“…هل كان حلماً.”
رفع كارفيان يده إلى جبينه.
لم يعد يشعر بأي أعراض غريبة في جسده.
كان قادراً على التحرك بخفة، وكان من الواضح أنه قد تعافى كما لو كان بمعجزة.
لكن المشكلة كانت أن الأمر لم يكن حلماً ولا معجزة.
“ذلك التنين…”
لا، آرِن.
ذلك التنين الذي اختار آيريس روبين كأمٍ له، واختار أليكسيون تيت كأبٍ له.
ذلك التنين هو من أنقذه.
‘كيف يمكنني التعبير عن هذا؟’
ابتسم كارفيان ابتسامة مرة.
لم يسبق له أن سمع بساحر يدين لتنين بجميل.
“يجب أن… أشكره.”
لكن متى سيمكنه مقابلة ذلك التنين مجدداً؟
رغم أن التنين تحدث وكأن آيريس تعتبر كارفيان مهماً، إلا أن كارفيان لم يصدق كلامه تماماً.
التنين والبشر لديهما منظور مختلف تماماً للعالم.
ففي عيني التنين، قد يبدو هو وآيريس مرتبطين بقدرية، لكن في الواقع، كانت احتمالية أن تكون مجرد علاقة عابرة من الطفولة كبيرة جداً.
نهض كارفيان من السرير ببطء.
الآن، أصبح ما يجب عليه فعله واضحاً.
عندما خرج من الغرفة، رفع أحد السحرة رأسه بوجه مذعور.
“يا سيد برج السحر!”
نظر كارفيان إلى الساحر الذي كان يؤدي مهمة الحراسة أمام بابه بتأمل.
كان من الواضح، ورغم أن ذلك كان بأمر من كارفيان نفسه، إلا أن الساحر مر بفترة نفسية صعبة بلا شك.
‘كيف كان اسمه؟’
لقد صادفه بالتأكيد عشرات المرات.
وسمع اسمه مرات عديدة على ما أذكر، لكنه لم يستطع تذكره إطلاقاً.
كان ذلك طبيعياً.
بالنسبة لكارفيان، كان الناس من حوله يُصنفون حسب قيمتهم الاستفادية، وكان هذا الشخص من أولئك الذين لا قيمة استفادية لهم على الإطلاق، مجرد شخص غير مهم.
لكن…
‘لقد كنت مخطئاً.’
فتح كارفيان فمه ببطء شديد:
“……لقد تكبدت عناءً كبيراً.”
“……!”
اتسعت عينا الساحر في دهشة.
كان وكأنه لا يصدق ما سمعه للتو، فابتسم كارفيان ابتسامة مرة.
يبدو أنه لم يكن يحظى بهذا القدر من الثقة بين مرؤوسيه.
‘يجب أن أغير من نفسي مستقبلاً.’
بالطبع، لم يتغير كارفيان تماماً لمجرد أنه مدين بجميل لذلك التنين الصغير الوقح.
فما زالت آلة حساب الربح والخسارة تعمل في رأسه بلا توقف، وما زال تعلقه بآيريس كما هو.
لكن، تعلم كارفيان الآن حقيقة مهمة واحدة.
المساعدة تأتي من حيث لا تحتسب.
الرحمة والحب هما ما أنقذاه.
إذاً، فهو أيضاً لا يحتاج لأن ينظر للآخرين فقط بعين الكراهية والحسابات الباردة.
“…لنعقد اجتماعاً. كما هو متوقع، وبما أنني لم أكن موجوداً، فمن المستحيل أن تكون الأمور تسير على ما يرام.”
“ص-صحيح ما تقول!”
بدا أن الساحر اطمأن لكلمات كارفيان القاسية، وهرع لينقل الخبر في كل مكان.
رفع كارفيان بصره نحو الفضاء.
خفقان أجنحة وردية اللون تمايل أمام عينيه.
***
“مُخِيف…!”
بكى آرِن بانكسار.
لم يرَ سوى الظلام.
‘ماما… ماما، أين أنتِ؟’
حاول فتح فمه لنداء ماما، لكن فمه لم ينفتح إطلاقاً، وكأن أحدهم قد أغلقه بالغراء.
وليس هذا فقط.
كان يشعر وكأن عينيه، أنفه، فمه، أذنيه… كلها مسدودة بإحكام.
تخبط آرِن بقدميه لكنه سرعان ما اصطدم بجدار صلب.
‘ماما، بابا… أنقِذاني.’
توسل بحرارة لكن لم يصل إليه أي رد.
انكمش آرِن على نفسه وأدخل رأسه بين جناحيه.
لم يكن بمقدوره فعل شيء سوى الانتظار.
حتى يأتي أحدهم لإنقاذه.
كم مر من الوقت؟
أخيراً، شعر بشيء ما.
تحرك آرِن ببطء وحاول فتح عينيه.
لكنه فشل مجدداً.
لكن أذنيه بدتا وكأنهما قد انفتحتا، فسمع أصواتاً مزعجة قادمة من الخارج.
