كان وجهها لا يزال يحمل آثار الدموع الجافّة، لكنه ما إن بدأ يستنير بالضحك حتى عادت إليه براءتُه وصفاءُه.
“أأكون قد بالغتُ؟ لكن، يُناسبه هذا الاسم حقاً. فهو يبدو تماماً مثل الأمير الوسيم.”
“…….”
أيقَنَ أليكسيون.
لم يكُن هو الهدف الحقيقيَّ لهذا الحلم أبداً.
‘الغرض هو غسل دماغ آيريس.’
عَرْضُ ذكريات زائفة في قالب حلم، ليجعلها تعتقد أنها الحقيقة.
“… هه.”
شبّك أليكسيون ذراعيه، فتطلّعتْ إليه آيريس بنظرة استغراب.
“ما بكَ فجأة؟”
“… لا يعجبني الاسم، ولا يعجبني هو أيضاً.”
“أنت لم تره حتى.”
“لا يهم، أعرف أنني أكرهه.”
عبستْ إيريس بوجهها.
“لكنه… ليس فتىً سيئاً. صحيح أنني خفتُ منه في البداية عندما رأيته أول مرة.”
‘لا بد أن أستيقظ من هذا الحلم بسرعة.’
أخذ أليكسيون يُفكّر.
كيف يمكنه الخروج من هذا الكابوس الذي ليس بكابوس؟
كان من حسن الحظ أنه تمكّن من القضاء على كل تلك الأشعة الضوئية.
على الأقل، لن تضطر آيريس بعد الآن لرؤية هذا الحلم الغريب.
وبينما كان غارقاً في تفكيره العميق،
سُمع وقعُ أقدام.
قفزت إيريس من مكانها وكأنها نابض.
“أنا… آسفة…!”
استدار أليكسيون ببطء.
كان رجلٌ يدخل من الباب الضيّق.
رجلٌ ذو شعر رمادي فاتح وعينين رماديتين، بدا كأنه كائنٌ اصطناعي أكثر منه إنساناً.
“… ألم أقل لكِ ألّا تخاطبيه؟”
“…….”
“مهمتكِ الوحيدة هي إعطاء الدواء لهذا الشيء.”
ارتجف أليكسيون رغماً عنه.
ذلك لأنّ في صوت الرجل نبرةً غريبةً يشعر أنه يعرفها.
شعور بالألفة، لا يمكن أن يأتي من ذكريات مُلفّقة، بل بدا وكأنه عاشها بنفسه في زمنٍ بعيدٍ جداً.
“لقد أعطيته الدواء. يقول إنه لم يعد يتألم.”
أسرعت آيريس بالقول.
“ألم أُحسن صنعاً؟”
“همم.”
توقّفت نظرة الرجل عند أليكسيون.
“هذا الشيء لا قيمة له… لكن يبدو أنكِ تؤثرين فيه بقوة أكبر من المتوقع.”
تابع قائلاً ببطء.
“يبدو أن هناك ما يُسمى بالانسجام.”
رفع الرجل يده.
في اللحظة التالية، لم يشعر أليكسيون سوى بالألم.
ألمٌ يبدو مألوفاً بشكل غريب.
“لا تفعل هذا به، أرجوك!”
صاحت إيريس.
“لا تفعل… أتوسّل إليك!”
ربما بسبب توسلات آيريس، انتهى الألم سريعاً.
ابتسم الرجل ابتسامةً باردةً، ثم انحنى نحو إيريس.
“عالجيه.”
“كي… كيف؟”
جهشت آيريس بالبكاء.
“لا أعرف سوى صنع الدواء… أستطيع علاجه بالدواء، لكن بدونه…!”
“أيتها الغبيّة.”
لم يكن صوت الرجل مرتفعاً، لكنه ارتدى بوضوح عن الجدران الحجرية.
“لم يكن لذلك الدواء أيّ مفعول. كنتِ تصنعين الدواء من أعشابٍ صالحة لوضعها في الشطائر فقط.”
اتسعت عينا آيريس في رعبٍ وخوف.
“هل… هل أعطيتُ أليكس دواءً لا يفيد بشيء؟”
“لا أدري.”
قبضة يد الرجل انقبضت على كتف آيريس.
“الأمر عائدٌ إليكِ. كل شيءٍ عائدٌ إليكِ.”
هامش: يتّضح هنا أن الرجل كارفيان كان يُجري تجارب قاسية على “أليكس” (التنين الصغير الذي كان يعتقد الجميع أنه مجرد حيوان أليف) وأعطى آيريس أعشاباً عديمة الفائدة لتجربتها عليه، ظناً منها أنها دواء.
***
“لقد اختفى الضوء كله!.”
بمجرد أن قالت ميريام، التي كانت قد خرجت من القبو لتتفقّد الأحوال، هذا الكلام، نهضت آيريس من مكانها فوراً.
لكن آرِن شدّها من ثوبها.
“ماما، ما زال الوضع خطيراً. بابا لم يعد بعد…”
“صحيح.”
