****
“آري……”
ناداها كارفيان بصوت خَاوٍ من القوة، وهو في تلك الحجرة الفارغة.
ارتفع صوته قليلاً، لكن لم يكن هناك من يسمعه، فلم يأتِ أي رد.
“آري، آري.”
ظل يُردد اسمها مرارًا وتكرارًا.
لم يكن فعل ذلك بسبب أي سحر.
بل فقط، لأنه شعر أنه إن لم ينادها، فسيُصاب بالجنون.
وأنه إن لم يسترجع ذكرى الشخص الذي كان أمله الوحيد منذ طفولته، فسيَهلَك.
لم يخطر بباله قط أن يتخلى عن آيريس روبين.
فذلك كان بمثابة تخليه عن نفسه.
كل ما أنجزه حتى الآن، وكل ما فعله، كان فقط من أجل الظفر بآيريس.
لكن..
‘الآن، هي في قبضة الدوق.’
كان ذهاب آيريس إلى الدوق نتيجة حتمية إلى حد كبير.
من الطبيعي أن تختار آيريس الدوق، بدلاً من يتيم لا يُذكر مثله، باستثناء كونه سيد البرج، أليس كذلك؟
لم يلُمْ كارفيان آيريس بسبب هذا.
كل ما كان يعتقده هو أنه إذا أظهر لها مشاعره الصادقة باستمرار، فسيولد لديه أمل في الوصول إليها.
‘الإجبار لن يُجدي.’
لقد عرف هذه الحقيقة منذ زمن.
فمنذ أن كانت آيريس طفلة صغيرة جداً، كانت دائمًا تنهض مجددًا مهما أخافها وهددها.
لذا، كان على كارفيان أن يكسب قلب آيريس ببطء وحذر.
‘لا بأس بمشاركته يكفيني أن أحتل جزءاً صغيراً فقط من قلبها.’
لن يستخدم السحر بعد الآن.
سيقترب منها فقط بصدق خالص.
بعد أن فكر في ذلك، نهض كارفيان من مكانه.
قد حان وقت لقاء الإمبراطور.
***
“من هذا الذي أراه؟”
كان صوت الإمبراطور يقطر سخرية واضحة.
“ظننتك قد توقفت عن العمل تماماً كيف تجرؤ على عصيان أمري أيضاً؟”
“كنت في ذلك الوقت فاقداً لوعيي قليلاً.”
أجاب كارفيان بلطف.
“لقد كنت أركض كل هذه المدة، وكان وقتاً أحتاج فيه للراحة فحسب.”
“هل استرتحت بما فيه الكفاية؟”
“أجل.”
أومأ كارفيان برأسه.
كان الإمبراطور لا يزال عابساً، لكنه لم يستطع إخفاء لمحة الارتياح على محياه.
“تعال إلى هنا، كارفيان.”
اقترب كارفيان من الإمبراطور.
“ماذا تريد؟”
سأله الإمبراطور وهو يرفع رأسه إليه بشكل مائل.
ابتسم كارفيان بسخرية في داخله.
نعم، علاقته بالإمبراطور كانت تشبه علاقة التمساح بطائر التمساح.
كل منهما لديه ما يريده من الآخر، لذلك لا ينقر طائر التمساح عيني التمساح، ولا يلتهم التمساح طائر التمساح.
علاقة تكافلية لا تشوبها ذرة حب أو ثقة.
كانت تلك هي العلاقة بينه وبين الإمبراطور.
“لا أريد شيئًا.”
“حقًا؟”
شهق الإمبراطور مستنكراً.
“إذاً، أنا أيضاً لا أريد منك شيئًا.”
“…!”
كان كارفيان مندهشاً حقاً.
كان من الصعب تصديق أن الإمبراطور سيتخلى عن فرصة طلب شيء منه دون دفع أي ثمن.
“كارفيان، لا أعلم أي فخ تنصبه لي، لكنني لست غبياً لأقع فيه بسهولة.”
“لا وجود لأي فخ.”
قال كارفيان بصمت.
“لكن…؟”
“لكن ماذا؟”
“تذكرتُ فقط كم هو جميل المعروف الذي أُسدي إليّ طوال الوقت، وشعرتُ أنه يجب عليّ ردّه.”
“همم.”
بدا الإمبراطور غارقاً في التفكير.
“لكن أعتقد أنك لا تنوي البحث عن الحفيدة الإمبراطورية.”
“بل أنوي.”
“أحقًا؟”
أجاب كارفيان فوراً.
“تلك مهمة سهلة فقط أخبرني ما الذي تحبه الإمبراطورة الصغيرة… وما الذي تكرهه.”
سحر العثور على المفقودين لا يبحث عن الشخص نفسه تحديداً، بل يبحث عن الأماكن التي يُحتمل أن يتواجد فيها.
بمعنى آخر، كان عليه أولاً أن يعرف أي نوع من الأشخاص كان المفقود.
عبس الإمبراطور.
“لا أعرف حقاً الأشخاص الذين كان يفترض أن يعرفوا… هاه.”
أطلق زفيراً متألماً.
لأنه تذكر كيف تمّ ‘التخلّص’ من الأشخاص الذين كانوا يعرفون حفيدته جيداً.
