أُحِبُّكِ.
هذه الكلمة وحدها، كالصدى، ترنّت في أذني آيريس، وفي اللحظة ذاتها، اجتاح جسدها بالكامل شعورٌ مُذهل وامتلاءٍ غامر.
تنفّست آيريس بصعوبة، وهي تحدّق في أليكسيون.
كيف… يمكن أن يحدث لها هذا؟
هذا الأمر الذي لا يُصدّق…!
لقد كانت آيريس تنوي حقًا احتضان أليكسيون.
أي نعم، كانت تنوي ذلك، وذلك قبل أن تجتاحها كلّ مشاعرها الواقعية.
“…لا.”
حدث أمرٌ لا معنى له.
بل يحدث أمرٌ كان يجب ألّا يحدث أساسًا.
“أنا، مع أليكسيون…؟”
العقبات التي تحول بينها وبين أليكسيون كانت كثيرة جدًا.
فمكانة أليكسيون نفسه ستكون مهددةً للاهتزاز فورًا.
لن تكون سيدة القصر الدوقي بمنزلة تُضاهي منزلته، بل ستصبح مجرد نبيلةٍ مفلسةٍ، حصل والداها على لقب فارس بصعوبة.
الأمر الجلل أيضًا أنها، كدوقة، سيتوجب عليها الخوض في معارك الأوساط الاجتماعية، وهذا ما لا يتوافق أبدًا مع طبيعة آيريس وميولها.
و أيضًا، وأيضًا…
كان بإمكان آيريس أن تسرد عشرات الأسباب التي تمنعها من أن تكون مع أليكسيون، وتمنعها من القبول بهذا الشعور الذي تفتّح فجأةً وبكثافة بينهما.
“بمَ تفكرين بكل هذا التركيز؟”
بدا أليكسيون متوترًا.
“هل… كنتُ مخطئًا في فهمي…؟”
“لا.”
هزّت آيريس رأسها.
لم يعد صوتها يرتجف بعد الآن.
بل على النقيض من ذلك، كان يسود صوتها شعورٌ معقدٌ ومضطرب فقط.
“أنا أيضًا… أحبك يا أليكسيون.”
كانت الكلمات باردة نوعًا ما، لكن أليكسيون امتصّها بكلّ جوارحه، كمن وجد ماءً في صحراء قاحلة.
“لكن…”
أبعدت آيريس نظرها.
كيف يمكنها أن تشرح له؟
هو الذي واجه كل الصعوبات في حياته وتغلّب عليها باقتحام مباشر.
هو الذي سار على طريق الاستقامة رغم معاناته كل ليلة من كوابيس عجزه عن إنقاذ “تلك الفتاة”.
“سيستهزئ الجميع بك يا أليكسيون. هل حقًا لا يهمك هذا الأمر؟”
“أكان هذا هو ما يقلقك؟”
ضحك أليكسيون ضحكة جافة.
في رأيه، كان قلق آيريس بلا أي أساس.
“أنا دوق تيت. وأنتِ ستصبحين دوقتي.”
ما إن سمعت هذه الكلمات، حتى بدأ قلبها الذي توقف عن الخفقان ينبض من جديد.
أخذت آيريس نفسًا عميقًا.
‘أيقدم لي… طلب الزواج؟’
عادةً، يأتي طلب الزواج بعد فترة طويلة من بدء العلاقة بين الرجل والمرأة.
هذا هو الحال سواء في أوساط نبلاء الإمبراطورية أو بين عامة الناس.
نظر إليها أليكسيون مباشرة.
عندما قرعت نظراته الحمراء باب قلبها، عادت أنفاسها لتتسارع مجددًا.
“ومن يجرؤ على الاستهزاء بي أنا، وبكِ أنتِ؟”
“…”
صوته المتغطرس المليء بالثقة جعل آيريس تعجز عن الكلام للحظة.
كان أليكسيون يعتقد حقًا أن مجرد حقيقة رغبته فيها كفيلة بحلّ كل المشاكل.
ربما لأنه عاش حياته هكذا دومًا.
“على الأقل، لا يوجد أحدٌ على قيد الحياة. وإن وُجد، فالأمر بسيط، سنجعله غير قادر على الاستهزاء بكِ بعد الآن.”
“سيكونون كُثُر.”
تمكنت آيريس أخيرًا من النطق.
تذكرت في لحظة النبلاء الذين أداروا ظهورهم لوالديها.
هكذا هي الأوساط الاجتماعية.
ما إن تجد نقطة ضعف صغيرة في الطرف الآخر، حتى تنهشه بشراسة.
لأنه فقط بتلك الطريقة يمكن للمرء أن يرتقي بنفسه إلى مكانة أعلى.
و هي… ستكون وصمة عار على أليكسيون.
