رَمَى الإمبراطورُ بِـنَظرةٍ حادّةٍ إلى أليكسيون، كأنّما يَخزِقُه بها.
“همم.”
لم يكن وَهماً.
‘لـظـنـنـتُ لـحـظـةً أنـنـي أخطأتُ في رؤيته.’
بطبيعة الحال، كان المظهر الخارجي ذاته.
أي أنّ تلك الهيئة التي توحي وكأنّ روحاً نُفِخت في تمثالٍ من تماثيل المعبد لم تتبدّل.
لكنّ الأجواء التي اتّسم بها، تلك العصبية المزاجية الحادّة، وكأنّه لم يَذُقْ طعم النوم جيداً، قد تلاشت بلا أثر.
بل أصبح أشبهَ بفهدٍ أسودٍ نهض من سُباته الشتوي، فكلّ حركة من حركاته تنطوي على تهديدٍ وجبروت.
‘يالَـوَقَاحَتِه!’
انعقدت شفتا الإمبراطور لا إرادياً.
لا شكّ أنه كان في حالة جيدة خلال الفترة الماضية، إذ تواترت أنباءٌ شتّى عن خطوبته وما إلى ذلك.
أمّا كارفيان المسكين، فقد أضناه المرضُ منذ زمنٍ بعيد.
ومؤخراً، وإن أبدى بعض التمرّد على غير عادته، إلا أنه لا يزال ورقةً لا تُقدّر بثمن، لا نظير له.
وفي المقابل، أليكسيون تيت…
‘لا شيء فيه يرضيني.’
وكأنّما ليُثبتَ صحةَ أفكاره، تفوّه أليكسيون بكلماته الوقحة:
“أليس جلالتك من أرسل لي الدعوة؟”
“… بلى، لقد فعلتُ.”
اعترف الإمبراطور.
لقد كان إرساله تلك الدعوة، التي هي بمثابة جزرة، خطأً من أخطائه.
لكن، من ذا الذي كان يتوقع أن يجرؤ أحدٌ بحجم دوقٍ على دخول القصر الإمبراطوري دون أن يرسل ردّاً لائقاً على الدعوة؟
كان الموقف يُقشعر له البدن.
“لكن الذي لا شكّ فيه، أنها كانت دعوةً لحضور فعالية فرسان الإمبراطورية.”
“أجل. وأنا عائدٌ للتوّ من حضورها ومشاهدتها.”
قال أليكسيون بكل ثقة.
“إذاً، ما الذي أتى بك إلى هنا؟”
همّ قائد الفرسان أن يفتح فاه، لكن أليكسيون كان أسرع منه.
“من الطبيعي أن أطمئن على والدي خطيبتي.”
“هـا!”
قهقه الإمبراطور باستهزاء.
“وكيف عرفت بهذا الأمر؟ لقد كُلّف الأمر بالغ السرية، هذا مؤكد.”
شحب وجه قائد فرسان المعبد.
ولحسن حظّه، أنه لم يُخبر بنفسه.
فمن المستبعد أن يخبر الدوق، الذي يبدو واقعاً في أسر خطيبته حتى قبل الزواج، أن حماته المُستقبلية هي من أخبرته بنفسها.
هذا غير وارد.
وحينها، فالاختيار الذي يليق بدوق تيت، ذلك الرجل الذي لا يعرف الرحمة ولا تدمع له عين، سيكون على الأرجح هو التضحية به، أي بقائد الفرسان نفسه.
استعدّ للاحتجاج فور أن يشير الدوق باتهامه إليه، وقبض قبضتَه بإحكام.
لكن،
“أيستهين جلالتك بقدرة بيت الدوق على جمع المعلومات؟”
“…!”
عندها، كاد قائد الفرسان يُغمى عليه.
كان أليكسيون تيت صريحاً إلى درجة مُفرطة.
ولم يخطر بباله أبداً أن الدوق ربما كان يكذب.
