ارتعش جسد آيريس ارتعاشة خفيفة.
الإمبراطور، ووالداها..!
مزيجٌ لم يكن بإمكانه أن يخطر ببالها على الإطلاق.
تابع أليكسيون كلامه وكأنه يهدئ من روعها:
“لا يبدو أنكِ بحاجةٍ لكل هذه القلق. فهما شخصان فائقا القدرة..”
“أتعلمُ كيف هو جلالته، فكيف لا أقلق؟”
أدركت آيريس أنها تردّ بحدة، لكنها لم تستطع كبح جماح نفسها.
“ماذا لو حدث مكروه لهما..؟”
“لن يصيبهما مكروه.”
دلك أليكسيون صدغيه، وبدت على محياه علامات الحيرة.
“لستُ متأكدًا تمامًا، لكني أعتقد أنهما يبحثان عن إيف.”
“…ماذا؟”
اتسعت عينا آيريس.
لطالما ظنّت أن المهمة خطيرةٌ فقط، لكن إن كانا يبحثان عن إيف، فالأمر مختلف تمامًا.
فإيف لم تكن في مكانٍ خطِر، بل في قصر دوق تيت.
“إذاً، هما يكدان أنفسهما عبثًا، وكل ذلك بسببنا.”
“…”
ابتلعت آيريس ريقها.
لم يكن شعورها جميلاً وهي تعلم أن والديها يكدان نفسيهما سدى، لكنه كان أفضل من أن يكونا مكلفين بمهمة خطيرة.
“على أي حال، لا بد أن أقابلهما.”
“هل تظنين ذلك؟”
هز أليكسيون كتفيه.
“لو كنتُ مكانكِ، لما فعلت. إما أن تكذبي أنتِ، أو سيكذبان هما سينتهي بنا المطاف إلى أحد الأمرين.”
“آه…”
أنّت آيريس.
لقد أصاب، فعند التفكير في الأمر..
كارفيان كان قادرًا على الكذب بكل سهولة، لكن والديها مختلفان. خاصة والدها.
أمام إمبراطور ماكر كالثعبان، لن يكون من المستغرب أن يبوح بكل الحقيقة.
“إذاً، هل علينا فقط أن نراقب من بعيد ونصمت؟”
“ليس ذلك بسيئ.”
غاص أليكسيون في تفكيره.
“لكن… قد تكون هذه فرصة جيدة لعودة إيف.”
“مستحيل!”
أجابته آيريس بحدة.
“إيف، والمعاملة التي تلقتها هناك..”
“أعرف ذلك.”
أجاب أليكسيون بهدوء.
“ولهذا السبب بالتحديد لم نُعدها حتى الآن، رغم تحملنا لخسارة عائلة دوق تيت بأكملها.”
“…”
“لكن، آيريس. لا يمكن لإيف أن تبقى هنا إلى الأبد.”
أدارت آيريس وجهها.
لم تستطع مواجهة عينيه مباشرة.
بشكل أدق، لم تكن تريد مواجهة الحقيقة.
“…أردتُ فقط أن تبقى معنا لفترة أطول قليلاً.”
“أتفهم ذلك.”
أجاب أليكسيون بلطف.
لمست يده ذقن آيريس برفق وأدار وجهها نحوه مجددًا.
“فأنا أيضًا أشعر بنفس الشعور لكن… عندما تأتي الفرصة، يجب اغتنامها.”
“…”
“لكنني لن أترككما تعيشان كما في الماضي.”
“كيف؟”
ارتفعت زاوية فم أليكسيون مبتسمًا.
“هناك طريقة لأن تصبح عائلة دوق تيت أوصياء على حفيدة الإمبراطور.”
“لا يمكن..”
“على أي حال، ترتبط العائلتان الإمبراطورية ودوق تيت بصلة قرابة. من سيعترض إن أردت رعاية فتاة قريبتي من بعيد؟”
حدّقت به آيريس بذهول.
لم تكن مجرد مزحة، ولا كلمة تتفلت في لحظة غضب.
كان جادًا حقًا في رغبته بدعم حفيدة الإمبراطور، تلك الفتاة التي انقطعت بها السبل وأصبحت مجرد مطية للاستغلال.
“وعلاوة على ذلك، سيتمكن والديكِ من الحصول على اللقب النبيل.”
أضاف أليكسيون باختصار.
“يبدو أن هذا هو هدفهما الأساسي على أي حال.”
“…أليكسيون.”
لم تقاوم آيريس رغبتها في احتضانه بشدة.
بدا أليكسيون متفاجئًا في البداية، لكنه سرعان ما استقبلها بين ذراعيه.
غرست رأسها في صدره العريض القوي وهمست:
“كيف لي أن أعيش من دونك؟”
“…يا للصدف.”
أجاب أليكسيون بهدوء.
“كنت على وشك أن أقول لكِ العبارة نفسها.”
***
‘يبدو أن هذه أيضًا كانت خاوية.’
تفحصت هيلين روبين المكان بنظرة ثاقبة.
لقد فتشت وصفّت كل منظمات الجريمة في العاصمة التي يُحتمل أن تكون قد اختطفت حفيدة الإمبراطور لكن لم يكن هناك أي أثر لها.
‘لا يبقى… إلا السحر.’
