***
“أليكسيون…؟”
تماسكت آيريس بصعوبة أمام رؤيتها التي أخذت تضطرب وتتشوش، ثم اقتربت ببطء من السرير.
كان أليكسيون مستلقيًا هناك، جسده متصلب ووجهه شاحبٌ كالثلج.
‘ظننتُ… ظننتُ أنه سيكون هادئًا كأنه نائم فحسب…’
ورغم أنه كان بلا حراك، كان من الواضح جليًا أنه يعاني ويُعاني بشدة.
عضت آيريس على شفتها.
‘ماذا عساي أن أفعل؟ ماذا لو كنتُ أستطيع مساعدته؟’
بالتأكيد، كان بإمكانها محاولة استخدام قوتها.
لكن، هل كانت قوتها حقًا أقوى من سحر كارفيان سول؟
“أليكسيون.”
نادته بكل ما أوتيت من صدق وإخلاص.
“هل تسمعني؟”
لم يكن هناك أي استجابة، كما توقعت.
تراجعت آيريس لتجلس على الأرض منهكة القوى.
كان جيبها منتفخًا بمختلف المواد والخامات، لكنها لم تجد في نفسها رغبة في البدء بالصنع الآن.
لأنها تعلم جيدًا أنه إن لم تكن مشبعة بالصدق والإخلاص، فلن تجدي نفعًا.
وهي الآن، كانت منهكة القوى، لا تملك القدرة على ذلك.
فمجرد رؤية أليكسيون يعاني كان يؤلمها كثيرًا.
وكونها لا تستطيع تخفيف عبئه فورًا كان أصعب عليها.
لعقت آيريس شفتيها.
‘لكن… لا بد من المحاولة على الأقل.’
لا يمكنها ترك الوقت يمر هكذا، وهي لا تدري متى سيفيق أليكسيون، إن كان سيفيق أصلًا.
أسرعت تفتل الخيوط لتصنع سوارًا.
منذ فترة، أصبحت آيريس تصنع فقط أشياء بسيطة من مواد يسيرة.
لأنها أدركت أن المهم حقًا هو إخلاصها وتركيز نواياها في القطعة، لا أن تكون تحفة فنية مبهرة.
ظلت تتوسل وتدعو.
‘أرجوك… أرجوك…’
أن يفيق أليكسيون.
فهو يستحق ذلك.
مهما كان ما اقترفه كارفيان سول من أفعال، لتمنحه القوة ليقف من جديد ويواجهه…
وكانت مستعدة لدفع أي ثمن، وأي عقاب، فقط لو عاد أليكسيون إلى وعيه.
“لقد فعلتُ كل ما بوسعي.”
همست آيريس بضعف وهي تُدخل السوار في معصم أليكسيون.
“انهض، أليكسيون.”
جلست بجانب السرير مباشرة، ولم تتحرك قيد أنملة.
لم تستطع حتى التفكير في مغادرة الغرفة، خوفًا من أن يستيقظ في غيابها.
بقيت هناك جالسة، فقط تُومئ برأسها بين الحين والآخر وهي تغالب النعاس.
ممسكة بيده التي ارتدت السوار بشدة.
عاهدت نفسها ألا تنام حتى يفيق.
لكن للجسد حدود لا يمكنه تخطيها، وفي النهاية غلبها النعاس.
تساقط شعر آيريس الطويل على جسد ألكسيون.
وفي تلك اللحظة تمامًا.
تطايرت شظية صغيرة من نور من يد أليكسيون التي ترتدي السوار.
واختفت فورًا داخل جسد آيريس.
***
نظرت إيريس حولها بعيونٍ مذعورة.
‘…إنه حلم.’
ورغم معرفتها أنه حلم، لم تشعر بأي ارتياح، بل على العكس، شعرت بدمائها تتجمد.
كانت تعرف أين هي.
‘إنه هناك.’
المكان نفسه الذي احتُجزت فيه طفلة، حيث أجريت عليها شتى أنواع التجارب.
لا يمكن أن ترى هذا المكان في حلمها دون سبب.
أدركت آيريس فورًا سبب رؤيتها لهذا الحلم بالتحديد
‘إذاً، كان هذا هدف كارفيان سول الحقيقي.’
أن يجعلها تحلم بالماضي.
لكي تستعيد ذكرياتها…
ارتجف جسدها بشدة.
ما الحلم الذي يراه أليكسيون الآن، إذاً؟
‘أتمنى لو كان يحلم بشيء بعيد كل البعد عن هذا المكان الكئيب.’
تحركت آيريس بجسدها المرتعش.
لكن جسدها الآن هو جسد طفلة صغيرة ضعيفة، سريع الإرهاق، فلم تستطع التقدم كثيرًا.
‘أريد الخروج من هنا بسرعة…!’
لكنها اصطدمت فورًا بحائط سجنها.
