“. . . . . .”
أمالت ريبيكا نظرها بعيدًا.
رغم أنها عادةً لا تُظهر الدهشة، إلا أن وجنتيها بدأتا تشتعلان حرارة.
“ألا… لا تمزح.”
“و من قال إني أمزح.”
نهض روب من مقعده.
عندها فقط أدركت ريبيكا أن روب قد كبر ليصبح رجلاً مختلفًا تمامًا عن الفتى الذي في ذاكرتها.
تلك النظرة المرحة في عيني الفتى، التي بدت وكأنها خرجت لتوها من دفء الذكريات القديمة، كانت مجرد ومضة خاطفة.
لم يكبر في العمر فحسب، بل واجه من الأحداث ما يوازي ما واجهته هي، وه ها هو ذا شابٌّ يواجهها بعينيه.
“أنت لا تعلمين.”
“. . . . . .”
“لابد أنك لم تكوني تعلمين أبدًا، يا ريبيكا . . . .”
تزاحمت عشرات الأفكار في رأسها.
لقد خمنت ذلك من قبل، لكنها لم تكن تتوقع أن يبوح به هكذا بكل هذه الصراحة.
يقول إنه ضحى بنفسه من أجل حب طفولتها . . . أهو أبله؟
لكن ريبيكا لم تكره هذا الأبله.
لقد رأت الكثير من المناورين والمراوغين على مر السنين.
لذا، وربما للمرة الأولى في حياتها، كانت ريبيكا صريحة مع روب.
“أعلم.”
قالت وهي تنهض من مقعدها.
“لقد كنت أعلم.”
اهتزت عينا روب الخضراوان بشدة.
بالمقارنة مع كل ما مرّا به معًا، كانت هذه الكلمات أقلّ من لا شيء أمام عظمة قلبه هو.
لكن كما يُقال، البداية هي نصف النهاية.
صعدت ريبيكا إلى عربةٍ لا يمكن النزول منها حتى تبلغ نهاية الطريق، وكلاهما، روب وهي، كانا يدركان ذلك تمامًا.
***
حلّ الربيع.
ما إن بزغت البراعم حتى غطت الخضرة الأرض في لمح البصر، وأزهرت أزهار الربيع في كل مكان، متفاخرة بوجودها.
فتحت آايريس النافذة واستنشقت عبير الربيع بكل رضا.
‘أخيرًا، انتهى الشتاء.’
كان دخولها إلى قصر دوق تيت بصفتها مُربية التنين في الخريف.
لم يمضِ سوى موسمين فقط، لكن الكثير جدًا قد تغير.
من ذلك، على سبيل المثال . . . .
“ماما… ج، جرحت . . . .”
وجود هذا الصبي الصغير الذي لم يعد يشبه تنينًا بقدر ما يشبه إنسانًا، والذي يتبعها وكأنها أمه الحقيقية.
“أتبكي على مثل هذا الجرح الصغير؟ سيشفى بمجرد وضع لعاب عليه!”
حفيدة الإمبراطور الشجاعة التي أصبحت لا تفارق آرِن.
“همم. دعني أرَ. إنه ليس جرحًا عميقًا. هذه الأمور تحدث أحيانًا عند التعامل مع السكين.”
وحتى دوق تيت، الذي يقوم بدور “بابا” الرائع.
كانوا جميعًا غرباء لا يعرفونها من قبل، لكنهم أصبحوا الآن عائلة حقيقية لا تتجزأ.
ابتسمت آيريس بخفة واستدارت.
كما توقعت، كان آرِن يبكي متألمًا من جرح بسيط.
لقد أعطته مِقصاً صغيرًا خاصًا بالدوق لأنه أراد قص الورق وتشكيله بنفسه، لكن يده ما زالت غير ماهرة ويبدو أنه جرح نفسه.
“سأحضر الدواء والضمادة، أيها الشاب الصغير.”
عندما همّت ميريام بذلك، هزّت آيريس رأسها.
“لا داعي لذلك.”
لمست أطراف أصابعها جرح آرِن.
وما إن مرّت عليه حتى التئم الجرح واختفى على الفور.
سُمع صوت شهيق مكتوم من كل مكان.
بالطبع، كان آرِن أكثرهم دهشة.
“. . . !”
حدّق بها آرِن بعينيه الواسعتين.
منذ أن استعادت ذكريات الماضي بفضل كارفيان، ظلت تتدرب بجد، دون أن تخبر أحدًا.
وصل بها الأمر إلى أن تجرح ظهر يدها بنفسها.
“ألا يؤلمك الآن ؟”
“أ، أجل . . . .”
أومأ آرِن برأسه.
حدّق في وجهها للحظة، وكأنه يريد أن يقول شيئًا ما، ثم فتح فمه أخيرًا.
“ماما، هل ماما أيضًا تنين؟”
لم تستطع آيريس إلا أن تضحك من تعليق الطفل التنين الساذج.
وفي نفس الوقت، شعرت بالحزن قليلاً.
‘إنه يشعر بالوحدة.’
كان من الطبيعي أن يشعر بذلك.
لم يُظهر آرِن ذلك كثيرًا، لكنه كان بالتأكيد يدرك أنه مختلف عن الآخرين.