وما ذلك إلا لأنه، إن وُجد خيار التضحية بشخصٍ آخر لا علاقة له بالأمر، فلماذا يستفز الإمبراطور بالكذب؟
تصلّبت ملامح وجه الإمبراطور بشدة.
بدا الآن وكأنه يرغب في خنق الدوق تيت بيديه.
“أيها الدوق.”
“نعم، جلالتك.”
“هل أنت تعترف الآن، بكل وقاحة، بأنك أدخلت جواسيسك إلى القصر الإمبراطوري؟”
“حاشا لله أن يحدث ذلك.”
أجاب أليكسيون بجفاف.
كانت نبرته محايدة تماماً، لا يشعر فيها بعداوة ولا خوف.
“إنهما والدا خطيبتي انقطع خبرهما فجأة، فمن الطبيعي أن أُجري تحقيقاً في الأمر.”
“…”.
بطبيعة الحال، لم يصدّق الإمبراطور كلامه.
لكنه، ولأنه لم يكن بإمكانه أن يُثبت العكس أيضاً، قرر أن يتجاهل هذه الهزيمة القصيرة وكأن شيئاً لم يكن.
“لقد تأكدت الآن من سلامتهما، فعد من حيث أتيت.”
“لم أتأكد.”
لا يزال صوت أليكسيون رسمياً خالياً من المشاعر.
وكأنّ من أمامه ليس إمبراطور الإمبراطورية وقد بلغ الغضب منه كل مبلغ، بل مجرد إنسان عادي.
“أحتى عندما أكون أنا الضامن لسلامتهما؟”
“من الصعب تصديق ذلك قبل أن أراهما بعيني. أرجو أن تتغمدني بعفوك، فهما سيكونان صهراي في بيت الدوق.”
“أي عفو تتحدث عنه، أتعفُ…!”
وكان ذلك.
رفع أليكسيون رأسه ببطء نحو الأعلى.
كانت النافذة قد فُتحت في غفلةٍ من الجميع، وإذا برأس الحفيدة الكبرى للإمبراطور يندفع فجأةً ويطلّ محدّقاً به.
“تشرفتُ بلقائك يا صاحبة السمو الإمبراطوري الحفيدة الكبرى.”
بتحية ألكسيون المهذّبة، أمالت إيف رأسها بغطرسة وأجابت:
“من أنت؟ لقد أحدثت ضجّة.”
“أدعى أليكسيون تيت.”
“الدوق تيت؟”
تألقت عينا إيف بريقاً.
أدرك ألكسيون على الفور.
لم يكن ذلك تمثيلاً.
لقد كانت إيف مسرورة حقاً برؤيته.
في الواقع، كان ذلك استثناءً، إذ أن آيريس وآرِن هما من كانا مقربين من إيف، ولم يكن هو يمتلك ذكريات كثيرة عن الأنسجام معها.
“هيلين! هيلين! إنه الدوق تيت إنه الرجل الذي ستتزوج ابنة هيلين منه!”
كان الإمبراطور يراقب المشهدَ كلَّه بوجهٍ جامدٍ متحجّر.
أخذ أليكسيون نفساً عميقاً للحظات.
ما من احتمالٍ تقريباً أن يكتشف الحقيقة الآن.
“يجب أن أنزل بسرعة لألقي التحية!”
ما إن سمع صوت الطفلة المرح، حتى تبع ذلك صوت دبدبة أقدامها وهي تركض على الدرج نزولاً.
إيف، بوجهها المليء بالابتسامة البرّاقة، توجهت إلى أليكسيون بالحديث:
“أتعرف هيلين، وصيفتي، صحيح؟ هيلين، هذا الدوق تيت. هل التقيتما من قبل؟ الأكيد أنكما التقيتما.”
رمش أليكسيون عينيه ببطء عدة مرات.
لقد كانت إيف غريبة الأطوار الآن، وهذا واضحٌ لأي ناظر.
أي شخص يعرف إيف ولو قليلاً سيعتقد أنها تمثل.
