“…….”
أطبق الصمتُ على آيريس. لم تدرِ بمَ تجيب، فقد تاهت في متاهة الحيرة.
‘ليس من المفترض أن يشعر أليكسيون بالأسف.’
هو الآخر لم يكن ليتوقع مطلقًا أن تؤول الأمور إلى هذه النتيجة.
بل إن…
‘وأنا أيضًا، لو كان أليكسيون مع امرأة أخرى… في علاقة كهذه، لَما ارتضيتها.’
لم تكن آيريس قديسةً.
بل كان من الطبيعي أن تغار هي أيضًا إن رأت أليكسيون يُبدي حميميةً مع امرأة أخرى.
فكيف لو تجاوزت تلك المرأة حدود الأُلفة إلى المغازلة والتعلق به؟.
حينها، لَمَا ارتضَت حتى أن يتبادل أليكسيون أطراف الحديث معها.
لذا، لم يسعها مطلقًا أن تلقي باللوم عليه.
“أليكسيون.”
نادته مُخلصةً قلبها له.
“لا بأس. لقد حُلَّت المشكلة كلها… فلا تكترث للأمر.”
“…….”
“لكن، أعتقد أن علينا أن نتحدث حول ما ينبغي فعله من الآن فصاعدًا.”
عبس أليكسيون وحوَّل نظره بعيدًا.
“…افعلي ما تشائين.”
ابتلعت آيريس ريقها.
للوهلة الأولى، بدا أن اتباع كلام أليكسيون قد يحل كل المشاكل.
علاقةٌ ترى فيها آيريس كارفيان متى شاءت ومتى احتاجت، دون حاجة لإذن أليكسيون.
ولكن، هل ستحل هذه الطريقة كل المشاكل حقًا؟.
لم تعتقد آيريس ذلك.
فحتى لو بدا الأمر بلا مشكلة في البداية، سيظل أليكسيون حتمًا يشعر بالإحباط والغيرة.
وعندها، ستخسر آيريس أغلى ما تملك.
“…أتعلم، لو كنتُ مكانك، لقلتُ الأمر نفسه.”
“كلا.”
هز أليكسيون رأسه نافيًا.
“أنتِ كنتِ ستطلبين مني الذهاب. أنتِ تقدِّسين راحة الآخرين على مشاعركِ. أنتِ… إنسانةٌ هكذا.”
كاد الضحك يتملك من آيريس.
أي صورةٍ يرسمها أليكسيون لها في ذهنه؟.
كان وهمًا جميلاً لا تكرهه، لكنه في الوقت ذاته وهمٌ يجب تبديده لئلا تُصيبه خيبة الأمل لاحقًا.
“لا أدري.”
هزت آيريس رأسها.
“أنا لستُ بتلك العظمة أتعرف ما هي أكثر ميزة أحبها فيك من بين ميزاتك الكثيرة؟”
“وجهي؟”
أضحكتها دعابة أليكسيون.
بل وكانت صحيحة نوعًا ما، فلا داعي لنفيها.
“إنك لا تخصُّ سواي، ولا تحتاج سواي.”
ارتبكت ملامح أليكسيون قليلاً وقد امتلأ وجهه بالدهشة.
“هذا لأنه لا أحد سواكِ من أحتاج.”
“الآخرون لم يكونوا كذلك.”
فما قبل لقاء أليكسيون وآرِن، كانت آيريس أينما حلَّت مجرَّد شيء يُستعاض عنه بسهولة.
ضيفةٌ تعيش على حساب غيرها، قريبةٌ ثقيلة الظل، عاملةٌ بأجر يومي، مستأجرةٌ من عائلة نبيلة ساقطة…
لم يكن أحد يحتاجها حقًا.
وحتى الرجال الذين كانوا يقتربون منها، كانوا يرون فيها مجرد ربة منزل محتملة، أو أنثى تنجب لهم الأطفال.
لهذا، مهما اشتدت بها الظروف، لم تستسلم آيريس لتلك المغازلات الهزيلة.
فما كانت تبغيه هو شخصٌ يحتاجها بصدق ويُقدِّرها حقَّ قدرها.
“لذا… كما أنني لك وحدك، فأنت أيضًا فريدٌ بالنسبة لي، ولا أحد يُضاهيك. أنت أغلى عليَّ من كارفيان بكثير.”
عند ذكر كارفيان، عبس أليكسيون لكنه لم يُبدِ رد فعل آخر.
تنفست آيريس الصعداء.
فهذا القدر كافٍ لتمرير أي احتكاك اضطراري مستقبلي مع كارفيان دون مشاكل.
“إذاً، لا تشعر بالأسف.”
“…سأشعر بالأسف تجاه آرِن.”
“من المفترض أن يكون آرِن هو من يشعر بالأسف.”
