1 - جحيم الزواج
“أنا، ليا هاميلتون، أحب ألين. حتى لو أشار إلينا العالم بأصابع الاتهام، فسوف نتزوج ونعيش في سعادة غامرة رغم أنوف الجميع.”
كانت “مؤسسة هاميلتون التجارية” في إمبراطورية “غالدينسيا” عائلة تجارية توارثت المهنة لعدة أجيال، بدأت تجارتها ببيع صوف الأغنام في الريف، والآن أصبحت مؤسسة تجارية ضخمة تتاجر مع قارات بعيدة، ولا توجد سلعة لا تتعامل بها.
واليوم، كان يوم زفاف “ليا هاميلتون”، الوريثة الوحيدة لمؤسسة هاميلتون.
“آنستي، هل أزيد لكِ القليل من مستحضرات التجميل؟”
أسرعت “سارة” بإحضار أدوات التجميل.
“لا، المكياج والفستان بهذا القدر كافيان.”
قررت ليا إنهاء التزين، ثم وقفت أمام مرآة كاملة الطول لتفحص مظهرها للمرة الأخيرة.
“أريد أن أكون عروساً تليق بمكانة ألين، أنيقة وذات هيبة، هذا القدر مناسب تماماً.”
لم تكن ترغب في الانجرار وراء الشائعات لمجرد زواجها من “ألين” الذي ينتمي لطبقة النبلاء، شائعات من قبيل أنها مجرد تاجرة ثرية تتزوج نبيلاً، أو أنها لطخت جسدها بالمال…
في الحقيقة، كم كانت الأقاويل كثيرة حول زواجها من ألين! جميع الصحف اليومية في العاصمة عاملته كشخص مادي، قائلة إن ألين اختار المال بدلاً من كبرياء النبلاء.
“آنستي ليا، حان وقت الذهاب إلى قاعة الزفاف.”
حينها فقط، شعرت ليا بحقيقة زواجها من ألين، لدرجة أن باقة الزهور في يدها ارتجفت قليلاً.
وفي تلك اللحظة، فُتح الباب وظهر رجل.
“ألين!”
“ليا.”
شعر أشقر لامع، وعينان زرقاوان، ملامح وجه متناسقة وبنية جسدية ممشوقة، ولعله بسبب ارتدائه لملابس الزفاف الفاخرة، كان النبل يفيض منه إفاضة، كان بالفعل ابناً لعائلة نبيلة عريقة؛ لم تظهر عليه أدنى ملامح المعاناة التي تعيشها العائلات الفقيرة.
“أميرتي، لقد جئتُ لأرافقكِ.”
“أنا ممتنة لك، يا أميري.”
بسبب حقيقة أن الزفاف سيبدأ قريباً، حاولت ليا جاهدة تبديد توترها بمزاح مبالغ فيه.
“ولكن، هل يعقل أن تكوني بهذا الجمال؟”
“ماذا…؟ أوه ألين، توقف عن ذلك.”
شعرت ليا وكأن قلبها سينفجر من نظرات ألين العميقة إليها. هل توجد امرأة أخرى في هذا العالم بمثل سعادتها؟
أخيراً، مدّ ألين يده إلى ليا.
“هل نذهب يا ملاكي؟”
“من فضلك، خفف من هذه الكلمات، سيسخر منا الآخرون.”
“وماذا في ذلك؟ ما المانع من قول أي شيء لامرأتي التي أحبها؟”
كان زفافاً مثالياً في كل شيء، كان ضخماً وفاخراً، وكان معظم الضيوف المدعوين من صفوة النبلاء في إمبراطورية غالدينسيا.
استمر ذلك حتى دُسّ ممر الزفاف بوحشية تحت وطأة أحذية الجنود الغليظة التابعة لمدير مصلحة الأمن. لقد حولوا زفاف ليا إلى جحيم في لحظة.