كان ذلك يعني أيضًا أن طفولته البريئة التي كان يستمتع فيها بكل شيء دون أن يدري، قد انتهت تمامًا.
“كلا، ماما ليست تنينًا. لكن ماما أيضًا شخصية مميزة مثل التنين.”
“. . . تنين، إنسان؟”
“هل تسأل إن كنت إنسانة تنين؟”
فتحت آيريس ذراعيها لآرِن.
فانطلق نحوها ودون تردد احتضنها.
“ليس تمامًا. لكن ماما ليست عادية، و آرِن أيضًا ليس عاديًا.”
“همم . . . .”
أومأ آرِن برأسه قليلاً.
“لذا، آرِن ليس وحيدًا.”
“بالطبع آرِن ليس وحيدًا!”
احتج آرِن فجأة وكأنه غاضب.
“آرِن لديه إيف أيضًا، وبابا أيضًا، وماما أيضًا!”
“الحمد لله أنك تعلم ذلك. خشيت أن لا تكون تعلم.”
“. . . تشي.”
نفخ آرِن خديه وأخرج شفتيه كالعابس.
شعرت آيريس بالارتياح.
على الأقل، بدا أن هموم آرِن ليست عميقة بقدر ما كانت تخشاه.
‘لكن إلى متى سيستمر هذا؟’
قد يمر الأمر الآن دون مشاكل.
لكن ماذا عن العام القادم؟ وماذا عن الذي يليه؟
“آرِن.”
همست بهدوء.
“مهما حدث . . . ومهما كانت الأفكار التي ستراودك في المستقبل، تذكر شيئًا واحدًا فقط.”
كان آرِن ذكيًا، وكان نادرًا ما ينسى ما تعلمه مرة واحدة.
لذا فهو بالتأكيد سيتذكر هذا أيضًا.
“نحن جميعًا نحبك. حتى لو كنت تنينًا عظيمًا وقويًا للغاية.”
“همم . . . !”
لمعت عينا آرِن بالأمل والحب.
“أحبك، ماما.”
“وأنا أيضًا.”
احتضنت آيريس آرِن بشدة.
اعترى أنفها رائحة خفيفة من رماد.
لم تكن رائحة جلد الأطفال المميزة، لكنها أصبحت منذ وقت ما رائحة تحبها آيريس كثيرًا.
“أحبك، آرِن.”
***
مع حلول الربيع، كان هناك أمر واحد غاب عن بال آيريس.
ألا وهو أن زفافها هو وأليكسيون أصبح قاب قوسين أو أدنى.
. . . رغم أن والديها لا يعلمان شيئًا على الإطلاق!
في الحقيقة، لم يكن خطأ آيريس وحدها. لقد حاولت زيارتهما عدة مرات، لكنها كانت تخفق في كل مرة.
كان والداها دائمًا يغيبان عن المنزل ويذهبان إلى مكان ما.
دون حتى إخبار ابنتيهما.
‘. . . بالتأكيد، الأمر له علاقة باللقب.’
لم تحاول آيريس التحقيق في الأمر.
فقد كانت مشغولة بما فيه الكفاية برعاية آرِن وإيف.
لكن مع بلوغ الأمر هذا الحد، شعرت بأنها إن لم تخبرهما بأسرع وقت فستحدث كارثة.
لذا كتبت لهما رسالة.
[. . . لذا، هذه مسألة غاية في الأهمية.
يمكنني أنا المجيء إلى المنزل، أو يمكنكما المجيء أنتما، المهم أن نلتقي حتمًا.
كلما كان ذلك أسرع كان أفضل.]
لم يصلها أي رد.
عندما سألت ريبيكا، قالت إنها هي الأخرى لم تتمكن من الاتصال بهما منذ مدة.
بدت ريبيكا غير مكترثة بالأمر، على أية حال.
‘آيريس، لطالما كان والدنا هكذا. لا بد أنهما مسافران إلى مكان ما هذه المرة أيضًا.’
‘دون حتى إخبارنا أين يذهبان؟’
‘لا بد أن لديهما سببًا لذلك.’
بطبيعة الحال، لم تستطع آيريس الموافقة على رأي ريبيكا قط، وتشاورت مع أليكسيون بهذا الشأن.
“. . . أنا قلقة.”
عضت آيريس على شفتها.
لم يعد الأمر متعلقًا بحفل الزفاف أو الإذن به . . . لم تعد هذه الأمور مهمة الآن.
ماذا لو حدث مكروه لوالديها بينما كان انشغالها منصبًا على أمور أخرى؟
لن تسامح آيريس نفسها أبدًا على ذلك.
“سأتحقق من الأمر.”
وعدها أليكسيون، لكن ذلك لم يكن كافيًا لتهدئة مخاوفها.
“تحرَّ بسرعة من فضلك. قد يكونان قد اختفيا.”
ومضى أسبوع على ذلك.
عاد أليكسيون إليها بتعبيرات معقدة وأخبرها بما توصل إليه.
“يبدو أنهما تلقيا أمرًا من جلالة الإمبراطور … ويقومان حاليًا بتنفيذ مهمة.”
يتبع في الفصل القادم …
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 118"