انتهت الحفلة الراقصة بنجاح.
غادر الجميع قاعة الاحتفال الكبيرة بوجوه مبتسمة، ولم تخلُ أحاديثهم المتقطعة هنا وهناك من الثناء والإعجاب.
جرّت آيريس جسدها المُنهَك وعادت إلى غرفتها.
على الأقل، هي تستطيع الذهاب للراحة حالاً، بينما أليكسيون توجه مباشرة إلى مكتبه.
فقد كانت الأعمال المتراكمة تنتظره كالجبل.
لابد أن آرِن نائم الآن.
كان الوقت متأخراً.
آرِن عادة ما ينام مبكراً بعد أن يقضي يومه يمرح مع إيف، ولا شك أنه اليوم أيضًا غارق في نوم عميق لا يدري عنه شيئًا.
ولكن عندما فتحت الباب.
وجدت آيريس آرِن جالسًا وحيدًا على عتبة الغرفة.
“ماما…؟”
رفع آرِن رأسه إليها، ووجهه ملطخ بالدموع.
“آرِن…؟”
جلست آيريس على الأرض بجانبه في هلع.
احتواني بين ذراعيه على الفور، وكاد قلبي أن يسقط من مكانه.
لقد كان آرِن يشعر بالوحدة طوال هذه المدة.
في مكان لا توجد فيه ماما، ولا بابا، ولا حتى إيف.
صحيح أن ميريام كانت معه، لكنه لم يعتمد عليها كليًا قط.
لقد أخطأت.
ما كنت أدرك أن عدم اصطحابي لأرِن خوفًا من نظرات الناس سيتسبب بمشكلة بهذا الحجم.
الآن وقد بات آرِن يفهم كل الكلام، لكان فقط تبعني بهدوء أينما ذهبت.
“ماما، لمَ جئتِ الآن فقط؟ لقد انتظرتُ، انتظرتُ طويلاً…”
تدخلت ميريام وقالت بوجه متعثّر:
“حاولت أن أجعله ينام، لكنه أصر على انتظارك سيدتي … لم أستطع فعل شيء.”
توقفت نظرة آيريس للحظة على ميريام.
من وجهها المنهك تمامًا، استطاعت أن تدرك كم بذلت من جهد لتهدئة آرِن.
“أنا آسفة، يا آرِن.”
همست آيريس بصدق.
“لم أكن أتوقع أن تنتظرني هكذا.”
“أنا، أنا دائمًا أنتظر ماما.”
قال آرِن بتوسل.
“أنا لا أستطيع العيش بدون ماما لذلك يجب أن تعودي إليّ دائمًا، يا ماما.”
“ألم أعُد الآن؟”
قالت آيريس بلطف.
“ظننتك بخير لأنك دائمًا مهذب وتتصرف بثبات… لكن يبدو أن آرِن ما زال صغيرًا جدًا.”
“هل أنتِ منزعجة؟ هل أنتِ منزعجة لأن آرِن صغير؟”
بدأت عينا آرِن تمتلئان بالدموع مجددًا.
أخرجت آيريس منديلاً نظيفًا ومسحت دموع طفلها.
أجل، إنه طفل.
صحيح أن له أجنحة وذيلاً بلون القرنفل، ويستطيع صنع الجواهر، لكن قلبه لا يختلف عن قلب أي طفل عادي.
بل إنه أحيانًا يبدو أكثر هشاشة من الأطفال العاديين.
“أبدًا.”
قالت إيريس بتأكيد.
“هل تريد أن تعرف سرًا؟ ماما… تحب آرِن أكثر من أي شخص في العالم. أكثر من بابا حتى.”
“حقًا؟”
تمسك آرِن بآيريس ورفع نظره إليها.
بدا الطفل سعيدًا للغاية، لكنه في الوقت ذاته لم يبدُ متأكدًا تمامًا.
“حقًا حقًا؟”
“طبعًا.”
أومأت آيريس برأسها.
كانت صادقة.
بالطبع عائلتها جميعًا مهمون، وأليكسيون أيضًا غالٍ لديها.
لدرجة أنها قد تضطر للاعتراف بأن أليكسيون يحتل المرتبة الأولى إذا طُلب منها ترتيب الأولويات.
فقط من أجله، شعرت وكأن قلبها تضاعف حجمًا ليتسع لحبها له.
لكن آرِن…
آرِن… ليس لديه سواي وسوى أليكسيون.
وأليكسيون رجل مثقل بأعباء كثيرة على كتفيه.
بينما آيريس، ليس عليها مسؤولية سوى آرِن.
وهكذا، هي الوحيدة القادرة حقًا على التفرغ لأرِن والعطاء له بلا حدود.
“آرِن.”
ربتت آيريس على شعر طفلها الأسود برفق.
“أتعلم؟ أنا منذ زمن بعيد وأنا أتمنى أن يكون لدي طفل. طفل صغير يحبني مثلك تمامًا.”
