“….”
أغلقت آيريس عينيها بإحكام.
لم تستطع التحرّك قيد أنملة.
توتر جسدها بالكامل، وكأنها لو أطلقت أدنى نفس، لربما حطّمت تلك اللحظة.
“لا يمكن أن يحدث هذا.”
أليكسيون…
كان يتذكرها.
وطوال هذا الوقت، كان يحمل في قلبه شعوراً بالذنب تجاهها.
مع أنه لم يكن هناك أي داعٍ لذلك أبداً.
من ضحّى كان أليكسيون، ومن عانى طوال هذه المدة من كوابيس تؤرقه كان أيضاً أليكسيون.
صحيح أن حياتها هي الأخرى لم تكن خالية من المنعطفات الصعبة، لكنها على الأقل كانت حرة من ذكريات تلك الأيام.
“لماذا… لماذا.”
ولذا، لم يسعها إلا أن تسأل.
“لماذا… ما زلت تفكر بهذا الشكل؟”
ربما في الطفولة، كان ذلك ممكناً.
فالظروف التي مرّوا بها كانت قاسية للغاية.
لكن استمرار هذا الشعور إلى الآن، يعني شيئاً آخر…
‘ربما… ربما أنا مميزة بالنسبة لهذا الرجل.’
رغم إدراكها أن هذا مجرد احتمال ضئيل للغاية، إلا أنها أرادت أن تصدّقه.
“… لا أدري.”
أجاب أليكسيون بهدوء.
لكن، هل كان حقاً هادئاً؟
فركشفت جسده المرتعش، يده التي تقبض بشدة على طرف ثوبها، وأذناه المحمرّتان… كلها كانت تحكي قصة مختلفة تماماً.
“لا أعرف متى بدأ الأمر بالضبط. فقط، عندما أراك… عندما أراك تبتسمين، أفكر أن هذا العالم ليس مكاناً بغيضاً فقط…”
“… “
لم تقل آيريس شيئاً.
بل لم تستطع قول أي شيء.
إذا لم أكن مخطئة فيما سمعت، فهذا يعني…
ارتخت قبضة يد أليكسيون.
بدا وكأنه أساء فهم صمتها بشكل مختلف تماماً.
“آسف. يبدو أنني أزعجتك.”
“لا!”
صرخت آيريس بسرعة.
“أنا… أنا… أنا…”
وفجأة وجدت أن وجهها قد احمرّ بشدة هي الأخرى.
أخذت نفساً عميقاً لاستعادة هدوئها، ثم فتحت فمها.
“لست مُزعجةً على الإطلاق. فقط… كنت مذهولة.”
“… أفهم ذلك.”
شعر أليكسيون بأنه مثير للشفقة بعض الشيء.
لا شك أن آيريس قد فُوجئت، حتى لو حاولت التظاهر بعكس ذلك.
هي فقط تخفي مشاعرها بسبب طيبتها الفطرية.
تماماً كعادتها في عدم إظهار أي ضيق، وكما أنها كانت تفكر به أولاً في أصعب الظروف…
رفعت آيريس رأسها لتتأمله.
منذ أن ابتعد قليلاً، باتت ملامحه أكثر وضوحاً أمام عينيها.
وجه يحاول التظاهر بالهدوء، لكنه لا يستطيع إخفاء حيرته.
وجه يبدو فيه الخجل قليلاً، والقلق عليها أيضاً.
‘أعتقد أنني أعرف ما يفكر به.’
لقد تقابلا في الخريف، والآن كان الشتاء على وشك الانتهاء.
يعني هذا أنها أمضت معه موسماً كاملاً على الأقل.
ولهذا، استطاعت آيريس أن تتيقن.
في رأسه الآن، لا بد أن دوامة الذنب التي لا معنى لها تدور من جديد.
“مهما كنت تفكر فيه الآن، فهو خطأ.”
“… وكيف تعرفين ما أفكر فيه؟”
“أعرف أنه فِكر خاطئ.”
“… “
تنهد أليكسيون، وقد عجز عن الرد.
“أنت تعرفينني جيداً. كما لو كنتِ تعرفيني منذ زمن طويل.”
“أعرفك منذ زمن بعيد حقاً.”
دق قلبها بعنف، حتى شعرت به يخنق حنجرتها. تدفقت الحرارة في أطراف أصابع يديها وقدميها.
لأول مرة تشعر بهذا الإثارة، ليس بسبب الغضب، بل بسبب هذا الخفقان.
مدت يدها ببطء شديد نحو أليكسيون.
ارتعدت جفونه، لكنه لم يتراجع خطوة إلى الوراء.
بل على العكس، وجه إليها نظراته الحادة فقط.
“لقد قلت لي… منذ قليل أنك تريد حمايتي الآن، مثلما أردت حماية تلك الفتاة الصغيرة حينها.”