‘أتذكر الآن.’
كانت آيريس دائمًا تحت مراقبة مشددة.
لم يكن يُسمح لها بالخروج سوى ثلاث مرات في الأسبوع، ودائمًا برفقة ذلك الرجل.
‘في ذلك اليوم… لولا ذلك الولد، لما استطعت الخروج أبدًا.’
ذلك الولد الصغير.
الذي أنقذ آيريس.
…والذي كان، على الأرجح، كارفيان سول.
مهما كانت صلته بها، لا يمكن إنكار أنه سبب الأذى لأليكسيون وكونها هنا الآن.
لذا يجب أن تبقى بعيدة عنه.
لكنها الآن داخل الحلم، فمن المستحيل عليها التفكير بشكل طبيعي.
“ها أنتِ هنا.”
قفزت آيريس في مكانها مذعورة.
كان ذلك الرجل ينظر إليها بنظراته المظلمة المريبة.
“اتبِعيني.”
“…”.
تبعته إيريس بصمت.
لأنها تعلم جيدًا أن أي مقاومة لا جدوى منها.
قوتها هي الشفاء.
على عكس كارفيان الذي يمتلك قوة هجومية هائلة، لم تكن آيريس تملك أي وسيلة لمقاومة ذلك الرجل.
‘كيف عرفتِ كل هذا؟ أليس كذلك؟’
رمشت آيريس بعينيها عدة مرات.
كانت هذه حقيقة لم تتذكرها طوال كل تلك السنوات الماضية.
‘لدي… قوة الشفاء.’
ما تراه الآن ليس مجرد حلم عابر، بل هو ماضٍ حقيقي حدث بالفعل.
بالتأكيد، ها هي ذكرياتها تعود إليها.
‘إذاً، يمكنني إنقاذ أليكسيون!’
أشرق وجه آيريس.
لم يكن الأمر مقتصرًا على هذه المرة فقط.
أيًا كان المكان الذي سيصاب فيه، وأيًا كانت إصابته، تستطيع الآن شفاءه فورًا.
مهما كانت الإصابة خطيرة.
‘يبدو أن عليّ أن أشكر كارفيان على هذا.’
فلولاه، ما كانت لتدرك قوتها الحقيقية.
دفعها الرجل إلى داخل غرفة كارفيان، كالعادة.
تصلب جسد آيريس.
راحت تردد في نفسها أنه لن يحدث شيء سيء، وأن كارفيان في هذا الوقت كان منقذها… لكنها لم تستطع منع نفسها من الفزع أمام المشهد الذي رأته.
كل الأثاث الذي كان يفترض أن يكون سليمًا تحطم تمامًا، وكارفـيان كان مغطى بالجروح من رأسه حتى أخمص قدميه.
وبالنظر إلى تلك الكتل الحجرية المحطمة بالكامل، كان من السهل تخمين ماهية “التجربة” التي أُجريت عليه.
“كارفيان…؟”
بمجرد أن نادته آيريس بحذر، تغير وجه كارفيان في لحظة وأصبح مشرقًا ومبتسمًا.
“آري!”
صرخ بها ومشى نحوها.
حاول أن يمشي بسرعة لكنه كان يعرج بشكل واضح.
“أرني مكان جرحك.”
مد لها كارفيان كاحله بدون تردد.
أسرعت آيريس ودفعت بطاقتها نحو الكاحل.
لم تكن بحاجة للتفكير في الكيفية.
كان الأمر غريزيًا.
‘…إنه سهل للغاية.’
شعرت وكأنها تفعل هذا طوال حياتها.
“آري، آري.”
ثرثر كارفيان.
“لقد تلقيتُ الثناء اليوم!”
“حقًا؟”
أجابته آيريس دون تفكير.
كان الشفاء يستهلك طاقة ذهنية هائلة.
“أجل! يقولون إنني أصبحتُ أقوى يومًا بعد يوم.”
ابتسم كارفيان ابتسامة عريضة واحتضنها.
اندهشت آيريس لكنها لم تدفعه بعيدًا.
“لهذا، أعتقد أننا سنستطيع الخروج من هنا قريبًا.”
“…حقًا؟”
سألته آيريس بصوت مرتجف.
أينتهي الحلم بهذه السرعة؟ سيكون ذلك رائعًا.
“أجل! فقط عليّ أن أقتل ذلك الحقير.”
“…!”
اتسعت عينا آيريس.
كان هذا مختلفًا تمامًا عما تتذكره عن “نهاية ذلك الولد”.
فذلك الولد لم يكن بهذا البهجة والسطوع.
وكانت تعلم جيدًا أنه لا يستطيع قتل ذلك الرجل.
‘ألا يمكن أن يكون…’
في تلك اللحظة، خطر ببالها سؤال بديهي.
…ماذا لو كان هناك ولد آخر غيره؟
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 102"