4 - قداس لروح ذلك الحقير
كان من المقرر إقامة جنازة “ليا هاميلتون” في أكبر كنيسة في “ليبون”، عاصمة إمبراطورية روبيك.
وصلَت ليا إلى الكنيسة قبل ساعتين من بدء المراسم، لقد بذلت جهداً في إبعاد “بولين” خارج الكنيسة؛ إذ لم يكن بوسعها السماح لأي شخص برؤية حزنها.
‘لا ترتجفي، واجهي الواقع.’
شبكت ليا يديها اللتين ترتديان قفازات سوداء، هل هناك شخص آخر في هذا العالم يراقب جنازته وهو في جسد شخص آخر؟.
شعرت باهتزازات طفيفة تسري من أصابع قدميها إلى كامل جسدها، وكأن زلزالاً يضرب الأرض من تحتها، كان ذلك يقيناً بداية اليأس الذي سيواجه مشهداً مروعاً عما قريب.
‘يجب أن أكون قوية، أنتِ لا تزالين على قيد الحياة.’
ظلت ليا تشجع نفسها وكأنها تتمتم بتعويذة، وبعد أن استجمعت شتات قلبها، لم تتردد أكثر ودخلت إلى الكنيسة.
كان المشهد لا يختلف عن أي مصلّى آخر؛ صليب ضخم، وخلفه نافذة من الزجاج الملون يتدفق عبرها أضواء متعددة الألوان.
لكن عيني ليا لم تريا سوى التابوت الخشبي الذي يرقد فيه جسدها، لم تتوقف خطواتها، بل مشت مباشرة نحو التابوت، وأخيراً، واجهت الحقيقة.
“أوه، يا إلهي!”
رغم أن ليا كانت تؤمن بالعلم أكثر من الإيمان في العادة، إلا أنها وجدت نفسها تنادي الخالق بمجرد رؤية جثتها، تابوت خشبي مليء بزنابق بيضاء، وفيه ترقد “نفسها” التي بلغت العشرين من عمرها بالكاد.
‘كيف يمكن أن يكون الأمر بهذا الفظاعة؟’
رغم أن الناس قاموا بترميم الجثة، إلا أن معالم الوجه كانت مشوهة لدرجة لا تُعرف، لم تستطع ليا حتى أن تظهر تعبيراً حزيناً، بل اكتفت بذرف الدموع بصمت.
‘أنا آسفة، أنا مَن قتلتُكِ يا ليا هاميلتون.’
لم تكن تتخيل أن ضريبة حب رجل واحد ستكون بهذا القسوة.
“أعدُكِ، بعد أن قتلتُكِ ودمرتُ والدي…”
غصّت ليا ولم تستطع إكمال كلماتها من شدة انفعالها، لكنها لم تملك ترف الاستسلام لليأس الآن، فهي لا تملك حتى الحق في ذلك.
“سأجرّ ألين حتماً إلى الجحيم، إلى اعماقه.”
سمعت أن البشر يرتجفون من الخوف قبل عبور أبواب الجحيم، عليها أن تجعله يعاني ألماً مريراً، لا هو بالميت ولا هو بالحي، ولا هو بقادر على العودة.
“سأكون جحيم ألين مكدوال بكل سرور.”
مسحت ليا دموعها بيدها؛ فما زال الوقت مبكراً على النحيب، لم يكن مسموحاً لمساحيق التجميل التي وضعتها بعناية من أجل هذا اليوم أن تمحي.
“بمجرد انتهاء الأمر، سألحق بكِ قريباً، وداعاً، ليا هاميلتون.”
ودّعت نفسها بنبرة هادئة، ثم تفحصت الجثة، كان عليها العثور على القلادة التي أعطاها إياها والدها، لكن القلادة لم تكن موجودة في أي مكان.
‘لماذا ليست موجودة؟ هل فُقدت؟’
في تلك اللحظة، ظهر قس مسن داخل الكنيسة، بدا وكأنه الأسقف المسؤول عن الجنازة.
“أيها الأسقف، ألم تكن هناك متعلقات شخصية مع الجثة؟” سألت ليا دون مقدمات.
“آه، المتعلقات الشخصية لا بد أن أفراد عائلة الدوق كورتوا الذين عثروا على الجثة قد احتفظوا بها بشكل منفصل، لتسليمها لذوي المتوفاة.”
‘الدوق كورتوا؟’
لقد أصبح الأمر شائكاً.
