“الحمدُ لله على انقضاء فصل الشتاء بسلام.”
زفر أليكسيون زفرة طويلة.
كـدوق، لو أراد أن يعد أكثر الأمور إزعاجًا، لوجد أن راحة أهل إقطاعته تسبق حتى شؤون الإمبراطور نفسه.
فمُرور فصل الشتاء الطويل بسلام، ودون مشاكل تُذكر، لم يكن ليتحقق لولا جهود مضنية وعناية فائقة تبدأ حتى قبل حلوله.
هذا الشتاء كان شاقًا بشكل خاص، لذا فمروره بسلام كان شبه معجزة.
“كُلُّ ذلك بفضل سيّدي…”
“كفى بهذه الكلمات.”
لوّح أليكسيون بيده.
“بفضل جهود الجميع.”
“…….”
صَمَتَ المُسِنّ العجوز بعناد.
فمن وجهة نظره، كان أليكسيون بلا شك حاكمًا استثنائيًا.
أكثر جدارة بالحكم ممن يجلسون عليه الآن.
لكنه لم يُفصح عما يجول في خاطره، لأنه يعلم جيدًا أن ذلك سيثير حنق أليكسيون.
عندها، دقّ أحدهم الباب.
فتح العجوز الباب دون أن يسأل من الطارق، فلم يكن هناك سوى شخص واحد يجرؤ على زيارة أليكسيون في هذا الوقت.
كان أليكسيون قد نهض بالفعل لاستقباله.
“آيريس.”
“أليكسيون، هل قاطعتُ شيئًا؟”
“أبدًا.”
أومأ أليكسيون للعجوز بطرف عينه، فانسحب الأخير بذكاء من الفجوة التي فتحها الباب.
“لقد جئتِ في الوقت المناسب. أنهيتُ عملي للتو.”
“لا تكذب.”
أشارت آيريس بطرف أصابعها إلى أكوام الملفات المتراكمة.
“ما هذه؟”
“أعمال أنهيتها لتوّي.”
تنهدت آيريس، مُعبرة عن عدم تصديقها لكلامه.
“ليتني أستطيع مساعدتك.”
“أنتِ تساعدينني كثيرًا بالفعل.”
كان صادقًا.
فآيريس لم تتوقف عن صُنع الحرف اليدوية السحرية له.
أساور تجلب النوم الهادئ، وأخرى تزيد التركيز، وتلك التي تقيه نزلات البرد…
لو كان أليكسيون قادرًا على إدراك كثافة سحرها المحيط به، لشعر بالاختناق تقريبًا.
لكنه لم يكن ليبالي.
فكم كان موته بسبب الحب رومانسيًا؟
لم تكن كلمة “رومانسية” موجودة في قاموس أليكسيون، لكن وجود آيريس بجانبه جعله يكتشف باستمرار جوانب خفية من العالم لم يكن يعرفها.
جوانب لم تكن سيئة أبدًا.
بل على العكس… كانت رائعة.
حقًا.
لكن آيريس بدت غير مقتنعة بذلك.
كانت دائمة القلق، ترى نفسها عبئًا عليه وتتوق لتقديم المزيد.
وكأنها لم تلحظ أبدًا أنه هو نفسه يستمتع بمساعدتها وحمايتها.
“يبدو أنكِ لا تصدقينني.”
حاولت آيريس التخلص من عناق أليكسيون الذي لفّها به دون أن تدري.
“…قد لا يُجدي كلامي معك يا أليكسيون، لكنني جادة. أريد حقًا أن أكون عونًا لك، كما كانت والدتي عونًا لأبي.”
فكّر أليكسيون في قرارة نفسه أن الأصح هو أن الكونت روبين كان عونًا لزوجته، لكنه انتقى كلماته بحيادية:
“السيدة روبين امرأة استثنائية. السعي لأن تكوني مثلها هدف صعب.”
“أعرف.”
هزّت آيريس كتفيها.
“لكن الأحلام ينبغي أن تكون كبيرة.”
“…ولهذا، قررتِ تعلم المبارزة؟”
“لم لا؟ لكنني فكرت بالأساس في كيفية استغلال موهبتي.”
تجهّم وجه أليكسيون.
موهبة آيريس تعني…
“السحر.”
ابتسمت آيريس.