“لقد تم العثور على كميات كبيرة من زهور الخشخاش المجففة في سفينة الشحن التابعة لمؤسسة هاميلتون التي رست بالأمس، لقد تم تأمين الأدلة، والمتورطين، والوثائق، لذا عليكم مرافقتنا إلى مصلحة الأمن.”
سادت الفوضى بين الحضور عند سماع كلمات مدير الأمن.
تهريب؟ وعلاوة على ذلك، زهور خشخاش مجففة يمكن استخدامها في صنع المخدرات؟ مهما كانت المؤسسة التجارية كبرى، لم يكن ليمر الأمر مرور الكرام، وبما أنها أكبر جريمة في إمبراطورية غالدينسيا، فإن الجناة في أسوأ الأحوال لن يفلتوا من حبل المشنقة.
“فلنذهب، سيد ريتشارد هاميلتون.”
بينما كان رجال الشرطة يحاولون تقييد ريتشارد، أخذ ألين ليا وتحرك ببطء نحو الباب الخلفي للقاعة.
“ألين! والدي…!”
“ليا، يجب أن نهرب أولاً.”
“ولكن!”
“تدخُّل مدير الأمن يعني وجود أمر إمبراطوري، ألا تعرفين أن الرفض يعني أن تصبحي خائنة؟”
أخرج ألين ليا من قاعة الزفاف على عجل، وبينما كانت ليا منقادة بيد ألين، تعبر حديقة الكنيسة وتصل إلى زقاق منزوٍ، دوي صوت انفجار مدوٍ.
طاخ- طاخ-!
أصوات طلقات نارية متعددة وصراخ قادم من القاعة، والضجيج الصاخب للناس الذين يحاولون الفرار، جعلت خطوات ليا تتوقف.
“لا يمكنني ذلك، يجب أن أذهب لوالدي…!”
“انظري إليّ جيداً! ليا هاميلتون!”
أمسك ألين بكتفي ليا وصرخ فيها بقوة، بدا وكأنه يلتقط أنفاسه، ثم قال بنبرة هادئة:
“لقد طلب مني السيد ريتشارد هاميلتون ذلك، طلب مني أنه إذا حدث أي مكروه، فعليّ أن أهرب بليا إلى مكان آمن مهما كان الثمن.”
“ماذا تقول؟”
في تلك اللحظة، وكأنه كان أمراً مُعداً مسبقاً، توقفت عربة أمام الإثنين.
“اذهبي إلى الريف حالياً، سيأخذكِ السائق إلى منزل آمن.”
“ماذا عنك يا ألين؟”
“يجب أن أنقذ والدكِ، بمجرد حل الأمور هنا، سأبحث عنكِ حتماً.”
حينها فقط، انفجرت ليا بالبكاء بسبب الخوف الأسود الذي داهمها، كما ارتجف جسدها من رعب جعل فرائصها ترتعد عانق ألين ليا وقبلها على عجلة، ثم أصعدها إلى العربة.
“انتظريني، سآتي لأخذكِ بالتأكيد.”
“ألين…!”
نادت ليا عليه وهي تخرج وجهها من النافذة بينما كان يبتعد أكثر فأكثر.
كانت العربة لا تزال تجري، وكان الظلام دامساً في الخارج، إلى أي ريف يتجهون ليواصلوا الركض دون توقف؟، مسحت ليا دموعها بظهر يدها، ثم فتحت نافذة العربة، فدخل هواء الليل البارد فجأة.
لكنها لم تعرف أين هي على الإطلاق، كان من الغريب أن العربة لا تسلك إلا الطرق الوعرة التي تفتقر لمصابيح الغاز، هل يسلكون الطرق النائية فقط لتجنب تفتيش جنود الأمن المحتمل؟
في تلك اللحظة، سُمع صوت اصطدام قوي واهتزت العربة بعنف، كان شعوراً كما لو أن الخيل قد انفصلت عن العربة، أخرجت ليا رأسها بسرعة من النافذة.
