حقاً…… إنه سحر مريع.
هذا ما فكّر به أليكسيون.
كيف يمكن لشخص أن يجعل من أيريس بطلة لكابوس كان يعذبه بهذا الشكل؟
كان كارفيان سول خبيراً في شتى المجالات، لكنه لم يسبق له أن استخدم أسلوباً نفسياً دنيئاً كهذا من قبل.
لم تكن هناك حاجة لكل هذا، فسرعان ما سيحبه الجميع على أي حال، فلمَ كل هذا العناء؟
لكنه بهذا السحر، تخطّى كل الحدود.
لقد دفع بإنسان إلى هاوية من الألم الذي لا ينتهي.
‘الحمد لله أن أيريس لم تمرّ بهذا، على الأقل.’
حاول أن يواسي نفسه، لكنه لم يستطع منع تركيزه كله من الانصباب على الطفلة التي كانت تنتحب بمرارة أمام ناظريه.
فحتى لو كان حلماً…… وحتى لو كانت طفلة صغيرة…… تبقى أيريس هي أيريس.
“آه، أليكسيون.”
تمتمت أيريس بصوت مبحوح بالدموع.
“لا تبكي. إنه لا شيء.”
“لا شيء تقول؟!”
حاول تهدئتها، لكن دون جدوى.
“ماذا أفعل؟ كله بسببي…… حتى الدواء لا ينفع.”
لم ينتهِ الكابوس، بل كانت حالة أليكسيون تزداد سوءاً يوماً بعد يوم.
السبب بسيط.
كما أخبره ذلك الرجل بصراحة، دور أليكسيون، الذي لا يمتلك أية موهبة، كان فقط أن يكون فأر تجارب.
بشكل أدق، كان أداةً لاختبار “قدرة أيريس على الشفاء”.
لكن حتى قدرة أيريس على الشفاء كانت لها حدود.
كما كان الحال الآن.
‘إنه يؤلم.’
لكن أليكسيون صمد، دون أن يفوّه بأي تأوه.
فلو أظهر أي ألم، لَحَزِنت أيريس، لذا آثر الصبر بصمت.
…لم يمنع ذلك أيريس من أن تلتهمها المشاعر.
ارتجفت شفتا أيريس.
“كان يجب… كان يجب أن أصنعه بشكلٍ أفضل.”
“ليس خطؤك.”
أجابها أليكسيون بجفاف.
“أنتِ تعلمين خطأ من هو، أليس كذلك؟”
“أُوم…….”
لم يذكرا اسم “من” هو المسؤول بصراحة، لكنهما كانا يعلمان جيداً.
إنه بسبب ذلك الرجل.
“سأكون بخير، أيريس.”
همس أليكسيون.
“بالتأكيد، والدايّ يتحركان الآن لإنقاذي….”
هل هذا صحيح حقاً؟
سخر أليكسيون في داخله.
فوالداه كانا من النوع الذي لا يرى سوى الولاء للإمبراطور.
ليس معنى ذلك أنهما لم يكونا يحبانه.
لكنه كان يعرف جيداً أنهما سيضعان واجبهما تجاه الإمبراطور فوق البحث عن ابنهما.
‘لو كنتُ حقاً في مثل هذا الموقف… لربما ظنّا أن إنجاب وريث جديد أسرع من البحث عني.’
هز أليكسيون رأسه.
لم يكن من الصواب إلقاء اللوم على والديه بسبب كابوس لم يحدث أصلاً.
“أليكسيون.”
نظرت إليه أيريس بوجهها المغطى بالدموع.
“سأغني لك.”
“…همم.”
بدأت أيريس تغني بصوتها الطفولي النقي.
أغمض أليكسيون عينيه.
وبصوت الفتاة، بدأ الألم يتلاشى ببطء من جسده.
***
أيام، ثم أسابيع…
في البداية، كان المرء حتماً يدرك أنه في حلم.
لكن مع مرور الوقت، وكلما طالت أيام المكوث في الحلم، بدأ أليكسيون ينسى حقيقة أنه كان يحلم.
فالألم الذي كان يعيشه بكل جسده كان واقعياً جداً، والسلوى التي كانت تمنحه إياها أيريس كانت حقيقية جداً.
ولذا، في يوم من الأيام.
عندما أخبرته أيريس بالخبر السار، تقبله كما لو كان أمراً يحدث في الواقع.
“لقد… لقد هرب.”
“ماذا قلتِ؟”
لم يصدق أليكسيون أذنيه.
“كارفيان” قد هرب.
فمن قبضة ذلك الرجل، بدا أنه لا يمكن لأحد الهرب.
لكن في الوقت نفسه، كان هذا الخبر بمثابة بصيص أمل لأليكسيون.
‘إذاً، الهرب ليس مستحيلاً.’
صحيح أنه سمع أن “كارفيان” موهوب جداً.
لكن أيريس كانت موهوبة هي الأخرى أيضاً، فربما استطاعا الهرب معاً.
