صحيح أنها سمعت أن روب مدعو أيضًا، لكنها لم تتوقع منه أن يقترب منها في حفلٍ كهذا، حيث تتقاطع الأنظار وتتضارب الأبصار.
لحسن الحظ، بدا وكأنه جاء فقط ليُبارك لأختها آيريس بصدق.
“لقد كبرت فجأةً على حين غِرة.”
“…أجل، كذلك هي.”
حدقت ريبيكا في أختها بنظرةٍ حنونةٍ مشوبةٍ بالأسى.
كانت شقيقتها تتعامل ببراعةٍ مع حشد النبلاء المتزاحمين حولها.
أعني، هكذا بدا الأمر ظاهريًا.
إلى أن التصقت شفتاها بشفتي أليكسيون تيت فجأة.
“…”
“…”
ساد الصمت بينهما للحظات.
ريبيكا، عاجزةً عن النطق بكلمة، وضعت يدها على فمها وأخذت تنتظر بفارغ الصبر انتهاء هذه اللحظة المحرجة.
لكن آيريس وأليكسيون بدا وكأنهما لا يعرفان كيف يفترقان عن بعضهما، وكانت النتيجة…
“رائعة!”
صرخ روب بإعجاب.
صدرت منه تعجبةٌ بدت بريئةً للغاية، مما زاد من ضيقها من ناحية، وفي نفس الوقت جعل وجهها يحمرُّ خجلًا.
‘هذان الاثنان، كيف يستطيعان…!’
من وجهة نظر ريبيكا، كان كلاهما -أليكسيون وآيريس- قد فقدا صوابيهما.
الناس قد لا يجرؤون على قول أي شيءٍ في وجودهما مباشرة، لكن بمجرد أن يعودوا إلى منازلهم…
‘من السهل جدًا تخيل كيف ستنتشر الإشاعة.’
سيثردون أن الاثنين مغرمون ببعضهما لدرجة فقدان الوعي، لا يباليان بأحد.
وبالطبع، هذه إشاعةٌ ستجلب لهما الضرر، لا النفع.
ربما حتى تُوصف آيريس بأنها ساحرةٌ فتنت الدوق، وقد تسمع كلامًا بذيئًا لا يُستطاع نطقه.
‘أما بخصوص إيريس فسأتفهم، لكن الدوق… بل ربما الدوق هو المشكلة الأكبر.’
فمنظر أليكسيون وهو يمتص شفتيها بشراهة، وكأنه يريد أن يلتهمها، يؤكد ذلك بكل وضوح.
ربت روب على ذراعها بخفة.
كانت لفتةً بريئةً، خاليةً من أي غرض خفي.
“أنتِ تفكرين كثيرًا، يا ريبيكا.”
“…”
“أليسا ثنائيًا جميلاً؟ فقط باركيهما وهنيئهما.”
“جميلاً؟ ما هذا الكلام!”
زمت ريبيكا شفتيها باستياء.
كانت إيماءةً طفوليةً نادرًا ما كانت تفعلها في العادة، لكنها هذه المرة لم تستطع كبح جماح نفسها.
“أراهما مجرد شخصين لا يحترمان سنهما ولا مكانتهما.”
“اسمعي.”
وضع روب إصبعه على شفتيه طالبًا الصمت.
رمشت ريبيكا.
بالطبع، الناس لا يجرؤون على قول أي شيء أمام الدوق وخطيبته، لكن هنا، حيث كانا على بعد مسافة معقولة منهما…
“يا له من زوجين جميلين حقًا.”
“يذكرني هذا بأيام شبابنا. كنا نحن أيضًا متحمسين إلى هذا الحد…”
“يُقال إن الشباب هذه الأيام يفتقرون إلى الحماسة، لكننا نرى العكس هنا! ها ها ها!”
لم يقتصر الأمر على الشباب فحسب، بل حتى النبلاء المحافظين من متوسطي العمر وكبار السن كانوا متعاطفين جدًا مع الاثنين.
أمالت ريبيكا رأسها في حيرة.
كان هناك تفسير وحيد لهذا التعاطف غير المبرر على الإطلاق.
‘…لا أعتقد أن هناك تفسيرًا سوى هذا.’
كانت تعلم جيدًا أن قدرة آيريس عظيمة.
وكانت تعلم أيضًا أن سبب رسمها لتلك اللوحات حتى ساعات الفجر الأولى، هو كسب ود الناس.
فـآيريس لم تكن تخفي عنها شيئًا في العادة.
ولهذا، حينما كانت تسألها عن لوحاتها، كانت تشرح لها بإخلاص وتفانٍ.
‘لكن، لم أكن أتوقع أن يكون تأثيرها بهذا الحجم الهائل…’
لحظتها، سرت قشعريرة في جسدها.
ماذا لو استخدمت آيريس قدرتها ليس فقط لكسب الود، بل لهدفٍ آخر؟
‘عندها… ستحدث كارثة.’
صلت ريبيكا في نفسها.
رجت بصدق أن تبقى نقاوة قلب أختها آيريس إلى الأبد.
***
“يا صاحبة السمو الإمبراطوري إيفانجلين، كم لا بد أنكِ عانيتِ خلال هذه الفترة.”
حدقت إيفانجلين في المرأة التي أمامها بتحدٍ.
لم تكن تعرفها.
سيدة نبيلة في منتصف العمر، تبدو في نفس عمر هيلين روبين تقريبًا، لكن مكانتها الاجتماعية تبدو رفيعة بلا شك.