“أجل.”
“أنا أيضاً مثلك، يا أليكسيون.”
قالت آيريس بملء قلبها.
“حينها، كنت ممتنة لذلك الفتى… وأردت لقاءه مجدداً. كما أردت أن أرد له الجميل بأي شكل… أنا معجبة بك.”
أقسم أن الكلمة الأخيرة كانت زلة لسان.
فبينما كانت تتحدث بصدق، تفلت منها ذلك الشعور الحقيقي الذي كان يجب إخفاؤه.
فوجئت آيريس وغطت فمها بيدها.
كان أليكسيون ينظر إليها من الأعلى بعينين لا تصدقان ما سمعتاه.
“أنا… آسفة.”
تلاشى الشعور بالبهجة في لحظة.
بعد أن اعتذرت، لم تجد ما تقوله أكثر، فبدأت تعض شفتيها في انتظار رد فعله.
لم ترغب في إضافة أي تفسير بأنه سوء فهم أو خطأ. لم تعد تريد أن تكذب عليه الآن.
“… لا داعي للاعتذار.”
قال أليكسيون بصوت خفيض.
“فأنا… أشعر بنفس الشيء.”
“…!”
اتسعت عينا إيريس.
هل ما قاله كان صحيحاً حقاً؟
أم أنها مجرد كلمات لطيفة يقولها ليهدئ من روعها، مثلما يفعل دائماً، مراعياً لظروفها؟
كلا، أليكسيون لا يجامل.
لذا، فلا بد أن هذا من صميم قلبه.
وهذا على الأقل، دليل على أنه يكن لها مشاعر تتجاوز الود العادي.
لكن آيريس لم ترغب في المضي أبعد من هذا.
فالسعادة المفرطة قد تجلب النحس.
“… لستُ أكذب.”
تمتم أليكسيون باستياء، وكأنه خمن ما يدور في ذهنها.
“لقد… لقد أحببتكِ منذ البداية.”
غطت إيريس وجهها بكفيها.
تملكتها رغبة جامحة في أن تستعجله، وأن تسأله بالتفصيل متى وأين بدأ الأمر.
‘سأجن.’
لم تكن حياتها خالية من التجارب مع الرجال، فقد مرت ببعض لحظات الإعجاب، بل وكانت هناك لقاءات كادت أن تتطور إلى علاقات جادة.
لكن لم يسبق لأحد أن هزّ قلبها هكذا، وجعلها تشعر وكأنها أصبحت إنسانة مختلفة تماماً، مثلما فعل أليكسيون.
انحنى وجه أليكسيون ببطء شديد نحوها.
أنزلت آيريس يديها وأغمضت عينيها.
بعد هذا، سيكون على الأرجح…
لمست شفتاه الناعمتان لكن الخشنتان قليلاً جبهتها.
احمرّ وجه آيريس بشدة.
وحال أليكسيون عندما فتح عينيه لم يكن مختلفاً.
تراجع خطوة إلى الوراء ليلملم الموقف.
“إذاً، هذا كان…”
“… “
فكرت إيريس.
في رأيها، الحفاظ على هذه المسافة التي خلقها بينهما الآن سيكون أسهل حل له.
فبهذا، لن يربح شيئاً ولن يخسر شيئاً.
لكن آيريس لم تكن لتقنع بذلك.
فبأي حق يبتعد بعدما اقتربا؟
بأي حق يتراجع بعدما عادا لبعضهما؟
بأي حق وجد كل منهما الآخر!
لذا، تقدمت آيريس خطوة نحو أليكسيون.
بدا أليكسيون مرتبكاً بشكل واضح بعد أن تلاشت المسافة التي خلقها للتو، لكنها لم تتردد أبداً.
جذبته آيريس من ياقته وطبعت قبلة على شفتيه.
انفرجت شفتاه الخشنتان قليلاً، وتنفسوا هواءً واحداً.
انفجرت ألعاب نارية صغيرة في رأسها، واندفع الدم إلى أعلى رأسها.
بدا الزمن وكأنه يمر ببطء، وكأن العالم بأسره يتمحور حولهما الآن.
لا تدري كم من الوقت مضى.
افترقا ببطء شديد.
في نظرات أليكسيون إليها، لم يعد هناك أي أثر للحيرة أو القلق.
“آيريس.”
رفع يده ليمسح خصلات شعرها خلف أذنها بلطف، مداعِباً إياها.
كما لو كان يتعامل مع أثمن كنز في الوجود.
كما لو أن آيريس أصبحت أهم شيء في هذا العالم.
“أحبكِ.”
كانت تلك اللحظة التي ذابت فيها، كل ليلة قضاها تحت وطأة الذنب لعدم تمكنه من حماية ‘تلك الفتاة الصغيرة’، لتصبح حباً خالصاً.
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 108"