المشكلة كانت…
‘صَ-صَراخ.’
عواء التنانين. صراخ البشر.
أصوات قتال وموت متبادل……
سد آرِن أذنيه.
لم يرغب في سماع أي شيء.
لكن أصوات موت أعداد لا تحصى من الكائنات الحية اخترقت قوائمه الأمامية الضعيفة ووصلت إلى مسامعه.
‘لا أريد!’
صرخ آرِن في داخله مراراً وتكراراً.
‘لا أريد، لا أريد، لا أريد……!’
لم يكن يريد هذا.
كل ما كان يرغب به آرِن هو السلام.
العيش بسعادة مع ماما وبابا اللذين يحبهما.
الذهاب لرؤية إيف بين الحين والآخر.
تلقي الرعاية من ميريام وريبيكا، وإلقاء التحية يومياً على كل من يحبونه.
لكن الموت الذي كان يشعر به من كل مكان لم يتوقف.
انهمرت الدموع الساخنة من عيني آرِن بغزارة.
كان التنين الصغير يعاني، مرتجفاً من المشاعر الجياشة التي لم يستطع تحملها.
‘أشتاق لرؤية ماما.’
لو كانت ماما هنا، لحمته وكانت ستمنع وصول هذه الأصوات إليه تماماً.
وبابا كان سيوقف البشر والتنانين الذين يقتلون بعضهم البعض.
لأنهما يمتلكان تلك القوة.
على عكسه هو، الذي لا يملك أي قوة.
وكان ذلك الحين.
“آرِن.”
ذلك الصوت الذي اشتاق آرِن لسماعه بشدة، اخترق هلوسات الموت الرهيبة ووصل إليه.
‘ماما!’
حاول آرِن الرد فوراً لكن صوته لم يخرج بعد.
كان الأمر محبطاً للغاية ألا يصدر أي صوت، ولا حتى أنين.
‘ماما! ماما!’
تابع الصوت القلق:
“لا زال يتألم أتراه يرى كابوساً؟”
“يبدو ذلك.”
تدخل صوت جديد.
أدرك آرِن صاحب هذا الصوت أيضاً.
‘بابا!’
بابا كان بجانب ماما.
لم تكن عيناه قد فتحتا بعد، لكنه كان يستطيع تخيلهما بوضوح وهما ينظران إليه بقلق.
“يجب أن أزيد من تدفق قوة الشفاء له.”
“…هل من طريقة يمكنني المساعدة بها؟”
تقطع قلب آرِن.
ما يعاني منه الآن لم يكن مشكلة يمكن حلها بالشفاء.
كان ما يلزم هو أن يستيقظ.
‘يجب أن أستيقظ أنا.’
كان هذا هو الإدراك الذي ومض في ذهنه.
لم يكن بمقدور ماما وبابا فعل أي شيء الآن.
فقط آرِن نفسه هو من يستطيع إنقاذ نفسه من هذا الجحيم.
فرد آرِن جناحيه بالكامل.
ارتطم الجناحان بالسطح الصلب بقوة (بوم!).
لا، لم يكن سطحاً صلباً عادياً.
‘إنها قشرة.’
كان آرِن داخل بيضة حتى الآن.
ولهذا السبب كان يعيش مراراً وتكراراً تلك الأيام الرهيبة التي كان يقضيها عاجزاً.
بوم!
اصطدم الجناحان بالسطح مجدداً. شعر بألم حاد، لكنه لم يعره أي اهتمام.
فإذا كان بإمكانه رؤية ماما وبابا مجدداً، فهذا الألم لا يساوي شيئاً.
بوم! بوم! بوم!
بعد العشرات من المحاولات، شعر بوجود فجوة تظهر شيئاً فشيئاً.
وتدفقت الأضواء من خلالها.
انفتحت عينا آرِن على مصراعيهما، ورأى الوجوه القلقة في مجال رؤيته.
“مَ-ماما…!”
صرخ آرِن.
أخيراً، انفتح فمه وبدأ صوته يسمع.
انهمرت الدموع على خديه.
مد أرين ذراعيه واحتضن آيريس بشدة.
الآن، كان في صورة بشرية.
مثل آيريس.
ومثل أليكسيون.
إنسان.
“آرِن…”
كانت آيريس أيضاً تبكي بصمت، ووجهها مغمور بالدموع.
“أنت بخير، أليس كذلك؟”
“نعم.”
ابتسم آرِن ابتسامة عريضة.
كانت ابتسامة صادقة خالية من أي زيف.
“لأن ماما أنقذتني.”
“…يا غبي، ماما لم تفعل شيئاً.”
“لكن ماما أنقذتني.”
هكذا كانت آيريس دوماً.
وحتى لو لم تفعل شيئاً في الواقع، فهي بوجودها فقط تمنح آرِن الخلاص.
وربما كانت كذلك بالنسبة لبابا أيضاً.
فكر آرِن وهو في حضن آيريس التي كانت تربت على ظهره.
من أجل هذه الماما… يمكنه فعل أي شيء.
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 140"