لم يختلف ردُّ أليكسيون كثيرًا عن ردِّ أيريس عندما بلغه الخبر.
“…ولكن، أعتقد أنه فهمَ تفسيري إلى حدّ ما.”
“آرِن لا يزال صغيرًا جدًا.”
مسح أليكسيون على وجهه بيده مُنهِكًا.
“أنا آسفٌ للغاية… لكن لا سبيل أمامنا سوى منعه من الخروج بمفرده تمامًا، على الأقل في الوقت الحالي.”
انكمشت آيريس لا إراديًّا.
أصبح بمقدور آرِن الآن أن يبسط جناحيه متى شاء، ويستطيع الخروج وحده إن أراد ذلك حقًا.
‘صحيحٌ أنه ما زال لا يرغب في الخروج كثيرًا بسبب البرد، ولكن بمجرد أن يتحسّن الطقس قليلًا، سيرغب بلا شك في الخروج.’
وعندها، سيتعيّن عليها حقًا أن تبقَ مُلازِمةً له طوال الوقت. كما كانت تفعل في السابق.
“لا توجد أيّ أخبار من القصر الإمبراطوري حتى الآن، أليس كذلك؟”
“لحسن الحظ، يبدو أن كارفيان استطاع صرف انتباههم وتغطية الأمر ببراعة لو كان لديهم أيّ شك، لظهرت منهم تحرّكاتٌ بحلول الآن.”
أومأت آيريس برأسها موافقة.
“ففي النهاية… كارفيان ليس من النوع الذي يخون ثقتنا في مثل هذا الأمر.”
قطّب أليكسيون جبينه.
“من وجهة نظري، إنه قادر تمامًا على ذلك. لكنّ الأمر مختلف معكِ، أيريس. ربما يريد فقط أن يبدو صادقًا في عينيكِ.”
“…لن أنكر ذلك. لكنّك تعلم، أليكسيون، أنه ليس لديّ سواك، أليس كذلك؟”
قهقه أليكسيون بسخرية.
“ومتى كان بمقدور ذلك الشقيّ أن ينافسني؟”
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي آيريس.
حقًا، كان أليكسيون على صواب تام.
صحيح أن كارفيان كان لا يزال يحتل ركنًا ما في قلبها، لكنّ مشاعرها تجاهه لم تكن تتجاوز حدود الشفقة، لا أكثر ولا أقل.
لم تستطع محوه تمامًا من ذاكرتها، لكنّ مكانته تختلف تمام الاختلاف عن مكانة أليكسيون.
“لكن لا يمكننا الاستمرار في إخفاء الأطفال إلى الأبد.”
“أشاركك الرأي… ولكن ليس لدينا حلٌّ آخر حاليًا.”
زفر أليكسيون زفيرًا طويلًا.
“أجل، هذه هي المشكلة عينها.”
كان الإمبراطور رجلًا عنيدًا.
لن يأتي يومٌ يُظهر فيه الرحمة أو اللين تجاه من حوله.
فالرحمة، في النهاية، رفاهية لا يمكن لمن يجلس على العرش أن يرفّه بها نفسه.
“ثمة حلّ آخر، وهو إرسالهم إلى الخارج.”
“…”
عضّت أيريس على شفتها.
مجرد التفكير في الابتعاد عن آرِن كان أمرًا بغيضًا.
“آرِن بحاجة إلينا.”
“يمكننا الذهاب جميعًا إذاً.”
“ماذا؟”
رفعت أيريس رأسها محدّقة في أليكسيون.
لم يكن وجهه يبدو وكأنه يمزح إطلاقًا.
بل على العكس، كان جادًا للغاية، يُحدّق فيها بعينين عميقتين.
“سنتزوج. وعادةً، بعد الزواج، ينزل النبلاء إلى أقاليمهم لتفقّد أحوالها. سنقول إننا سنقوم بجولة في الإقليم، ثم نعبر الحدود بحجة السفر والاستجمام. لن يشكّ أحد في الأمر.”
جفّ حلقه.
لقد أتى أليكسيون على ذكر “الزواج” بكل بساطة، وكأنه أمر عادي.
هل كان يدرك حقًا ما يعنيه هذا الكلمة بالنسبة لها؟
‘لا، لا يدرك. لهذا يستطيع أن يقولها بتلك اللامبالاة.’
تنهدت أيريس باستسلام، وحاولت أن تبدو هادئة، وقهقهت بسخرية مكتومة.
“كلامك غير منطقي، أليكسيون. وحتى لو فعلنا ذلك، فسيستمر بضعة أشهر على الأكثر في النهاية، سيتعيّن علينا العودة إلى العاصمة.”
“وماذا في ذلك؟”
شبك أليكسيون ذراعيه.