لكن بعد ذلك، اشتدت المراقبة أكثر.
لم يعد ذلك الرجل يتركهما بمفردهما أبداً، وكان يراقب تحركات أيريس، خاصةً، بدقة.
حتى أنه سحب منها كميات كبيرة من دمها حتى ضعف جسدها.
لكن أليكسيون كان استثناءً من هذه المراقبة.
فلم يكن سوى صبي صغير عاجز لا حول له ولا قوة.
وهذا بالضبط ما سمح لأليكسيون بخلق فرصة.
تأكد من موقع الإسطبل، وتمكن من إخراج مهر جانبا…
وأخيراً، اقتحم مختبر ذلك الرجل وأحدث فيه فوضى عارمة.
فوضى من شأنها أن تجبر الرجل على التعامل معها فوراً.
في تلك الأثناء، أصيب بجروح بالغة من جراء انفجار، لكنه لم يكترث أبداً وركض مسرعاً إلى غرفة أيريس.
كانت أيريس غارقة في نوم عميق، وقد كوّرت جسدها.
“أيريس!”
هز أليكسيون جسد أيريس.
لم يكن هناك وقت لنضيعه.
“استيقظي، أيريس!”
كانت أيريس ثملة تماماً بالنوم والإرهاق.
بسبب التجارب المتكررة مؤخراً.
كان المنظر يثير الشفقة، لكن الوضع الآن كان خطيراً للغاية.
“أيريس، يجب أن نذهب حالاً. يجب أن نخرج!”
“نخرج…؟”
رمشت أيريس بعينيها ونظرت إليه بذهول.
“ما الذي… تقوله. سنفشل….”
بدت وكأنها تعتقد حقاً أنهما سيفشلان.
“لقد جهزت كل شيء.”
“ماذا؟”
“هيا بنا نسرع، أيريس. لنخرج أولاً ثم نفكر بعدها.”
ساعد أليكسيون أيريس بصعوبة وتوجها نحو الإسطبل.
اتسعت عينا أيريس عند رؤية المهر، ثم سرعان ما اكتنفهما اليأس.
يبدو أنها ظنت أن المهر صغير جداً.
“هل ي… يمكننا الركوب نحن الاثنان؟ أليس كذلك؟ أنت قادم أيضاً، صحيح؟”
تقمصت وجه أليكسيون.
في الحقيقة، كان المهر صغيراً لكنه قوي، وكان بإمكانه حمل طفلين بحجمهما بسهولة.
لكن المشكلة لم تكن في ذلك.
“اذهبي.”
شعر أليكسيون باليقين.
الفرصة هي الآن فقط.
“اذهبي وحدك، أيريس.”
إن لم تكن الآن، فلن تستطيع أيريس الهرب أبداً. فهكذا كانت قوة ذلك الرجل هائلة.
وأيضاً… لو ذهبا معاً، فبالتأكيد سيمسك بهما ذلك الرجل معاً.
بسببه، هو عديم الموهبة، الذي سيصبح مجرد عبء.
“يجب أن أشتري بعض الوقت هنا أيريس، أنتِ تستطيعين الركوب جيداً وحدك، أليس كذلك؟”
ناولها خريطة وشرح لها الطريق، لكن أيريس بدت غير مصغية إطلاقاً.
بل كانت فقط تنظر إليه بوجه حزين.
“هيا بنا معاً. فلنذهب معاً، يا أليك.”
أصبحت رؤيته ضبابية.
الوقت كان ثميناً، فالرجل يمكنه الخروج في أية لحظة…
لكن أيريس كانت تصرّ بعناد على ذهابه معها.
“يجب أن أشتري الوقت.”
كان صادقاً.
مع أنه لم يكن يعرف كم من الوقت يستطيع شراءه.
فما يهم ذلك الرجل هو أيريس، وليس هو.
“…لن أذهب. لن أذهب بدون أليك!”
هزت أيريس رأسها بعنف.
“أقول لن أذهب!”
“أيريس!”
أمسك أليكسيون بكتفي الفتاة بقوة.
أطلقت أيريس تأوهاً خفيفاً من الألم، لكن لم يكن لذلك أي أهمية في وضعه الحالي.
حدق في عينيها بعمق.
تلك العيون الزرقاء.
عيون تلك الفتاة الصغيرة التي أصبحت أهم من أي شيء له.
“اذهبي حالاً. أنتِ قادرة على ذلك. و… انسي كل شيء.”
قال أليكسيون بتشديد.
“أيريس، انسي كل شيء.”
هزت أيريس رأسها كالمجنونة.
“لا أستطيع النسيان. لن أنسى. أنا، أنا لن أنساك أنت أبداً، يا أليك.”
“أيريس….”
“لذا، يجب أن تبقى على قيد الحياة.”
كان صوت أيريس يرتجف بشدة بالبكاء.
“أنا، سأعود حتماً لألقاك مجدداً…!”
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 101"