لم تكن تمزح.
كأي نبيلة صغيرة، حلمت آيريس أيضًا في طفولتها بأن تصبح زوجة صالحة وأمًا حنونًا.
لكن بالتفكير الآن، أدركت أن حلمها بـ”الزوجة والأم” كان مجرد انعكاس لحنينها لأمها.
أما وجود كائن يحبها فقط لأجلها.
كائن في هذا العالم يحبها فقط، لكونها هي.
كائن تستطيع هي بدورها أن ترد له هذا الحب.
هذا الشوق لذلك الكائن بقي راسخًا في جانب من قلب إيريس منذ زمن بعيد، ولم يفارقها أبدًا.
وكانت تلك اللحظة.
اللحظة التي تفوه فيها آرِن فجأة بكلام لم تتوقعه إطلاقًا.
“…هل أبقى صغيرًا دائمًا؟ إذا كنتِ تريدين ذلك يا ماما، أستطيع أن أبقى صغيرًا إلى الأبد!”
رمشت آيريس بعينيها.
لم تستوعب ما سمعته للتو.
“ماذا تقول يا آرِن؟”
تألقت عينا آرِن بالنظر إليها.
منظر حماسه الشديد جعل قلب آيريس يخفق بقلق.
عادةً، عندما تظهر على آرِن مثل هذه الملامح، يكون على وشك الإعلان عن أمر صاعق.
لا أظن… أن ما أفكر فيه صحيح…
أمنية أم نقمة.
سرعان ما تحقق تخمينها.
“أنا، أستطيع ألا أكبر أكثر إذا أردتِ ذلك يا ماما. أستطيع حتى أن أصبح أصغر. أن أصبح أكبر، أن أنمو، هذا صعب لكن…”
ابتلعت آيريس ريقها.
حسب كلام آرِن، فإن سرعة نموه كانت بين يديه هو، أو بين يديها هي.
وما تريده آيريس، ربما يكون…
“آرِن، ماذا تريد أنت؟”
حدقت آيريس في عيني طفلها بعمق.
عيون حمراء.
تشبه عيون أليكسيون، وفيها لمحة من الوحشية الخاصة بالتنانين، لكنها الآن لا تحمل سوى الثقة العمياء بآيريس.
اختارت آيريس كلماتها بحذر شديد.
لأنها تعلم جيدًا أن كل كلمة تقولها الآن، سيكون لها أثر عميق على آرِن.
“أريدك أن تفعل ما تراه مناسبًا لك أنت. ليس لأن ماما تقول ذلك، بل لأنك أنت تراه صحيحًا.”
“…هذا صعب.”
قال آرِن بكآبة.
“ألا يمكنك أنتِ أن تحددي لي يا ماما؟”
غرقت آيريس في التفكير لوهلة.
بهذا الوضع، لن يستطيع آرِن أن يقرر بنفسه أبدًا، وسيظل يضبط سرعة نموه وفقًا لحكمها هي وحدها.
هل يمكننا تسمية ذلك نموًا حقيقيًا؟ وإذا أنا أبقيتُ آرِن على هذا الحال… هل يمكننا اعتبار ذلك طبيعيًا؟
لم تعتقد آيريس ذلك.
بالطبع، مع اشتداد رقابة الإمبراطور هذه الأيام، إبطاء سرعة نمو آرِن سيكون مفيدًا.
لكن على المدى البعيد، لا آيريس ولا أليكسيون سيحييان إلى الأبد.
القدرة على حماية آرين كهذا الآن، بواقعية، ستنتهي بعد 30 أو 40 عامًا على الأكثر.
فعندما يشيخان ويخبو نجمهما ويضعف حكمهما وطاقتهما، سيبقى آرِن مكشوفًا بلا حماية.
“لا يمكنني أن أقرر عنك.”
قالت آيريس بحزم.
“لديك متسع من الوقت للتفكير، فكّر في الأمر. وكبر متى أردت حقًا أن تكبر.”
“……”
أطرق آرِن برأسه.
بدا وكأنه يفكر بجدية في شيء ما.
وعندما رفع رأسه مجددًا، كانت على محياه نظرة عزيمة وإصرار.
…نظرة العزيمة والإصرار الأشد التي يمكن لطفل في الخامسة أن يظهرها، طبعًا.
“أنا، أريد أن أكبر مع إيف.”
“مع إيف؟”
اتسعت عينا آيريس.
بالمناسبة، في المرة الأولى التي كبر فيها آرِن، كان أيضًا لكي يصبح في نفس عمر إيف.
المشكلة أن…
“إيف الآن ذهبت إلى القصر الإمبراطوري. لن نستطيع رؤيتها كثيرًا… هل ما زلت موافقًا؟”
“نعم.”
أومأ آرِن برأسه.
“أنا، لدي أجنحة. لقد وعدتُ إيف وعدتها أنني سأذهب إليها خفية، خفية، لأراها.”
يتبع في الفصل القادم …
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 128"