“ألا ترى أنه من الجيد أن أتعلم كيفية التحكم بقدراتي جيدًا قبل أن أنزل إلى الإقطاعية؟”
“…أبعد كل ما مررتِ به، ما زلتِ ترغبين في ذلك؟”
اغتمّ صوت أليكسيون فجأة.
للحظة، غادر غرفته، وعاد بذاكرته إلى ذلك المكان الموحش في طفولته، حيث كان محاصرًا بلا مفر!
“لأن كل هذا أصبح من الماضي.”
أجابت آيريس بهدوء.
“لا أعتقد أن ما مررت به يجب أن يجبرني على التخلي عن قدراتي.”
“…”.
“أليكسيون…”
“أنا لا أريد.”
كان كلامًا طفوليًا، وكان يعلم ذلك، لكنه لم يستطع تحرير يديه من ذراعيها.
“أنا… لا أحتاج مساعدتكِ. فرحتي الحقيقية هي في حمايتكِ والاعتناء بكِ.”
نظرت إليه آيريس بحزن.
ترددت شفتاها، وهي تنتقي كلماتها بعناية:
“أما أنا فمختلفة. فرحتي الحقيقية تكون عندما أستطيع حماية نفسي… وحمايتك أنت أيضًا.”
“…”.
“بغض النظر عن رأيك… سأتعلم.”
“وكيف؟”
صار صوته أكثر جفافًا.
ارتجفت آيريس لكنها لم تتراجع قيد أنملة.
“بالتوجه إلى برج السحر.”
“برج السحر؟”
لوهلة، ابيضّت الدنيا أمام عينيه.
في برج السحرة هناك كارفيان سول، الذي سيكون أسعد الناس باستقبالها هناك.
وبعد ذلك…
‘تمالك نفسك.’
تمسك أليكسيون بآخر خيط من عقله.
شعر كأن قلبه يُقصف حين تذكر أن آيريس وكارفيان قد يلتقيان، لكنه لن يُفرغ غضبه عليها.
آيريس غالية جدًا عليه.
لا يريد أبدًا أن يؤذيها.
نظرت إليه آيريس بقلق:
“هل… هل أنت بخير يا أليكسيون؟”
“نعم.”
أجاب بصعوبة.
“…إن كنتِ مصممة على تعلم السحر بهذا الشكل، فلن أمنعكِ.”
ابتلعت آيريس ريقها.
موقف أليكسيون كان واضحًا، لكنها لم تستطع التنازل.
ربما لأنها تعلم أنه في النهاية سيستسلم لرغبتها.
“لن أضطر حتمًا لمقابلة كارفيان شخصيًا. يمكنني دعوة ساحر آخر من البرج…”
“سيأتي هو حتمًا.”
قال أليكسيون بجفاف.
“وربما ليست بالفكرة السيئة.”
“…ماذا؟”
شكت آيريس في أذنيها.
لم يبدُ أليكسيون ساخرًا ولا كاذبًا.
“لا داعي لزيادة عدد من يعرفون قدراتك.”
“…”.
“بشرط أن يكون ذلك أمامي. لن أسمح لكما بالخلوة وحدكما.”
“شكرًا لك، أليكسيون!”
عانقته بحرارة.
صحيح أن موافقة كارفيان تبقى الأهم، لكنها كانت متأكدة أنه سيأتي.
لم تخل مشاعرها من الذنب قليلاً.
فقد كانت تستغل مشاعره نوعًا ما.
لكن…
بالمقابل، أليس هذا أقل ما يمكنه فعله تعويضًا عما سببه لها من متاعب؟
وهكذا، بعد أسبوع من إرسال الخطاب إلى برج السحرة.
وصل رد كارفيان سول على دعوة القصر.
يُفيد بأنه يتوق لتلبية الدعوة، لكنه طريح الفراش منذ مدة، ولا يستطيع الحضور.
شحب وجه آيريس في لحظة.
لم تكن تحمل لكارفيان مشاعر خاصة، لكن تذكر ماضيه الأليم جعلها تتمنى له الخير.
“إنه يتمارض.”
قال أليكسيون باقتضاب.
“مصيدة لجرّكِ للذهاب إليه.”
“و… ولماذا قد أذهب أنا؟”
سألته وهي تعرف الإجابة مسبقًا.
“بسبب قدراتكِ.”
حدّق في عينيها بعمق.
“عديني بأنكِ لن تعالجيه، مهما كان مرضه عضالًا.”
يتبع في الفصل القادم…
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 131"