***
“سيدتي آيريس، أأنتِ متأكدة حقًا أنك لا تحتاجين مساعدتي؟”
سألت ميريام بحذر.
هزت آيريس رأسها نفيًا نحو الخادمة اللطيفة وهي تدق مسمارًا في لوح خشبي.
“أنا بخير حقًا فقد اعتدت على هذا النوع من الأعمال.”
كان قولها نصفه صدق ونصفه كذب.
كانت بخير بالفعل… لكن الحقيقة أنها لم تقم بمثل هذا العمل من قبل قط.
أعني…
بناء متاهة لتنين صغير.
المكان المفضل لإيريس في طفولتها كان حديقة المتاهات.
كانت تحب شعور الاستكشاف عندما تكون ضائقة، وبعد أن حفظت جميع المسارات، أحبت اكتشاف الأماكن السرية.
خاصة عندما كانت تلعب الغميضة مع صديق…
‘مع من كنت ألعب الغميضة وقتها؟’
حَنَت آيريس رأسها في حيرة.
لم تستطع التذكر بوضوح.
وهذا طبيعي، فالأمر يعود إلى وقتٍ سحيق في طفولتها.
على أي حال، من المؤكد أن كونغ سيحب المتاهة التي تصنعها له.
طوال ذلك اليوم، صنعت آيريس متاهة مُناسبة تمامًا لحجم التنين الصغير باستخدام صناديق ورقية وأقمشة وألواح خشبية.
بدا أن كونغ كان مفتونًا بهذا المشهد الجديد، فصار يتجول على الأرض المتناثرة عليها مواد البناء وهو يُصدر هسهسة.
في البداية كانت قلقة على سلامته، لكنها اطمأنت بعد أن رأت أن مساميرها وإبرها لم تخدش حتى حراشفه الصلبة.
وهكذا، مع حلول المساء واحمرار السماء…
أكملت إيريس المتاهة.
“ما رأيك يا كونغ؟”
سألت بصوتٍ مشرق.
“هل تريد تجربتها؟”
بالطبع، لم تكن لتؤذي كونغ، لكنها على أي حال لفَّت الأجزاء البارزة بقماش ناعم وصنفرت الألواح الخشبية الخشنة بجد.
بدا كونغ حذرًا في البداية، لكن بعد أن أومأت آيريس برأسها عدة مرات مؤكدةً أن كل شيء على ما يرام، دخل ببطء إلى الداخل.
“…!”
صوت حفيف خفيف من الممر المصنوع من القماش.
باستخدامها قماشًا شبه شفاف، استطاعت رؤيته بوضوح وهو يتدحرج من الفرح في الداخل.
ارتسمت بسمة مشرقة تلقائية على وجه آيريس.
لأن كونغ وهو يستكشف هنا وهناك بحماس، كان صورة طبق الأصل منها وهي طفلة.
… بالطبع، مع فارق شكلي كبير، وهو كون أحدهما إنسانًا والآخر تنينًا.
في تلك اللحظة، أطلَّ كونغ برأسه للخارج من منتصف المتاهة.
رمشت آيريس عينيها.
“كونغ، هل تريد الخروج؟”
لقد تركت فتحات في السقف في أماكن مختلفة، كبيرة بما يكفي لينسل منها التنين الصغير.
هدفها كان تمكينه من الخروج دون الحاجة للعودة إلى المدخل إذا ملَّ.
‘يبدو أنه يريد الخروج أسرع مما توقعت.’
شعرت بخيبة أمل، لكن لا مفر من ذلك.
وفي اللحظة التي همَّت فيها بالاقتراب لاحتضانه…
‘…؟’
خفض كونغ رأسه الذي أخرجه للتو، وعاد إلى داخل المتاهة.
“هاها.”
انفجرت آيريس ضاحكة.
لأنها أدركت اللعبة الجديدة التي ابتكرها هذا التنين الصغير الذكي على الفور.
“ما هذا يا كونغ؟ أتريد اللعب معي هكذا؟”
وكأنه يرد على كلامها، أطلَّ كونغ برأسه فجأة من مكان يبعد بضع خطوات.
أسرعت آيريس بالاقتراب، فاختبأ جسده داخل المتاهة مرة أخرى.
“هيه، هاه.”
قال أحدهم ذات مرة: تربية الأطفال معركة تتطلب لياقة بدنية.
بعد تكرار ذلك عشرات المرات، تسارعت أنفاسها سريعًا.
كان الأمر مرهقًا، لكن رؤية عيني كونغ تتلألأان منعتها من التوقف.
وبعد فترة من الوقت…
“هاه… لا أستطيع المواصلة بعد الآن يا كونغ…”
جلست آيريس منهكة القوى.
قد يكون كونغ محبطًا، لكنها وصلت إلى حدود طاقتها الجسدية.
بينما كانت تلتقط أنفاسها، اقترب كونغ منها.
ظنَّت إيريس أنه سيُصرُّ على اللعب أكثر، فقالت بضعف:
“كونغ، أنا متعبة جدًا ولا أستطيع… العب بمفردك.”
لكن حدث شيء غير متوقع على الإطلاق.
اقترب كونغ وجلس على ركبتيها، ثم رفع نظراته إليها بعينين دامعتين.
“كيووونغ…”
و حتى أَصْدَرَ صوتًا يشبه الاعتذار.
“…!”
