“لا شيء.”
لوّحت هيلين بيدها نافية، لكن ريبيكا زادت هياجًا.
“ما هذا الكلام! لأي ناظر، الآن…”
“هههه.”
ضحكت هيلين بصوت مسموع.
منظرها الخالي تمامًا من الجدية زاد من صداع آيريس.
لم يكن الموقف جيدًا إطلاقًا.
“لم أفعل سوى ما اعتدت فعله.”
“……!”
اتسعت عينا ريبيكا، ثم جمُدتا في مكانهما.
حدّقت في أمها بنظرات حادة من خلال عينيها الضيقتين.
“ظننتكِ تخلّيتِ عن أعمال المرتزقة نهائيًا وفوق هذا، في العاصمة، بهذا الشكل…”
“لم تكن هناك حاجة لإخباركما.”
قالت هيلين بلطف.
“لكنني سأغيب عن المنزل لفترة من الوقت، لذا جئت لألقي عليكما التحية.”
ابتلعت آيريس ريقها.
لم يكن صعبًا عليها تخمين سبب غيابها عن المنزل.
‘إنها من أجل إيف.’
نظرت آيريس بخفة نحو ريبيكا.
كانت ريبيكا تعرف هوية إيف أيضًا، لذا حتى لو أخبرتا والدتهما بمهمة الوالدين، فلن تفاجأ كثيرًا.
المشكلة كانت في هيلين.
‘ماذا عساها ستقول؟’
هيلين التي تعتقد أساسًا أن آيريس في موقف خطير بسبب آرِن، لو عرفت بأمر إيف أيضًا…
‘مع ذلك، لا يمكنني ترك والديّ يعانيان هكذا.’
قد تتحدث هيلين وكأن الأمر لا يعنيهما، لكن من المؤكد أنها مرت بالعديد من المواقف التي كانت حياتها فيها على المحك خلال كل هذه الفترة.
ارتجفت آيريس.
لم تظن أبدًا أن أعمال المرتزقة ستكون سهلة.
لكنها لم تفكر ولو لمرة واحدة أنها أعمال تُلطخ فيها الأيدي بالدماء.
فالآبا روبين لم يشتكيا لأبنائهما يومًا.
كانت رسائلهما دائمًا مفعمة بالبهجة أينما كانا.
“… أمي.”
“همم، آيريس؟”
نظرت إليها هيلين روبين مباشرة.
بعيون ثاقبة كأنها تخترق الروح، انكمشت آيريس رغمًا عنها، لكنها فتحت فمها دون أن ترتعش.
“هل تبحثان عن شخص ما؟”
“…….”
ساد الصمت.
لوهلة، سُمع صوت شهيق ريبيكا الحاد، لكنها سرعان ما بدت وكأنها أدركت الموقف، فتصلبت ملامحها وراحت تراقب آيريس وهيلين.
“أجل.”
أخيرًا، أجابت هيلين بهدوء.
“ويبدو أنكِ تعرفين بالفعل من نبحث عنه، أليس كذلك؟”
“… نعم.”
اعترفت آيريس بطواعية.
“وأبي …”
“يبحث في الأقاليم.”
قالت هيلين بلطف.
“لذا إن كنتِ تعرفين مكان الحفيدة الإمبراطورية، فأخبريني. يجب أن أرسل رسالة في الحال.”
“… إنها في الطابق العلوي.”
“……!”
حتى هيلين بدت وكأنها لم تتوقع هذا الكلام إطلاقًا، إذ فوجئت كثيرًا ووضعت يدها على فمها.
“… آسفة. لم أعتقد أبدًا أنكما تؤديان مهمة…”
“لا داعي للاعتذار، يا آيريس.”
قاطعتها هيلين.
“أنتِ لستِ مخطئة إطلاقًا أليس آل دوق تيت يحتجزون الحفيدة الإمبراطورية قسرًا؟”
هزت آيريس رأسها.
“يمكنني القول إن العكس هو الصحيح هي هاربة بالأساس، ولا تريد العودة.”
“… هاه.”
زفرت هيلين تنهيدة.
“كما توقعت، كلام جلالته كان كله كذبًا لقد خمنت ذلك.”
ارسمت ابتسامة مرة على وجه آيريس.
كانت تستطيع تخمين ما قاله الإمبراطور جيدًا.
لا بد أنه تظاهر بأنه الجد المحب لحفيدته الوحيدة التي لا مثيل لها في العالم.
وبالتأكيد، استعطفهم وأثار تعاطفهم مدعيًا أن بعض الأوغاد ربما اختطفوا حفيدته.
كانت آيريس تعرف والديها جيدًا.
وقدما ثروة وشهرة، فحين يتقدمان لخدمة العائلة الإمبراطورية، لا بد أن هناك سببًا وجيهًا.
وذلك السبب، أكثر من كونه منصبًا أو لقبًا…
‘لا بد أن الخطف كان يدور في خلدهما.’
حادثة الخطف التي سببت صدمة رهيبة للعائلة.
