “ماما” و”بابا”…
‘لا يمثلان له سوى ذكرى طفولة عابرة، لا أكثر.’
اعترفت آيريس لنفسها.
أنها منذ فترة، لم تعد تتخيل حياتها دون آرِن.
وأنها لم تستعد أبدًا لفراقه بهذه السرعة.
“ماما؟”
رفع آرِن رأسه بقلق.
“أتشعرين بتعب؟”
“…لا على الإطلاق.”
ارتدت آيريس ابتسامة متكلفة.
كان هناك فرق آخر في آرِن بعد استيقاظه.
لقد بدأ يستخدم لغة الاحترام معها ومع أليكسيون! وهي الآداب التي فشلت ريبيكا في تعليمها له رغم محاولاتها الكثيرة!
وهذا التغيير بدا دليلاً على نضجه العقلي، مما زاد من توتر آيريس أكثر.
‘…لا أملك إلا أن أقول إنني لا أستحق أن أكون أمًا.’
طفلها ينمو بسرعة، وهي تشعر بالقلق والحسرة على ذلك.
لكن المشكلة أن هذا الطفل كان حتى قبل عام فقط تنينًا صغيرًا في مرحلة الطفولة المبكرة، لا يتحدث إلا بمقاطع طفولية.
ما زالت تراه في عينيها ذلك الطفل الصغير، ثم فجأة يقال لها إنه كاد يكتمل نموه.
فلا عجب أنها تشعر بالارتباك.
“لدي شيء لأعطيه لكِ، يا ماما.”
“ما هو؟”
تحرك آرِن ببراءة ومد إلى آيريس حجرًا صغيرًا.
‘…حجر؟’
رمشت آيريس بعينيها.
كان ما تراه حصاة صغيرة، وما شعرت به في يدها كان مجرد حجر.
لكنه هدية من آرِن، لذا عزمت على الاحتفاظ به ثمينًا. فحتى لو كان مجرد حجر، فلابد أن له معنى عنده.
“هذا، سيحميكِ، يا ماما.”
بدأ آرِن يشرح بصوته السريع.
“لأنكِ لا تحبين الجواهر كما بدا لي… جعلته يبدو كحجر. لكنه في الحقيقة ألماس، فكوني حذرة معه.”
“……!”
ذهلت آيريس لدرجة أنها لم تستطع النطق بحرف.
عيناها مثبتتان على الحجر، لم تجرؤ على رفع رأسها.
شعرت أنها إن نظرت إلى آرِن الآن، فلن يكون أمامها خيار سوى التسليم بأنه كبر تمامًا.
“ما دام هذا الحجر معكِ، يا ماما، فلا داعي للقلق. إذا تعرضتِ لموقف خطير، أمسكيه جيدًا وناديني. سآتي فورًا.”
“لم يكن عليك فعل هذا.”
هزت آيريس رأسها بسرعة.
“لست بحاجة لمساعدتك… أنا…”
“ماما.”
ربما بسبب صوته المختنق بالدمع.
أو ربما لأنه بدا ضعيفًا جدًا.
شعرت آيريس وكأنها مفتونة، فرفعت رأسها لتحدق في آرِن.
“ماما… ماما، لماذا تحاولين فعل كل شيء بنفسك؟ لقد أنقذتيني أنتِ، فلماذا لا أستطيع أنا أن أحميكِ؟”
“… لأنك لا تزال صغيرًا. ليس من الطبيعي أن يحمي الأبناء أبويهم.”
ضرب آرِن الأرض بقدمه بنفاد صبر.
“لكنني لست ابنكِ الحقيقي أيضًا على أي حال! أنتِ ستتزوجين بابا قريبًا… وستنجب…”
شعرت آيريس بدمائها تجمد في عروقها.
لأنها أخيرًا فهمت ما يحاول آرِن قوله حقًا.
السبب الذي جعل آرِن يكبر فجأة.
السبب الذي جعله يحاول أن يظهر بمظهر “الطفل المثالي”، حتى باستخدام لغة الاحترام التي لم يعتدها.