امتلأ صدرها شعورًا دفئيًا تلقائيًا.
لأنها شعرت بقلق كونغ بوضوح.
احتضنت آيريس كونغ بحزم.
“لا بأس يا كونغ أنا متعبة فقط لأني تحركت فجأة كثيرًا. سنلعب بطريقة أكثر متعة في المرة القادمة، موافق؟”
في تلك اللحظة بالضبط.
رفع التنين الصغير رأسه لينظر إلى الفراغ… ثم نظر للأسفل.
اتسعت عينا إيريس.
إذا لم تكن ترى خطأ، فمن المؤكد أنه كان يومئ برأسه.
‘لأهدئنَّ من روعي ربما يحاكي فقط حركات الناس.’
أكملت آيريس كلامها وكأن شيئًا لم يكن.
“سألعب معك بمرح غدًا سيكون أكثر متعة من اليوم جيد؟”
إيماءة، إيماءة.
أومأ التنين الصغير برأسه مرة أخرى.
هذه المرة بقوة أكبر.
بدأ قلبها يدق بعنف.
مرات عديدة من قبل شكَّت في أن كونغ قد يفهم الكلام حقًا…
لكن فهم الكلام شيء، والتعبير عن الإرادة الذاتية بحركات الرأس شيء آخر تمامًا.
سألت إيريس ببطء:
“يا كونغ، هل تفهم كل كلامي؟”
إمالة رأس.
“يا كونغ، اسمك هو كونغ أليس كذلك؟”
إيماءة.
“ماذا سنأكل على العشاء اليوم… ماذا عن كعكة؟”
إيماءة حادة متكررة.
“وغدًا سنأكل الجزر!”
هزَّة رأس حادة متكررة.
انفجرت آيريس ضاحكة.
يبدو أن كونغ كان يكره الجزر كما كانت تفعل.
وبصراحة، كانت آيريس تريد أن يستمر كونغ في كره الجزر.
لأنها لم تُرِدْ أن يصل إلى وضعٍ مثل وضعها، حيث اضطرت للجوع حتى لم تعد تتحيز ضد أي طعام.
لكن هذا لم يكن المهم الآن.
على الأقل في هذه اللحظة بالذات، حيث تأكدت من أن تنينها الصغير الناعم، شبه الفطيرة، شبه الدودة، شبه السحلية، يستطيع فهم كلام البشر، بل وحتى التعبير عن إرادته.
احتضنت آيريس كونغ بحنان وتمتمت بسعادة:
“يا كونغ، أنت حقًا تنين عبقري!”
***
“أ، صاحب السُّمو الدوق. هل حقًا تنوي أ، أسر السلمندر حيًا…”
تجاهل أليكسيون الساحر الملكي الثرثار.
سمع أن هذا الشخص معترف به من قبل سيد البرج السحري، فظن أن مهاراته ستكون موثوقة، لكن الذي أتى كان مجرد جبان عديم الخبرة.
“ح، حتى إحضاره إلى العاصمة ليس أمرًا عاديًا… أ، ألا يمكننا قتله ببساطة؟”
حدَّقت عينا أليكسيون الحمراوان بالساحر الملكي ببرودة.
شعر الساحر الملكي بالغضب المتأجج كالنار في نظرة أليكسيون الهادئة الباردة، فبادر بتغيير كلامه على الفور:
“ب، بالطبع الأسر هو الخيار الأمثل! هاهاها… أنا أيضًا سأبذل قصارى جهدي.”
ظل أليكسيون صامتًا.
لأنه شعر أن التحدث مع هذا الرجل مجرد إضاعة للوقت.
من البداية لم يكن يتوقع الكثير، لكن بما أن الذي أتى أقل من التوقعات، لم يكن لديه نية لإقناعه بالتعاون.
عند الحاجة، يكفي أن يصدر الأوامر ويجبره على الطاعة.
اتبعته مجموعة الساحر الملكي المرتجفة بينما كان يتقدم بخطوات واسعة إلى الغابة، دافعًا المتسلقات جانبًا.
“ا، احترس… من الأفضل أن نسير ببطء…”
تجاهل أليكسيون كلامه تمامًا.
قيل أن موقع السَّلمندر في مكان ما في هذه الغابة.
إذا أراد مواجهته اليوم، كان عليه أن يتحرك بعنف وبضجيج قدر الإمكان.
هكذا سيظهر لمهاجمة المعتدي الذي اخترق منطقته.
تمامًا كما حدث الآن.
اندفع دخان برائحة كبريتية.
كانت كتلة ملتهبة عملاقة تقترب منهم من على بعد عشرة أمتار.
“آآآه…!”
صرخ الساحر الملكي.
“أ، سُموَّك! ابتعد!”
‘من يسمعه يظن أنه يتقدم ليحميني.’
ابتسم أليكسيون ساخرًا.
كان الساحر الملكي يصرخ وفي نفس الوقت يتراجع للخلف.
بالطبع، كان لا يزال يحتفظ ببعض المنطق، لذلك لم يبتعد كثيرًا.
أصبحت المسافة بين السَّلمندر وأليكسيون بضعة أمتار فقط.
فكَّر أليكسيون:
هؤلاء الذين يصرون على ضرورة إبادة هذا المخلوق الجميل المُهيب… هم أغبياء لا يستحقون الاهتمام.
(يتبع…)
ترجمة مَحبّة
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 14"