نظر أليكسيون إلى آيريس التي ابيضّ وجهها.
كانت آيريس، رغم ما تعانيه من ألم، تحاول جاهدة تهدئته.
لم يرِد أن يظهر بمظهر الضعيف أمام آيريس.
أن يُحْمى من قِبَل شخصٍ يفترض به أن يحميه، أي إذلالٍ أقسى من هذا؟
“……مُخزٍ.”
لكن سحر كارفيان زعزعه تمامًا.
الكوابيس التي طالما راودته تحوّلت إلى أسوأ صورة ممكنة واجتاحته.
وفي خضم ذلك، كانت آيريس….
“آيريس.”
ناداها بصوتٍ أجهضه البكاءُ والنحيب.
“ما فعله كارفيان، لا يمكنني مسامحته أبدًا.”
ابتلعت آيريس ريقها.
كانت تتوقع أن غضب أليكسيون سيتجه نحو كارفيان.
بالطبع، بدا أنها تفهم السبب أيضًا.
“أليكسيون… بماذا حلمت؟”
كان عليها أولاً أن تعرف ماذا فعل كارفيان.
فبذلك فقط ستتمكن من التصرف.
‘لو كان الحلم الذي رآه أليكسيون… أقسى مما أتصور.’
حينها، وبغض النظر عن الوعد الذي قطعته لكارفيان، فلن أستطيع مسامحته.
أي فعلٍ يهزّ شخصًا بتلك القوة إلى هذا الحد؟!
“…….”
تردد أليكسيون للحظة.
لم يكن من السهل أبدًا أن يُظهر ضعفه لشخصٍ آخر.
شيءٌ لم يكن ليفعله في الأيام العادية.
لكن الآن…
الآن، وبما أن آيريس تنظر إليه، إليه وحده فقط.
ألا يمكنه أن يُظهر لها الجانب الأضعف فيه؟
لأن إيريس لن تسخر منه أبدًا، ولن تستصغره.
“…كنتِ أنتِ، تلك الفتاة.”
“أيّ فتاة تقصد؟”
“الكابوس الذي ظللت أعيشه… الفتاة الصغيرة التي تبكي، والتي لم أنقذها.”
“…آه، أليكسيون.”
ارتعش صوت آيريس بلا هدف.
كانت عيناها تمسحان وجه أليكسيون هنا وهناك، وكأنها لا تصدق ما يسمع.
“إذاً… تقول إنك رأيت هذا الحلم من قبل أيضًا؟”
“كل ليلة. الفرق الوحيد أنها لم تكن أنتِ.”
لعقت آيريس شفتيها.
جف فمها بالكامل، وأصيب رأسها بالدوار.
‘لا داعي لأن يكذب أليكسيون.’
‘الفتاة التي لم ينقذها’، والتي ظلت تظهر في كوابيسه.
“أخبرني بالتفصيل… كيف كانت تلك الكوابيس السابقة؟”
بدا أليكسيون مرتبكًا.
“أظن أن هذا لا يهم الآن.”
“أنا أريد أن أسمع.”
لم تتكلف آيريس بإعذار أو سبب.
كانت واثقة بأن أليكسيون سيلبي طلبها.
“…حسنًا، لا مانع.”
تنــــــهد.
بدا وجهه أكثر ارتياحًا مما كان عليه قبل قليل.
“في الحلم، هناك فتاة صغيرة تبكي دائمًا.”
قطب أليكسيون جبينه وهو يستجمع ذكرياته.
“شعرها أشقر، وجسدها صغير… وتلك الطفلة، مهما حاولت تهدئتها، لا تتوقف عن البكاء.”
أخذ صوته يخفت تدريجيًا.
“لا توجد طريقة لإنقاذها. فأنا أيضًا كنتُ محبوسًا.”
حرّكت آيريس شفتيها.
هل كانت مصادفة؟
أنه قبل وقت طويل من لقائها به، كان أليكسيون يرى تلك الأحلام.
يُقال أن ‘ذلك أليكسيون’ قد مات.
لكن، هل حقًا مات؟
“وهذه المرة، كنتُ أنا تلك الطفلة تلك التي لم تستطع إنقاذها.”
“نعم.”
ضحك أليكسيون باستخفاف.
“لكنه كان أفضل قليلاً من المعتاد. يبدو أن كارفيان سول كان لديه بعض الضمير أيضًا لأنه في النهاية، جعل من الممكن إنقاذ تلك الفتاة… إنقاذك.”
“…!”
غطت آيريس فمها بيدها.
كاد صوتها المتفجر أن ينفلت، فاضطرت لكبته.
“آيريس؟”
نظر إليها أليكسيون باستغراب.
“هل تشعرين بألم في مكان…”
“لا، لا.”
هزّت آيريس رأسها.
“فقط… فقط.”
لم تستطع آيريس تهدئة جسدها المنتفض.
كان قلبها يخفق بجنون وبسرعة لم تشهدها في حياتها قط.