انقطعت أنفاسها.
إذا كان الضوء قد اختفى حقاً، وكان أليكسيون هو السبب…
“هذا يعني أنه انتصر.”
لكن، هل هو بخير؟
ارتجفت آيريس.
شعرت بالأسى لأنها لا تستطيع فعل أي شيء سوى الجلوس في مثل هذه اللحظات.
مرّت ساعة.
ثم ساعتان.
لم تعد آيريس تنتظر أكثر.
“لا بد أن أذهب للبحث عنه.”
لقد وعدها أليكسيون بأنه سيعود حالما تنتهي الأمور.
لم يكُن من النوع الذي يذهب للنوم أو إلى مكتبه لإنجاز أعماله المتراكمة وهو يعلم أنها قلقة.
إذاً، هو لم يعد بعد.
نظرت ميريام إليها بنظرة قلقة.
“إذاً… إذاً دَعيني أذهب للبحث عنه. سأوقظ كبير الخدم أيضاً… أعتقد أنه من الأفضل أن تبقَيْ هنا يا سيدتي آيريس.”
“…..”
أومأت آيريس برأسها.
هي أيضاً رأت أن كلام ميريام صحيح.
بما أن هدف كارفيان سول كانت هي شخصياً، فالتعرّض للخطر سيكون غباءً.
“أنا… أنا أيضاً أريد الذهاب!”
قفز آرِن قفزةً صغيرة.
“أنا أيضاً، أنا… أنا تنّينٌ كبير جداً، يمكنني أن أكون عوناً كبيراً جداً.”
هزّت آيريس رأسها.
“يجب أن تبقى معي أنت أيضاً يا آرِن.”
“لماذا؟”
بدا آرِن وكأنه لا يفهم الموقف إطلاقاً.
“لأن كارفيان يستهدفك أيضاً.”
“لكني أنا كبير جداً وقوي جداً.”
ضمّت آيريس آرِن إلى صدرها بشدة.
وكأنها تقول إنها لم تستطع حماية أليكسيون، لكنها ستحميه هو على الأقل.
“إذا حدث لك مكروه… فلن أستطيع تحمّل ذلك أبداً.”
رمش آرِن بعينيه بسذاجة.
“لكن لن يحدث لي أي مكروه…”
“آرِن.”
نادت آيريس التنّين الصغير وهي تخفي تعبها وتحاول أن تكون هادئة قدر الإمكان.
“إذاً، احمِ ماما. ماما هي من هي في أخطر موقف الآن.”
انفرج وجه التنّين الصغير على الفور.
“همم…!”
شعرت آيريس بالارتياح.
كارفيان كان قد استهدف آرِن من قبل.
لذا، كان من الصواب ألا تُخرِج آرِن.
من جهة أخرى، خرجت ميريام إلى الخارج.
لم تبدُ عليها علامات التوتر.
كانت تعتقد أن الدوق، بعد أن هزم الظاهرة الغريبة التي صنعها الساحر بسهولة، لابد أنه يتفقد المناطق المحيطة بهدوء.
لكن الخدم الذين خرجوا مع ميريام للبحث وجدوا أنفسهم أمام موقف غير متوقّع.
في الحديقة المغطاة بالثلوج، كان أليكسيون تيت مُلقىً على الأرض فاقداً للوعي.
لحسن حظ الجميع، تصرّف كبير الخدم بنيامين بهدوء وحكمة.
كما لو أنه سبق وتعامل مع موقف سقوط رب البيت وسيده مغشياً عليه من قبل، طلب التكتم ونقله إلى غرفة نومه.
ولم ينسَ أن يضع أمهر الفرسان على حراسة الباب.
وزاد على ذلك أمراً واحداً:
أدخل آيريس إلى غرفة نوم الدوق.
لأنه، بحسب تقديره، من بين كل المحاولات التي جرت بخصوص نوم الدوق، كانت آيريس روبين الوحيدة الناجحة.
‘وربما، بقدرتها الخارقة تلك، تستطيع إيقاظه.’
كان بنيامين يؤمن إيماناً راسخاً بقدرة آيريس.
فبفضلها، اختفى الألم ولو لوقت قصير، وأصبح يستطيع المشي وكأنه أصغر بعقود من الزمن.
كما كان واثقاً من أن أليكسيون، حين يستيقظ ويجد آيريس في غرفته، لن يلومه.
بنيامين، بحكم عمره وخبرته، كان خبيراً في فهم العلاقات بين الناس.
لم يكن بالإمكان تفسير المشاعر الخاصة التي تترعرع بهدوء بين الدوق وآيريس بمجرّد كونهما يتشاركان تربية تنّين.
‘سيكون أمراً رائعاً أن يجد سيّدي رفيق عمره.’
ربما يكون هذا التنّين، الذي بدا في البداية مجرد مصدر إزعاج، هو الجسر الوردي الذي جمعهما.
التعليقات لهذا الفصل " 100"