حان وقت بدء الجنازة، ورغم وصول العازف الذي سيؤدي موسيقى القداس الجنائزي، لم يكن هناك من معزين سوى ليا.
“ألم يصل المعزون بعد؟” سأل الأسقف مستغرباً وهو يقترب من ليا؛ فمن الغريب أن تظل القاعة فارغة هكذا.
“أنا وحدي أكفي.”
“عفواً؟”
“يمكنكم البدء بمراسم الجنازة.”
“لكن المقاعد لا تزال… حسناً، فهمت.”
أدرك الأسقف بعد أن التفت حوله أن أحداً لن يأتي، فوافق بسرعة.
‘أنا أعلم، ألين مكدوال سيأتي حتماً.’
شبكت ليا يديها وبدأت تصلي، داعيةً أن يأتي ألين…
وأخيراً، بدأ الأسقف الصلاة من أجل “ليا” المسكينة التي فارقت الحياة مبكراً، وبينما كانت صلاته المؤثرة تصل إلى ذروتها، شعرت ليا بحركة عند الباب تماماً كما توقعت، لقد وصل أخيراً.
“ليا!”
على عكس نبرة صوته المنفعلة، كان وقع أقدامه هادئة، توقف الأسقف عن الصلاة ونظر نحو الباب، لكن ليا استمرت في صلاتها، كانت تعرف تماماً من القادم، لذا حاولت التزام الهدوء بدلاً من الارتباك.
“من أنت؟” سأل الأسقف بوقار، لكن صوته حمل نبرة انزعاج من الغريب الذي لم يلتزم بالآداب؛ فمن الأدب أن يجلس المعزي بهدوء ويراقب الجنازة.
رتبت ليا خمارها الأسود، ثم نهضت من مكانها واستعدت لمواجهته، وأخيراً، رأته، الرجل ذو الشعر الأشقر اللامع والملامح الفاتنة، ورأت أيضاً خطأ اختيارها الذي تلطخ بخطايا لا تغتفر.
“السيد ألين مكدوال؟”
“نعم، أنا ألين مكدوال… ومن أنتِ؟”
“أنا غريس فيزاك.”
لا بد أنه يشغل عقله الآن: ‘مَن تكون هذه المرأة؟، ليا لم تملك صديقة كهذه.’
كان بإمكان ليا سماع صوت ألين وهو يسترجع ذكرياته بسرعة؛ لقد كان رجلاً يعرف أدق تفاصيل حياة ليا، وماذا تحب وماذا تكره، وحتى أي فستان وزينة كانت ترتدي في كل يوم من أيام الأسبوع.
“ما علاقتكِ بليا؟ هل أنتِ صديقتها؟”
“صديقة… لا، لست كذلك.”
“من أنتِ إذن؟”
“كانت هناك علاقة قديمة بين عائلتي ومؤسسة هاميلتون التجارية، لذا لم يكن يسعني إلا الحضور.”
“آه، فهمت، شكراً لكِ.”
حينها فقط غمرت ملامح ألين حالة من الارتياح، أحنت ليا رأسها قليلاً لتعزيه، ثم أفسحت له الطريق، فتقدم ألين بخطوات مترنحة نحو التابوت.
“ليا.”
رفع ألين الغطاء القماشي الرقيق الذي يغطي الجثة، وعلى عكس يديه المرتجفتين، كانت عيناه تفيضان برغبة في التأكد؛ التأكد الأخير الذي يحتاجه في طريقه ليصبح المالك الجديد لمؤسسة هاميلتون.
“كيف حدث هذا…!”
الجثة التي ترقد مرتدية فستان الزفاف كانت بلا شك “ليا هاميلتون”. تظاهر ألين بعدم القدرة على كبح حزنه، فجثا على ركبتيه وذرف دموعاً مريرة.
“كان عليكِ الاستماع إليّ، لماذا كنتِ متهورة إلى هذا الحد!”
برزت العروق على ظهر يد ألين المرتكزة على التابوت، كان ينتحب وأكتافه ترتجف وكأنه لا يحتمل النهاية المأساوية لخطيبته.
انتظرت ليا تلك اللحظة تحديداً، ثم اقتربت منه وربتت على كتفه لتعزيه.
“لا أدري أي كلمات عزاء يمكنني قولها لك.”
اندهشت ليا من قدرتها على تعزية عدوها الذي قتلها بنبرة تفيض بالنبل والوقار.
‘أنتِ الآن غريس فيزاك.’