قالت آيريس بحزم.
لم تكن تنوي التغاضي عما حدث بسهولة.
كان بإمكان آرِن اختيار طريق آخر.
لو أنه حدثها بالأمر، لكانت فكرت ووجدت الحل الأمثل.
لا أن تترك الأمور تمشي هكذا حتى يقع في الخطر كما حدث.
“وقبل كل شيء، آرِن قد أخلف وعده.”
“…كلُّ ما فعله كان من أجلكِ أنتِ، آيريس.”
عضَّت آيريس على شفتها.
كانت تعلم جيدًا أن نواياه طيبة. لكن…
‘قوة آرِن ستزداد في المستقبل إن استمر في التصرف بمفرده هكذا، فسيصبح هدفًا لا محالة.’
وإن وصل الأمر إلى مسامع القصر الإمبراطوري، فستكون هذه حياتنا الهادئة الجميلة قد ولَّت.
ستتدمر خطتهم بمنح إيف و آرِن طفولة سعيدة وهانئة.
أليس هذا ثمنًا باهظًا مقابل الجهل؟.
“يجب أن أؤدب آرِن هذه المرة تأديبًا حاسمًا. كما يجب أن أفكر في وسيلة للسيطرة عليه…”
“آيريس.”
هز أليكسيون رأسه.
كان يبدو حزينًا، لكنه بدا مصرًا على موقفه بخصوص هذه المسألة.
“آرِن تنين. والتنين لا يُسيطر عليه إنسان. عليكِ أن تتقبلي هذه الحقيقة.”
“لكن…!”
“إن خسرتِ ثقته بفعلكِ هذا، فستخسرين الأهم.”
ارتعشت يداها.
شعرت وكأنها في موقف لا تستطيع معه التقدم أو التراجع.
إن هي سيطرت على آرِن وكبتته، فلن يثق بها التنين الصغير وسيتعس.
ولكن إن تركته يفعل ما يشاء كما حدث الآن؟
‘لا أدري كيف سيكون الثمن.’
ارتجفت آيريس.
“إذًا، هل تتركني أتركه وشأنه فقط؟”
“…أظن.”
جاء رد أليكسيون ببطء شديد.
“أن آرِن قد نما وأصبح أكبر بكثير مما نتصور.”
رمشت آيريس.
أقصد بكلامه، ألا يعني…؟.
“هل بلغ مرحلة التنين البالغ بل وأكثر؟”
“أظن ذلك.”
أومأ أليكسيون.
“يبدو أنه مكث على هذا الشكل بسببنا وبسبب إيف… لكنني لا أدري إن كان هذا خيرًا أم شرًا.”
خفضت آيريس بصرها إلى يديها.
تنين بالغ بالفعل!.
كانت تعلم من الكتب أن معدل نمو التنانين يختلف كثيرًا بين فرد وآخر، لكنها لم تكن تتوقع هذا.
“لكنه في نظري ما يزال طفلاً.”
“لهذا السبب لم ينمو على ما أعتقد.”
“…….”
“لأنه يعتبرنا والديه. ولأنه لا يريد أن يخيب ظننا.”
زفرت آيريس زفيرًا عميقًا.
“…لا جدوى من السيطرة أيضًا فكيف لي أن أسيطر على تنين نما واكتمل نموه هكذا؟”
“أظن ذلك أيضًا.”
أقر أليكسيون بهدوء.
“لذا، علينا إقناعه. ليس كما نتعامل مع طفل… بل كما نتعامل مع تنين بالغ.”
رفعت آيريس رأسها لتحدق في أليكسيون.
كان هو الآخر ممتلئًا بالهموم، ولم يبدُ على ثقة من نفسه البتة.
لكن آيريس أدركت.
أدركت أن كلام أليكسيون صواب.
وأن هذا هو الخيار الوحيد المتاح أمامهم.
“حينما يستيقظ آرِن، لنتحدث معه معًا.”
بدلاً من الرد، عانقها أليكسيون بصمت.
أغمضت آيريس عينيها.
شعرت بالدفء يغمرها، وحين طوقها ذراعاه القويان، شعرت وكأنها منعزلة عن العالم.
شعرت وكأن لا أحد يستطيع إيذاءها ما دامت في هذا الأحضان.
“…أحبك، أليكسيون.”
همست بصوت خافت جدًا.
صوتٌ خافتٌ لدرجة أنها ظنت أنه قد لا يصل إلى مسامعه.
لكن رؤيتها لأذنيه وقد احمرَّتا فجأةً، أخبرها -ولحسن الحظ- أن صوته قد بلغه.
بعد لحظات.
طبع أليكسيون قبلةً على جبينها.
تبعتها قُبَل صغيرة متناثرة على أنفها ووجنتيها.
يتبع في الفصل القادم …
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 139"