السبب الذي دفعه لتقديم هدية بهذا المستوى الرفيع…
لم يكن لأن آرِن مستعد حقًا “ليصبح كبيرًا”.
بل كان يشعر بالخوف.
“عندها سيكون لديكِ أنتِ وبابا أطفالكما الحقيقيون، أطفال بشر حقيقيون، عندها لن تعودا بحاجة إليَّ!”
لم تتردد آيريس أكثر من ذلك.
عانقت آرِن بشدة، ومررت يدها على شعره خلف أذنيه وهي تهمس.
“كلا، يا آرِن.”
“كلا ماذا؟”
انتفض آرِن باكيًا بصوت مرتفع الآن.
“أنا تنين. لا يمكنني أن أكون ابنكما الحقيقي. لأنني لست إنسانًا…”
“أجل.”
وافقت آيريس بصوت هادئ.
“أنت لست إنسانًا. أنت تنين. ولكن لهذا أنت مميز.”
“لا أريد أن أكون مميزًا.”
زم آرِن شفتيه.
“أنا… أتمنى لو كنت مثل إيف لو كنت طفلاً عاديًا مثل إيف…”
“كلا.”
قاطعته آيريس.
“لو كنت طفلاً عاديًا، لما كان بإمكاننا أن نلتقي أبدًا. وبالطبع، لما كنت ستلتقي بأليكسيون أيضًا.”
“… هل حقًا تظنين ذلك، يا ماما؟ حقًا؟”
“أجل.”
أومأت آيريس برأسها بحزم.
كان الأهم الآن هو طمأنة آرِن.
وفي الحقيقة، لم يكن كلامها مجرد كذب.
فلو لم يكن آرِن تنينًا، حقًا ما كان لأي منهم أن يلتقي بالآخرين.
“لهذا، لأن آرِن كان تنينًا، تمكننا نحن الثلاثة من الالتقاء. لو لم تكن تنينًا؟ لكنت ما زلت أعتقد أن أليكسيون مجرد دوق مخيف فقط؟”
“……”
“وبالطبع، لما عرفت أن آرِن بهذه الروعة والجمال حتى لو كان يبكي قليلاً.”
“ماما، هل تكرهين البكاء؟”
“لا أحبه تحديدًا.”
أجابت آيريس بصراحة.
“لكن لا بأس إن بكيت أنت، يا آرِن لأنك ابني الغالي.”
“……!”
أبعد آرِن وجهه الذي كان غارقًا في الدموع وأصبح أحمر اللون عن صدر آيريس.
مدّت آيريس له منديلها بسرعة.
تمخط آرِن بصوت، ثم تمتم بصوت خافت.
“… إذاً، حتى لو أنجبتم أنتِ وبابا أطفالكما الحقيقيين… حتى لو كانوا رائعين ولطفاء جدًا… هل سأظل ابنكما أنا أيضًا؟”
منذ ذلك الصوت المليء بالشك والأمل، شعرت آيريس وكأن قلبها يتمزق إربًا في لحظة.
كتمت آيريس غصة حلقها بصعوبة، ثم أجابت بهدوء.
“أجل، يا آرِن.”
لم تتكلف آيريس ابتسامة.
أظهرت فقط مشاعرها الصادقة.
“ستبقى دائمًا أنت ابني الأول أنا وأليكسيون. أنت فخرنا، يا ابني البكر.”
“……!”
“وإذا جاءك إخوة، فسيحبونك هم أيضًا. لأنك تنين رائع، لا يسعهم إلا أن يحبوك.”
“… إذاً، سأحبهم أنا أيضًا.”
قال آرِن بوجه جاد.
“هذا رائع.”
ابتسمت آيريس لآرِن بلطف.
“ولكن، سأخبرك بسر، يا آرِن. ستبقى أنت دائمًا أحب أبنائنا إلى قلبي أنا وأليكسيون.”
اتسعت عينا آرِن من الدهشة.
رمش بعينيه غير مصدق، ثم سأل بصوته المرتجف.
“حقًا؟”
“حقًا.”
التعليقات لهذا الفصل " 141"