لم تكن تستطيع حتى تخيل ما الذي يبدو عليه وجهها الآن، كانت ترغب في تغطيته بيديها لشدّة تشوّهه.
لكنها كانت تحت صدمة كبيرة حتى أن يدها لم تطاوعها لترفعها.
‘إنه، إنه حقًا أليكسيون.’
لا يمكن أن يكون غيره.
لم يكن بمقدور كارفيان معرفة طبيعة الكوابيس التي كان يراها أليكسيون بالأصل.
لقد عرض عليه فقط ذكريات أعدّها من أجلها.
وما قام به أليكسيون داخلها، هو ما فعله بالفعل.
“أليكسيون.”
رفعت رأسها، ففوجئ أليكسيون بما رأى.
كانت عيناها تتألقان بوضوح لم يسبق له مثيل.
“ماذا لو لم يكن ذلك حلماً؟”
“ما الذي تقولينه؟ آيريس، هل أنتِ متأكدة أنكِ بخير؟”
“أجل. أنا بخير.”
أجابت آيريس بسرعة.
“أنا عاقلةٌ تمامًا فقط… أنا أيضًا رأيتُ نفس الحلم… وأعرف أنه لم يكن حلماً، بل ذكرى من الماضي.”
“…!”
لم يكن بحاجة لشرح ثانٍ.
لقد فهم أليكسيون مغزى كلامها فورًا.
“…هذا مستحيل.”
“أليس كذلك؟”
ضحكت آيريس باستسلام.
“لكن لا بد أن الأمر كذلك، الفتى الذي أنقذني، كان اسمه أليكسيون. شعره أسود… وعيناه حمراوان.”
كلما تكلّمت، عادت الذكريات المنسيّة للحياة.
كان ذلك الفتى يتصنع الرجولة.
مع أنه في الحقيقة لم يكن سوى طفل مثلها تمامًا.
“كان يشعر بالأسف لأنه لم يستطع مساعدتي لضعفه. فوعدني بأنه سيصبح قويًا بمجرد أن يخرج من هناك”
وقد أصبح قويًا حقًا.
أقوى وأروع من أي شخص آخر.
“قال إن والديّ سيأتيان ليأخذاني… هل أتيا حقًا؟”
اهتزت نظرة أليكسيون.
فتح فمه ليتكلم، ثم أغلقه فورًا كما لو كان نادمًا على مجرد محاولة الكلام.
الكلمة التي خرجت من فمه المتردد أخيرًا، كانت مفاجئة.
“…لا أعرف. لا أتذكر أي شيء.”
مسحت آيريس عينيها.
كانت الدموع تنهمر بغزارة دون أن تدري.
‘كارفيان اللعين.’
لماذا أنزل بي هذه المحنة؟
ولكن في نفس الوقت، أخبرها بأن أليكسيون هو ‘أليكسيون الذي أنقذها’، لذا لم تشأ أن تلومه كثيرًا.
“لقد ظللتُ أنا وأليكسيون محبوسين معًا لوقت طويل. لا بد أن هناك من يتذكر تلك الفترة.”
“…بنيامين.”
قال أليكسيون ببطء.
“إذا كان ما تقولينه صحيحًا، فبنيامين سيعرف.”
لم يبدُ أنه يصدق كلامها إطلاقًا. لا يهم.
بالتأكيد، بنيامين سيتذكر تلك الفترة.
تذكّرت آيريس عندما قابلت بنيامين لأول مرة، ردة فعله الغريبة بعض الشيء عندما سمع كلمة ‘روبين’.
‘…الأمر مؤكد.’
تمخّطت بأنفها ثم تحدثت بصوتٍ مرِحٍ قدر الإمكان.
“صحيح. دعنا نسأل بنيامين.”
بعد قليل، دخل بنيامين إلى غرفة النوم وكان وجهه يفيض بالفرح.
همّ بسرد أمور كثيرة، لكن أليكسيون أوقفه فورًا.
“لدينا سؤال لك، بنيامين.”
“نعم.”
أجاب بنيامين بهدوء، وقد استعاد رباطة جأشه بسرعة.
“هل حدث… عندما كنت صغيرًا… أنني اختُطفتُ أو فُقدتُ؟”
لم يُبدِ بنيامين أي دهشة.
فقط سأل مجددًا بصوتٍ أكثر هدوءًا ووقارًا.
“لماذا تسأل عن هذا؟”
لمعت عينا أليكسيون الحمراوان.
فقد استشعر وجود أمرٍ مريب.
“لا يهم لماذا. أجب.”
“…….”
أطلق بنيامين زفيرًا طويلًا.
ألقى نظرة خاطفة على آيريس، ثم هز رأسه قليلاً.
اختفت منه هيئته المرتبة والصلبة المعتادة.
“يبدو أن الحديث سيطول. أتسمح لي بالجلوس؟”
“اجلس.”
جلس بنيامين على الكرسي وظلّ ينظر إلى كفّيه للحظة.
“صحيح أنكما قد اختفيتما معًا.”
كانت تلك اللحظة التي بدأت فيها الحقيقة تنكشف.
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 106"