“هل من الضروري حقاً معرفة ذلك؟”
“ربما يمكن معرفة شيء ما إذا تمكنت من زيارة المكان الذي كانت تقيم فيه الحفيدة الإمبراطورية.”
“… حسنًا. اذهب إذاً.”
وصل كارفيان سريعاً إلى القصر الصغير حيث كانت تقيم الحفيدة الإمبراطورية.
لم يُشعر بأي أثر للحياة في القصر الخالي، الذي بدا موحشاً ومقفراً.
‘لن أحصل على شيء يذكر.’
تمتم بنفاد صبر وهو يدخل القصر.
كان عليه أن يُظهر وكأنه يبحث، امتثالاً لأمر الإمبراطور، لكنه في الحقيقة لم يكن يرغب في العثور عليها.
‘في المقام الأول، بما أنه لم ترد أي محاولة لطلب فدية، فإما أنها ماتت، أو… مع حظ أفضل، ربما بيعت في مكان ما.’
في أي من الحالتين، لم يكن ليكون الإمبراطور سعيداً بحال الحفيدة.
أنار كارفيان القصر المُعتِم بالسحر وتطلّع حوله.
‘…..’
لم يشعر بأي شيء.
‘هل أُفرغ القصر من محتوياته؟ لكن لا يبدو الأمر كذلك…’
كان داخل القصر غير نظيف على الإطلاق.
ألعاب مبعثرة هنا وهناك، وأوانٍ طعام ما زالت موضوعة على الطاولة.
كما كانت هناك بعض الملابس المغسولة ملقاة على عجل.
فتح كارفيان الأبواب واحداً تلو الآخر باحثاً عن غرفة نوم الحفيدة.
وأخيراً، وقع بصره على غرفة نوم طفلة.
‘لا يُرى فيها أي أثر لذوق شخصي.’
لم يبدُ أن أحداً سأل الحفيدة عن رأيها لتزيين الغرفة.
بدا الأمر وكأنهم وضعوا أثاثاً هو الأغلى ثمناً فقط، وأجبروها على العيش وفقاً له.
‘وبالمناسبة، الألعاب أيضاً كانت متناثرة دون أي تنظيم.’
أسند كارفيان ظهره إلى الحائط وطوى ذراعيه.
ما الذي يُفترض به أن يستنتجه من هنا؟
حتى لو قابل الخدم الذين كانوا يعتنون بالحفيدة، فلن يحصل على شيء يُذكر.
‘لنحاول.’
اقترب من رف الكتب.
كان مليئاً بالكتب الصعبة، دون أي مراعاة لاهتمامات طفلة صغيرة.
شك في عدد الكتب التي قد تكون قرأتها الحفيدة فعلاً من بين هذه الكتب.
لكن، مع الحظ الجيد…
‘ها هي ذا.’
تمكن كارفيان من العثور على ثلاث كتب قصصية، عليها آثار استخدام واضحة وبقع سواد على أطرافها.
كلها كانت قصصاً خيالية عن أمراء وأميرات.
… بل إن إحداها، كان اسم بطلها ‘كارفيان’.
ارسمت ابتسامة خفيفة على وجه كارفيان.
لربما كان هذا الكتاب هو قصة الأمير ‘كارفيان’ التي أخبرته عنها آيريس.
لكن سرعان ما انقطع تأمله.
ارتفعت يده نحو السماء، واتسعت حدقتاه.
بدأت طاقة هائلة تتدفق من كل اتجاه، مركزة نحوه.
في لحظة، اخترقت قوته السحرية قلبه، باعثةً ضوءاً أزرقَ اهتزَّ جسده بالكامل.
إذا استمر الأمر هكذا، ففي غضون ثوانٍ قليلة، كانت الحفيدة الإمبراطورية ستظهر أمامه، ميتة كانت أم حية.
لكن،
وكأنه اصطدم بجدار عظيم، تصادمت القوى فجأة، محدثة صدمة كبيرة في جسده كله.
‘مقاومة!؟’
رفع كارفيان يده إلى فمه.
شعر بطعم دم لاذع، ثم سيطر عليه ألم لا يُطاق.
‘لا يمكن أن يحدث هذا. هذا مستحيل…!’
لا يمكن لأي أحد أن يقاوم سحره وهو يبذل قصارى جهده.
ولا حتى أليكسيون.
بل إن سحر كارفيان كان يزداد قوة كلما زادت المسافة بينه وبين هدفه.
فكيف يقاوم هذا السحر؟
وهذا من قبل فتاة صغيرة؟
‘لا. لا بد أن هناك شخصاً آخر بجانبها.’
وحتى ذلك الاحتمال كان غير منطقي.
فكارفيان كان أقوى ساحر في الإمبراطورية.
وربما في العالم كله.
حتى لو وُجد ساحر عظيم مجهول، فغاية ما يمكنه بلوغه هو معادلته، لا أن يتفوق عليه بهذا الشكل الساحق.
“كخ…!”
بصق كارفيان دماً ومسح فمه.
لم تعد الحفيدة الإمبراطورية هي المهمة الآن.
كان عليه أن يعثر على هذا ‘الوجود’ المجهول.
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 112"