“لماذا يجب أن نستمر في العيش في العاصمة أصلًا؟ فقط لنكون بمثابة كلابٍ مدلّلة لجلالته؟ أنا شخصيًا أفضل العيش بحرية.”
“……!”
فغرت أيريس فاها من تلقاء نفسها.
لم يكن أليكسيون يمزح هذه المرّة، ولا يتفوه بكلام عشوائي لمجرد أنه في مزاج سيئ.
بل كان يبوح بخطةٍ طالما راودته منذ زمنٍ بعيد.
“أليس هناك الكثير من النبلاء الذين لا يترددون إلى العاصمة إلا نادرًا؟”
“لكن، النبلاء كبار المقام… من ذا الذي يفوقك مقامًا؟”
كان كلامه مُفعمًا بالغرور، لكنه كان صحيحًا أيضًا.
“أيريس.”
أمسك أليكسيون بذراعها ببطء شديد.
“هيا بنا. سنكون سعداء هناك. هناك… لن تضطري للقلق بشأن أي شيء.”
“أيّ… أيّ قلق تقصد؟”
“أظنك تعرفين، المجتمع الراقي وصخبه.”
وضعت أيريس يدها على فمها.
لولا ذلك، لكانت تفوّهت بكلامٍ أحمق.
كان أليكسيون يعرف تمامًا كلّ مخاوفها الصغيرة والتفاصيل المملة التي تقضّ مضجعها.
“لماذا تقلقين بشأن تفاهات كهذه؟ هناك، في الإقليم، كلمتكِ هي القانون بالطبع، سيكون عليكِ القيام بواجباتكِ كسيدة للإقليم، وهذا يعني الكثير من المتاعب…”.
“هذا، هذا لا يهمّ إطلاقًا.”
انحنى أليكسيون نحوها وطبع قبلة على جبينها.
“توقعتُ أن تقولي ذلك، أيريس.”
كاد قلبها أن ينفجر من الفرح.
الزواج… الإقليم…
ستتمكن من الابتعاد عن الإمبراطور، وعن كارفيان، وعن كلّ المتاعب الأخرى، لتنطلق معه إلى فردوسهما الخاص.
“أظن أننا سننتظر التحاق أختكِ بالأكاديمية أولًا. سيكون من الجيد أن نجعل موعد الزفاف متزامنًا مع ذلك.”
أذهلها الكلام.
هل ستسير الأمور بهذه السرعة؟
حدّقت فيه شاردة.
‘هذا الرجل… لم يفكر للحظة أنني قد أرفضه.’
ولهذا يتحدث وكأن كل شيء مُخطط له مسبقًا.
…وكانت توقعاتها هذه في غير محلها تمامًا.
كان أليكسيون يحدّق في وجه أيريس بتركيز شديد منذ لحظات.
كان قلبه يدقّ بعنف، وكأنه سيحطّم أضلاعه ويقفز خارجًا.
ماذا لو رفضت؟ ماذا لو قال لها كلمة ‘زواج’، فردّت قائلة ‘منذ متى ونحن على هذه العلاقة؟’.
ماذا لو كانت لا تريد مغادرة العاصمة…؟
لكن لحسن الحظ، بدت كل هذه المخاوف في غير محلها.
على الأقل، لم تعترض أيريس أو تبدِ أيّ انزعاج من أيّ من خططه التي طرحها بكلّ ثقة.
بل على العكس، كان هذا تحديدًا ما جعل قلبه يكاد ينفجر.
لأن ذلك يعني أن أيريس روبين ستصبح ملكًا له عن قريب.
“…أليكسيون.”
وعندما نادته أيريس بصوتٍ يملؤه الامتنان.
أدرك أليكسيون حينها.
آه، سأبقى أسيرًا لهذه المرأة طوال حياتي.
إنّ علاقتي بها… ليست سوى قيدٍ من حديد يربطنا معًا.
أمسك يدها بحذر، وأخرج من جيبه علبةً مخملية صغيرة.
“أتمنى أن تنال إعجابك.”
بدا جسد أيريس وكأنه قد تصلّب.
لم تتحرك قيد أنملة، واكتفت بتدوير عينيها تتأملان العلبة وهي تُفتح، والخاتم وهو يظهر.
أمسك أليكسيون بيدها برفق، وألبسها الخاتم في إصبعها البنصر.
كان خاتمًا مرصعًا بحجر ياقوت أزرق (سافير) يشبه عينيها تمامًا، وتحيط به طبقات متعددة من الألماس اللامع.
“أليكسيون… وأنت؟”
رفع أليكسيون يده اليسرى مبتسمًا بسخرية.
كان في بنصره خاتمٌ بسيط من الفضة، ذلك الذي صنعته له أيريس قديمًا، وقد تلاشت قوته الآن تمامًا.
“أنا، يكفيني هذا وقيمته أكبر من ذلك الخاتم بكثير.”
التعليقات لهذا الفصل " 116"