ظلت تردد في سرها كي لا تخطئ أمام ألين، كان جسد غريس جميلاً بلا شائبة، باستثناء كونه ضعيفًا بشكل غير عادي، شعر ذهبي لامع، بشرة بيضاء، وعينان بنفسجيتان تميلان للزرقة تلمعان كالجواهر.
وليس ذلك فحسب، بل كانت أنفاسها رقيقة كنسيم الصباح؛ لدرجة تجعل أي شخص يفتن بها.
استعاد ألين رباطة جأشه متظاهراً بصفة الخطيب المكلوم، والتفت نحو ليا.
“شكراً لكِ على مرافقة خطيبتي في رحلتها الأخيرة.”
“لا شكر على واجب، إنه أمر مؤسف حقاً.”
“لا، لقد فعلتِ ما لم أستطع فعله، لقد بحثتُ عن ليا في كل مكان، لكنني فشلتُ في منع هذه المأساة في النهاية.”
شرح ألين لليا باختصار لماذا هربت ليا، وكيف هو وضع مؤسسة هاميلتون في موطنها.
“لقد حاولت إقناع ليا ووالدها حتى النهاية، لكن التاجر قال إن عليه بيع أي شيء يجلب المال، وتجاهل كلامي.”
“يا للأسف…!”
أدركت ليا بمرارة كم كانت إنسانة مغرورة حين توهمت أنها تعرف شخصاً ما حق المعرفة.
‘في النهاية، لم أكن أعرف شيئاً عن ألين.’
“لقد استجمعتُ شجاعتي لأن الأمر كان يتنافى مع مبادئي وأخلاقي، لكنني لم أتخيل أبداً أن تتركني ليا وتهرب بتلك الطريقة.”
كان يتحدث والدموع لا تتوقف عن الانهمار من عينيه، أخرجت ليا منديلاً من حقيبتها الصغيرة وقدمته له، شعرت برغبة عارمة في خنقه في تلك اللحظة، لكنها كظمت غيظها وعضت على شفتيها.
“وفر دموعك.”
تصدع صوت ليا دون قصد؛ فقد شعرت بالاشمئزاز منه وهو يسرد الأكاذيب والتصنع أمامها.
“لو كنتُ مكانها… لـ…كرهتُ ذلك، أعتقد أنها كانت لتتمنى ألا يحزن الرجل الذي أحبته عليها طويلاً.”
“فهمت، شكراً لكِ على هذا العزاء.”
“الآنسة هاميلتون الراحلة ستدرك بالتأكيد مشاعرك، أيها الخطيب.”
“لكنني سأظل نادماً طوال حياتي لأنني لم أكن أكثر حزماً في إقناعها في ذلك اليوم.”
مسح ألين دموعه بالمنديل الذي أعطته إياه ليا وتابع: “كانت ليا عنيدة جداً، ولم تكن تستمع لكلامي.”
نظرت ليا إلى ألين بشفقة مصطنعة ثم استدارت لترحل، لكنه استوقفها بنبرة ناعمة.
“آنسة فيزاك، أعتذر، لكنني أود معرفة تفاصيل لحظات ليا الأخيرة، متى يمكنكِ تخصيص بعض الوقت لي؟”
“عفواً؟”
وبينما كانت ليا تهم بالرد، تردد صدى صوت رجل آخر في المصلّى بنبرة منخفضة.
“غريس.”
تتبعت نظرات ليا مصدر الصوت، كغريزة تستجيب لمحفز، سار رجل يرتدي زياً عسكرياً أسود نحو ليا وألين.
كان رجلاً يملأ الممر الضيق بطوله وبنيته القوية، مرتدياً السواد بالكامل، بوجه بارد كالثلج ينبعث منه وهج حار كالنار، كانت عيناه السوداواتان اللتان تسيطران على المرء قادرتين على إحباط أي شخص، وأقوى بمراحل من ألين.
“أيها الدوق كورتوا.”
عندما اقتربت ليا منه بترحيب، لف ذراعه حول كتفها بشكل طبيعي.
“!؟”
ارتجف جسد ليا دون قصد من تصرفه.
‘ما خطب هذا الرجل أيضاً؟، يفعل أشياء لم يعتد فعلها.’
“لقد وصل أخيراً خطيب الآنسة هاميلتون.”
رفعت ليا رأسها برقة وهمست له، حاول ألين تحليل الموقف وهو ينظر إلى ليا وتيرون؛ لا بد أنه اعتبرهما حبيبين.