“هل تريدين رؤيتها قبل أن تذهبي؟”
أصدرت هيلين صوتًا مكتومًا.
“أرغب في ذلك، لكن… لا يهم. عليّ واجب إبلاغ جلالته.”
“لقد سمعتِ كل شيء بالفعل.”
“لا.”
هزت هيلين رأسها.
“أنا أستطيع أن أقرر إن كان كلامك صحيحًا أم خطأ. والآن، أنتِ على ما يبدو… قد كذبتِ عليّ لمجرد مضايقة أمك العجوز. أليس كذلك؟”
لمعت عينا هيلين ببريق.
نهضت من مكانها بدون تكلف، ثم عانقت كلًا من ابنتيها بشدة.
فاحت منهما رائحة الدم، لكن لم تبتعد آيريس ولا ريبيكا عن العناق.
لأنهن عائلة.
“حسنًا، سأعود الآن.”
“أ- أمي.”
أسرعت آيريس وأمسكت بهيلين.
لم تكن تعرف متى ستسنح لها فرصة أخرى إن لم تتحدث الآن.
“هناك شيء لم أستطع إخباركما به طوال الفترة الماضية…”
ارسمت على وجه ريبيكا ابتسامة كأنها تقول إنها مستمتعة حتى الموت.
أدارت وجهها وتراجعت خطوة إلى الخلف، متحولة إلى متفرجة واضحة.
“ما الأمر، آيريس؟”
سألت هيلين بوجه قلق.
“إن كان هناك أي شيء يمكننا مساعدتك به…”
ابتلعت آيريس ريقها.
“أنا… أخطط للزواج من أليكسيون في الربيع.”
رمشت هيلين مرة.
ثم مرتين.
ثم ثلاث مرات.
انتظرت آيريس رد هيلين بوجه قلق.
ظنت أنها ستفرح من دون تفكير، لكن رد فعلها جعلها تدرك أنها كانت مخطئة.
“… ماذا؟”
أخيرًا، كان رد هيلين الوحيد الذي استطاعت البوح به هو سؤال مستغرب.
“قررنا… الزواج في الربيع ونخطط للنزول إلى الإقطاعية سأخذ الأطفال معي…”
لم يكن هناك حاجة لشرح من هم “الأطفال”.
المشكلة كانت أن تعبيرات هيلين ازدادت خطورة.
“هل تريدين الزواج من دوق تيت بسبب الأطفال؟”
هزت آيريس جسدها كله نافية بشدة.
“كيف يخطر لك هذا! أنا وأليكسيون، كلانا…”
“كلانا ماذا؟ تحبان بعضكما؟”
“أجل.”
ابتلعت آيريس ريقها.
لو كانت تعلم أن الأمر سيصل إلى هذا، لتمنت لو أنها انتظرت قليلاً حتى يكون والدها معها لتخبرهما معًا.
توماس كان أكثر لطفًا، لكان قلق عليها وفي نفس الوقت هنأها بصدق.
“آسفة لأني لم أخبركما مسبقًا. لكن الأمور تطورت بسرعة أكبر مما توقعت…”
تجنبت آيريس قول ‘لم تكونا في العاصمة’.
لم ترد أن يبدو كلامها وكأنها تلوم والديها اللذين كانا يجتهدان في عملهما.
“… قولي لي بصراحة، ريبيكا.”
فجأة، أُلقي عليها الحمم، فأدارت ريبيكا رأسها بسرعة.
تقدمت خطوة نحو آيريس ووقفت بجانبها تمامًا، وكأنها تحمي أختها الصغرى.
“ما رأيكِ؟”
“كدت أموت من الضيق. من أول يوم جئت فيه، كان بينهما شرر متطاير. لا تقلقي، يا أمي. قد لا أعرف عن آيريس، لكن على الأقل، دوق تيت يحب آيريس بجنون.”
“…….”
رغم تأكيد ريبيكا القاطع، بقي وجه هيلين متجمدًا باردًا.
طال الصمت، فعضت آيريس على شفتها بقلق.
‘آه، ألا يعجبها أليكسيون. لو عارضت… ماذا أفعل؟’
قد لا تكون آيريس ابنة مطيعة تمامًا، لكنها لا تريد الزواج إذا كان سيجعل والديها حزينين.
لكن من ناحية أخرى، كانت مشاعرها الناشئة تجاه أليكسيون أكبر من أن تتخلى عنه.
لدرجة أنها كانت على يقين بأنها لن تستطيع أن تشعر بمثلها تجاه أي شخص آخر أبدًا.
بينما كانت آيريس تجهد عقلها باحثة عن كلمات تقنع بها هيلين.
أخيرًا، فتحت هيلين فمها.
“آه، آيريس.”
قالت هيلين بصوت مختنق.
“ابنتي… لقد كبرتِ حقًا. كنتُ آمل… بعد أن نستعيد اللقب، أن نعيش معًا كما في السابق… لكن يبدو أنكِ كبرتِ أكثر من أن يتحقق ذلك.”
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 120"