تذكرت كلمات كارفيان سول، رئيس برج السحر، التي كانت موحية: إنها في مكان لا يستطيع هو نفسه العثور عليه بقدراته..
‘من المستبعد أن تكون قد غادرت البلاد.’
لو كانت فتاة عادية لربما كان الأمر مختلفًا، لكنها حفيدة الإمبراطور.
حتى من أجل البقاء على قيد الحياة، لكانت كشفت عن هويتها.
لكن أن تختفي بهذا الشكل المحكم دون أي أثر..،
‘إنه يذكرني تمامًا… بتلك الأيام.’
أيام اختطاف آيريس.
على عكس التوقعات بأن الخاطفين سيطلبون فدية بعد اختطاف أطفال النبلاء، اختفت آيريس في ذلك الوقت بلا أثر، كما لو أن الأرض ابتلعتها.
تمامًا كما يحدث الآن مع حفيدة الإمبراطور.
‘لا يمكن أن تكون نفس المنظمة.’
فقد مضى وقت طويل جدًا.
وكانت القضية مرتبطة بدوق تيت الحالي أيضًا، فلا شك أن عائلة الدوق تعاملت مع الأمر حينها وأغلقت الملف.
‘لكن، إذا كانت الطريقة مماثلة..’
لعل أسرع حل هو سؤال دوق تيت بنفسه.
لكن هيلين سرعان ما محت الفكرة من رأسها.
تمامًا كما شكلت الحادثة صدمة كبيرة لآيريس، فلا شك أنها ذكرى لا يحب الدوق تذكرها أيضًا.
الأهم من ذلك، كان الدوق صغيرًا جدًا في ذلك الوقت.
ومن المرجح جدًا ألا يتذكر التفاصيل بدقة.
‘لا مفر إذاً.’
فحصت هيلين قائمة الأماكن المتبقية.
الآن، سيتوجب عليها النزول إلى الأقاليم البعيدة عن العاصمة.
لا شك أن توماس قد انطلق بالفعل لمراقبة تحركاتهم هناك.
‘سأحتاج لشهر كامل على الأقل لتفقد كل هذه الأماكن هل أذهب لأودع الفتاتين قبل أن أغادر؟’
مهما كبرت ابنتاها، ستظلان بالنسبة لهيلين مجرد ‘طفلتين’. خاصة آيريس.
ربما بسبب الفراق بينهما وهي لا تزال صغيرة جدًا، كانت آيريس في نظر هيلين لا تزال فتاة صغيرة لم تدخل المجتمع الراقي بعد.
‘يبدو أنها لا تخرج كثيرًا على أي حال.. لذا إن ذهبت الآن، سأتمكن من رؤيتها.’
ارتدت هيلين ملابس نظيفة، فلم يكن من الجائز أن تظهر أمام بناتها بملابس ملطخة بالدماء.
***
إيف وآرِن، ربما بسبب لعبهما ومطاردتهما لبعضهما طوال اليوم، دخلا إلى فراشهما في وقت أبكر من المعتاد.
بينما كانت آيريس تربت على الطفلين لتنويمهما، رفعت رأسها عند سماع صوت فتح الباب.
دخلت ميريام بوجهٍ يبدو عليه بعض الارتباك لتنقل الخبر:
“آيريس، لقد وصلت السيدة روبين… ماذا تفعلين؟”
قفزت آيريس من مكانها وكأنها وُضعت على زنبرك.
والداها اللذان لم يردّا على أي من رسائلها طوال هذه المدة، والآن تأتي والدتها وحدها إلى قصر الدوق؟!
لا بد أن شيئًا كبيرًا قد حدث.
طلبت آيريس من ميريام أن ترشد والدتها إلى غرفة الاستقبال، ثم ارتدت ملابسها الخارجية على عجل.
كانت مستعدة للخروج إذا اقتضت الضرورة.
وبعد ذلك بلحظات..
ما إن وصلت آيريس إلى غرفة الاستقبال حتى صعقت.
فحال هيلين لم تكن على ما يرام إطلاقًا، حتى من النظرة الأولى.
كانت عيناها محتقنتين بالدماء بشكل لافت، وتحت أظافرها علامات حمراء تشبه الدماء.
ملابسها أيضًا كانت مجعدة بشكل سيئ، مما يوحي بأنها غيرتها على عجل وفي حالة استعجال شديد.
لو لم تكن آيريس قد سمعت من أليكسيون أن هيلين تعمل بأمر من الإمبراطور، لظنت أنها ربما ارتكبت جريمة ما وجاءت هاربة.
“آيريس.”
ابتسمت هيلين.
بدت مرتاحة البال جدًا، على عكس أفكار آيريس المتشابكة.
“أين ريبيكا؟”
“أوه، إنها قادمة.”
فجأة، تذكرت آيريس شيئًا.
ريبيكا لم تسمع شيئًا من أليكسيون، لذا فهي لا تعلم شيئًا عن ظروف والديهما الحالية.
بمعنى آخر، بمجرد أن ترى الأخت الكبرى والدتها على هذه الحال، فإن أول ما ستتفوه به سيكون..
“أماه، أي جريمة اقترفتِ؟”
… لم يكن مختلفًا عما توقعته آيريس إطلاقًا.
يتبع في الفصل القادم…
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 119"