“من الجيد أن ‘كبير المعزين’ قد وصل، كنت أتساءل ماذا سيحدث لو دُفنت كجثة مجهولة في مقبرة عامة.”
حملت كلماته نبرة لوم موجهة لألين الذي ظهر متأخراً.
“لقد كان حزيناً جداً.”
“إذن، هل انتهينا مما علينا فعله، غريس؟”
“نعم.”
في تلك اللحظة، اقترب ألين الذي كان يراقب الوضع من ليا.
“آنسة فيزاك، من فضلكِ عرفيني على الشخص الذي بجانبكِ، أود تقديم شكري له.”
“إنه الدوق تيرون كورتوا.”
“عفواً؟ آه، أنت إذن الدوق الشهير تيرون كورتوا، أنا ألين مكدوال.، أشكرك على إقامة جنازة خطيبتي، سأرد لك هذا المعروف بالتأكيد.”
بدا ألين مندهشاً من لقاء تيرون، الذي لم يسمع عنه إلا في الإشاعات، أكثر من اندهاشه بوفاة خطيبته، لكن تيرون حدق فيه بوجه خالٍ من المشاعر، ثم أدار وجهه لينظر إلى خطيبته.
“فلنذهب.”
استدار تيرون وهو يحتضن كتف غريس، لكن ألين لم يتركهما يرحلان بسهولة.
“عذراً، أخبريني بشيء واحد آخر.”
خطا ألين خطوات واسعة وسأل ليا، لا تيرون.
“ماذا تريد أن تعرف؟”
“هل تركت ليا أي متعلقات خلفها؟، أمم، كقلادة مثلاً؟”
“قلادة؟”
“لا… لا شيء، سأبحث بنفسي.”
أفسح ألين الطريق بسرعة بعد أن رأى رد فعل ليا المستغرب.
“هل هي قلادة مهمة؟” سألت ليا وهي تشعر بالفضول تجاه رد ألين.
“إنها قطعة تتوارثها المؤسسة التجارية عبر الأجيال، وأردتُ الحفاظ عليها كذكرى ثمينة.”
“قلادة كهذه لا بد أنها تحمل تاريخ وأسرار المؤسسة التجارية، لكنني لا أعرف شيئاً عنها.”
قالت ليا ذلك لألين بينما اتجهت نظراتها نحو تيرون؛ فالشخص الذي يملك القلادة هو شخص آخر بالتأكيد.
“فهمت…”
التفتت ليا بعيداً عن ألين بوجه يظهر الأسف، بينما كانت تكتم غضباً يملأ صدرها.
“سيتم دفن خطيبتك هنا في مقبرة الكنيسة.”
“أيها الدوق كورتوا، لا يمكنني ترك ليا في أرض غريبة.”
“سيكون ذلك أفضل من أن تُنبذ في موطنها، أليس كذلك؟”
تحدث تيرون بنبرة هادئة موجهة لألين.
“ماذا تقصد بذلك؟”
بدا ألين مصدوماً وكأن تيرون قد أدرك نواياه الخفية.
“لا حاجة لشرح ما تفهمه بالفعل.”
“لكن يمكنني طلب تسليم الجثة إلى غالدينسيا.”
تدخلت غريس (ليا) التي كانت تستمع لحديثهما.
“ألا تريد لخطيبتك الحبيبة أن ترقد بسلام؟”
إذا لم يعاند ألين، فإن جسد ليا الراحل سيظل على الأقل بسلام، صمت ألين عند سماع ذلك؛ فقد كان يريد التعامل مع جثة ليا في غالدينسيا لضمان التخلص من كل الأثر، لكن بما أنه تأكد من موتها، فلا داعي للعناد. ‘الموتى لا يتكلمون.’
في تلك اللحظة، رنّت موسيقى القداس الجنائزي الحزينة في الكنيسة، اتجهت نظرات ليا تلقائياً نحو التابوت، ثم تحركت نحو ألين.
‘هذا قداس لروحك، أيها الحقير!’
Chapters
Comments
- 5 - هل الدوق عاجز؟ منذ يوم واحد
- 4 - قداس لروح ذلك الحقير منذ يوم واحد
- 3 - حياة مستعارة منذ يوم واحد
- 2 - حب يستحق الموت منذ يوم واحد
- 1 - جحيم الزواج 2025-12-31
التعليقات لهذا الفصل " 4"