ستكون سببًا في إسقاطه.
‘فليكن ذلك… الأفضل لي أن أكبت هذا الشعور.’
ربّت أليكسيون على جبهتها بطرف أصبعه، ثم قال بنبرةٍ فيها بعض المزاح:
“الآن، أنتِ كثيرة التفكير. مع أن كثير التفكير عادةً ما أكون أنا.”
قطّبت آيريس وجهها وأمسكت بيده وأبعدتها عن جبهتها.
“لا يمكنك القضاء عليهم جميعًا. أنا لا أريد أن أكون عبئًا عليك يا أليكسيون. ولا أريد أن أسمع بأنني عارٌ على عائلة دوق تيت.”
كان هذا صادقًا منها.
فحتى لو افترضنا أن أليكسيون قادرٌ على القضاء عليهم جميعًا، فإن مجرد دفعه إلى خوض مثل هذا الموقف هو أكثر ما لا ترغب به آيريس.
“آيريس.”
قال أليكسيون بجدية:
“أنتِ ستكونين مجدي.”
رفع يدها إلى فمه وقبّلها قبلةً ناعمةً لكنها مفعمة بالشغف.
انتشرت الحرارة من أطراف أصابعها إلى جسدها بالكامل.
شعرت بدغدغة في أخمص قدميها، وكأن جسدها كلّه يثور.
لربما لهذا السبب.
أخذت ترغب أكثر فأكثر في تصديق أليكسيون.
في تصديق كلماته بأنها لن تكون عبئًا عليه، بل على العكس، ستكون عونًا له.
‘لا…’
ابتلعت آيريس ريقها بصعوبة.
كلمات أليكسيون كانت حلوة وصادقة، لكن تصديقها أمرٌ مختلف تمامًا.
‘أليكسيون الآن ليس في كامل وعيه.’
نشوة العثور أخيرًا على “تلك الفتاة”.
صدمة أن “تلك الفتاة” هي “آيريس”.
و… مما لا شك فيه، مشاعره الإيجابية تجاهها.
كل هذه الأمور تختلط معًا لتجعله يتخذ قرارات غير سليمة.
“ربما غدًا ستفكر بشكل مختلف بل ربما بعد أسبوع، أو بعد شهر، قد يتغير رأيك.”
قالت آيريس بصوتٍ مرتجف.
كان أكثر ما تكرهه على الإطلاق هو أن تصبح سببًا في شعور أليكسيون بالذنب.
فقد كان كذلك بما فيه الكفاية طيلة السنوات الماضية.
“هه.”
أطلق أليكسيون ضحكة جافة.
على كل حال، إن آيريس لَتَقلق حقًا بشأن أمور تافهة لا لزوم لها.
‘إذاً، لا بد أن أعلمها.’
ما يخفيه في أعماقه.
الحقيقة التي لم تدركها آيريس أبدًا حتى الآن.
“لا أفهم ما الذي تقولينه. أنا معجب بكِ منذ وقت طويل لم أكن لأقدم على خطوة لمجرد ذلك لم أستطع فهم أفكارك.”
“…!”
اتسعت عينا آيريس.
فتحت فمها وأغلقته مرارًا وكأنها سمكة ذهبية.
“أ… كذب…؟”
“هل أبدو لك الآن وكأنني أكذب؟”
لا. استطاعت آيريس أن تقول بكل ثقة.
أليكسيون كان بالتأكيد صادقًا.
“… إذاً، قولك بأنني سأصبح دوقتك، هذا أيضًا…”
“فكرت في ذلك مرات عديدة.”
أجاب أليكسيون بهدوء.
“وطبعًا كنت مدركًا للمشاكل التي تقلقين بشأنها. سيكون لا بد من البدء أولاً بإعادة اللقب النبيل. قد لا يكون الأمر سهلاً، ولكن…”
لعقت آيريس شفتيها.
منذ متى… بحق السماء؟
هي نفسها أدركت مشاعرها قبل وقت قصير فقط.
بينما يبدو أن أليكسيون كان يحمل مشاعره تجاهها منذ زمن بعيد.
حقيقة أن “تلك الفتاة” هي “آيريس” ما هي إلا محفز بسيط.
تلك الحقيقة هي ما جعل آيريس تشتعل أكثر من أي وقت مضى.
لم تتردد آيريس.
وثبت نحو صدر أليكسيون وضمته ضمًّا كاملاً.
لم يكونا بحاجة لأي كلمات أو وعود بينهما لتكرار ما فعلاه قبل قليل.
كان كل شيء بمثابة سعادة هائلة بالنسبة لها.
بدأت آيريس تذوب في سعادتها، وفكّرت:
ربما…
كان الله قد رحمها وأعطاها كل شيء.
وربما لم يبق أمامهما الآن سوى السعادة.
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 109"