أصلًا، إيفانجلين لم تكن تختلط بالنبلاء العاديين لأنها كانت أميرةً منبوذة، لذا حتى لو كانوا من كبار النبلاء، فهي لا تستطيع تمييزهم.
“هذا كله بسبب تقصيري أنا.”
“…من أنتِ؟”
“آسفة، لم أكن قد قدمت نفسي بعد.”
جلست المرأة على ركبة واحدة، وانحنت بكل أدب واحترام.
“اسمي (موريا سكين).”
انتظرت إيفانجلين أن تتبع اسمها بلقبها النبيل، لكن موريا لم تنبس ببنت شفة.
“…هذا فقط؟ موريا سكين؟”
“نعم.”
“عامية؟”
“نعم. لكن والدتي -رحمها الله- حملت بأحد الأمراء الإمبراطوريين لفترة وجيزة.”
“…!”
اتسعت عينا إيفانجلين.
يعني هذا… أن هذه المرأة التي تدعى موريا تبدو ذات أصلٍ مشابهٍ جدًا لأصل إيفانجلين نفسه.
فمعنى كلامها أنها ليست أميرة إمبراطورية بحد ذاتها، لكن أخاها -سواءً كان أكبر أو أصغر- كان أميرًا إمبراطوريًا.
“أحد أبناء جلالة الإمبراطور الراحل…؟”
“نعم.”
ارسمت موريا ابتسامةً مريرةً على محياها.
“لكنه توفي قبل أن يبلغ سن الرشد.”
“آه… هذا مؤسف.”
سارعت إيفانجلين إلى استعادة هدوئها.
كانت أساليب الإمبراطور واضحة جلية.
يريدها أن تفتح قلبها لهذه المرأة، فتعلق بها وتتبعها وكأنها أمها تمامًا.
‘ثم، كيف لي أن أصدق هذه القصة؟’
مثل هذه الحكايات، تستطيع إيفانجلين نفسها اختلاقها بسهولة.
“المهم، إذاً ما صلتكِ بي بالضبط؟ هل ستكونين مربيتي أم ماذا؟”
خفضت موريا رأسها بأدب.
لم تبدُ عليها أي علامات ارتباك أو انزعاج، رغم أن إيفانجلين كانت تظهر كراهيتها لها بكل وضوح.
بل على العكس، بدأت تجيب بهدوء، وكأنها كانت تتوقع هذا الرفض تمامًا.
“أنا وصيفةٌ خصصها جلالة الإمبراطور بنفسه لخدمتكِ، يا صاحبة السمو. هذا الأمر كان مقررًا منذ أن عدتِ إلى القصر الإمبراطوري… لكنني كنتُ أعاني من مرضٍ عضال مؤخرًا، ولهذا لم أستطع الحضور إلا الآن.”
“…”
وصيفة.
بل وصيفةٌ أرسلها الإمبراطور نفسه.
لم تكن إيفانجلين تجهل الهوية الحقيقية لهذه المرأة.
بل، لم يكن بإمكانها أن تجهلها.
‘إنها جاسوسة.’
سترعى إيفانجلين وتدللها حتى تكسب قلبها، ثم تعرف ما تكنه في سريرتها، وتنقل كل شيء للإمبراطور.
وبعد ذلك، سيحاول الإمبراطور التلاعب بها.
حدقت إيفانجلين في موريا بطرف عينها الحاد.
تمنت لو تستطيع التخلص من هذه المرأة بأي طريقة.
“حسنًا، وأين كنتِ طوال هذه الفترة الماضية وماذا كنتِ تفعلين حتى تظهري الآن؟ عندما كنتُ مختطفة، أين كنتِ أنتِ وماذا كنتِ…!”
“أنا آسفة.”
خفضت موريا رأسها مجددًا.
كان من الواضح جليًا أنها اعتادت على الاعتذار بتذلل، مما زادها كراهية في عيني إيفانجلين.
“…أنتِ لا تعجبينني. أريد وصيفةً أخرى. من الأساس، كيف لعامية لا تحمل لقبًا نبيلًا أن تكون وصيفةً، وليست مجرد خادمة؟ منذ متى والعامة من أمثالكِ يصبحن وصيفاتٍ لأميرة مثلي؟”
“إيفانجلين.”
نطق الإمبراطور باسمها بصوتٍ صارمٍ حازم، فارتعدت إيفانجلين.
كان هذا هو السبب الوحيد الذي جعله يبقى طوال هذا الوقت، في موقفٍ كان من الطبيعي أن يغادر فيه بمجرد ترتيب مسألة وصيفة كهذه.
إنه ينتظر اللحظة المناسبة ليردعها بسلطته إذا رفضت.
“أتجرئين على رفض وصيفةٍ أنا من عينتها لكِ؟”
حينها.
ومض في ذهن إيفانجلين فجأة فكرةٌ ذكية.
ربما تفعل هذا.
“كيف لي أن أرفض وصيفةً عينها جلالتك لي؟ لكن بما أنها من عامة الشعب، أخشى أن تقصر في معرفة البروتوكولات والأعراف. لذا، أتوسل لجلالتك أن تخصص لي وصيفةً أخرى إلى جانبها.”
رمش الإمبراطور بعينيه في دهشة.
لأول مرة، حدق في إيفانجلين نظرةً مختلفة، وكأنها لم تعد مجرد طفلةٍ متذمرة، بل شخصيةٌ مستقلة لها رأيها.
التعليقات لهذا الفصل " 127"