أما أنها سعيدة حقاً بلقائه، فذلك صحيح، لكن هذا الحماس الزائد، لا بد أنه…
‘لقد كانت وحيدة.’
وبالتأكيد كانت خائفة أيضاً.
لعلّ من حسن حظها أن هيلين أصبحت وصيفتها، لكن في الحقيقة، لم تكن إيف تعرف هيلين جيداً.
هي فقط تعرفها كـ “شخص يمكن الوثوق به”.
“… أشكركِ يا صاحبة السمو إيفانجلين.”
عندها فقط، بدت على إيف علامات استشعار شيءٍ غريب، فانتفض جسدها.
أسرعت بإدارة رأسها نحو هيلين وقالت:
“أنا… أنا فقط هكذا لأن هيلين كانت لطيفة معي.”
“بالطبع، كيف لا تكون كذلك.”
ثم التفت أليكسيون نحو الإمبراطور وقال:
“إن صاحبة السمو الإمبراطوري الحفيدة الكبرى لشديدة المراعاة والحذر.”
“… حقاً، إنها حفيدتي إيفانجلين، ألا تشعرين بالبرد؟”
اتسعت عينا إيفانجلين باستغراب.
“إنه فصل الربيع، ليس بارداً أبداً.”
“… صحيح.”
وهكذا، استطاع أليكسيون أن يحظى بفرصةٍ صغيرة لتبادل الحديث مع هيلين.
كان قد تعلّم مسبقاً بعض الإشارات التي يمكن مشاركتها مع والدي آيريس في مثل هذه الحالات، فلم يكن التواصل صعباً.
تحركت يد أليكسيون اليمنى نحو خصره، ثم وضع ثلاثة من أصابعه إلى الأمام مشيراً.
تقطّب جبين هيلين.
“هل تشعر بتوعك، يا صاحب السمو؟”
“لا بأس.”
قال أليكسيون بجفاف.
“المهم، أن آيريس قلقة عليكما.”
“آه، أنا بخيرٌ والحمد لله.”
ارتدت هيلين ابتسامة هادئة.
قليلون هم من يعرفون أن تحت تلك الابتسامة يختبئ حذرٌ شديد ورعبٌ كامن.
“بلِّغها من فضلك أنني بخير ولا داعي للقلق.”
قبضت هيلين قبضتها ثم فتحتها مرتين.
كانت إشارةً بأن لا شيء خطأ.
ضيّق أليكسيون عينيه.
“لا بد أن آرِن أيضاً اشتاق لجدته.”
“آرِن…”
احمرّت عينا هيلين ثم دلكتهما.
بدا عليها التأثّر والحنين.
“أهذا الصغير الصغير لا يزال يذكرني؟”
“أجل.”
أومأ أليكسيون برأسه، ثم رفع يده إلى ذقنه.
“إنه يتوقُ للقائكِ من جديد.”
ارتجفت شفتا هيلين بارتعاشة خفيفة.
تنهدت بحسرةٍ وكأنها آسفة، لكن المعنى الحقيقي لذلك لم يعلمه سواهما.
“للأسف، هذا صعب المنال. فعليّ الآن أن أكرس كل اهتمامي لصاحبة السمو إيفانجلين.”
قالت ذلك ثم مرّرت يدها في شعرها إلى الخلف.
“بلِّغ آرِن تحياتي، يا صاحب السمو.”
أجاب أليكسيون بأنه سيفعل، لكن ذهنه كان شارداً تماماً في مكانٍ آخر.
كان قلبه يدق بعنف، وفي الوقت نفسه، شعر بدمائه تتجمّد في عروقه.
لقد أجابت هيلين بأنها لم تر آرِن قط، ولم تلحظ أي أثرٍ يدل على قدومه أصلاً.
وإذا كانت إيف قد التقته، فمن المستحيل أن لا تعلم هيلين بذلك.
النتيجة الوحيدة التي يمكن استخلاصها هي…
التنين… لم يكن هنا.
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 135"