“يا إلهي!”
ذعرت ليا من المشهد الذي رأته عيناها، لقد اختفى الخيل والسائق دون أثر، وبقيت العربة وحيدة تندفع بقوة نحو المنحدر، بل كانت تتسابق نحو حافة الهاوية.
“لا!”
صرخت ليا ودفعت مقبض الباب محاولة الهروب من العربة، انفتح الباب بصوت عالٍ وسقطت العجلة الخلفية للعربة، بدا الأمر وكأنها ستسقط حتماً في هاوية سحيقة لا قاع لها، فكرت في القفز للحظة، لكن سرعة العربة كانت كبيرة جداً لدرجة أنها لم تجرؤ على ذلك.
‘لكن يجب أن أقفز.’
لأنها إذا بقيت هكذا، ستموت محبوسة داخل العربة وهي تسقط من الجرف، التقطت ليا أنفاسها وحاولت القفز من العربة، لكن ثوبها الفاخر والمنفوش تمزق وعلق بباب العربة، مما جعلها عاجزة عن الحركة تماماً.
وفي تلك اللحظة الحرجة التي أصبحت فيها على وشك السقوط من الجرف، دهم ظلال الموت عينيها.
“آآآآه!”
كرررج! اندفعت العربة حتى حافة الجرف وسقطت في الهاوية السوداء، شق صراخ ليا المرير هواء الليل بقوة، اصطدمت العربة بالجرف المائل وتدحرجت حتى تحطمت إلى أشلاء.
نباح كلاب ووقع أقدام غريبة وبدقة أكثر، كانت أصوات رجال، حاولت ليا فتح عينيها.
‘أشخاص…’
حركت ليا عينيها جانباً، لكنها لم تشعر بأي إحساس أسفل عنقها.
‘كلب واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة. لا، هناك شخص واحد.’
ثلاثة كلاب صيد ورجل يستدبر ضوء القمر، تتبعت ببصرها حذاء الصيد عالي الجودة، فرأت بندقية طويلة يمسكها الرجل بيده الضخمة، كان ثوب الصيد الأسود الذي يرتديه مطرزاً ببراعة بشعار نسر ذهبي فاخر. وعندما هبت الريح، رفرفت عباءته كالأجنحة.
شعرت ليا بالفضول لرؤية وجه الرجل وحاولت فتح عينيها أكثر، لكن حتى ذلك لم يكن سهلاً، بدا وكأنه يملك شعراً شديد السواد ونظرات حادة، وبينما كان وعي ليا يغيب مرة أخرى، سمعت صوت الرجل:
“الموت بسلام هو حظ سعيد أيضاً، أتمنى أن تذهبي إلى مكان أفضل.”
كانت كلمات الرجل المليئة بالأسف هي نهاية وعيها.
شعرت ليا وكأنها كانت تحبس أنفاسها تحت الماء ثم خرجت لتقابل الهواء، كانت تتنفس بهدوء وبطء شديدين، شعرت وكأن روحها تتلاشى كالدخان ثم تزهر من جديد.
عانت ليا من كابوس رهيب، لكن يبدو أن للألم نهاية؛ إذ أصبح جسدها تدريجياً خفيفاً كالريشة وكأنها تسبح في الفراغ.
‘لقد متُّ إذن.’
فلولا ذلك، لما كان جسدها حراً هكذا دون ألم فظيع، كانت ليا تُساق مع الريح كبذور الهندباء.
‘هل متُّ وأصبحتُ ريحاً؟’
تحول العالم إلى ألوان زاهية وطارت بها الريح إلى مكان غريب، ثم سقطت بضعف في قلعة مهيبة، في ليلة ينهمر فيها المطر الغزير، كان رجل وامرأة يتجادلان تحت المطر.
“تيرون، ما هو سبب تأجيلك للزواج مراراً وتكراراً؟ إذا كنت ستفعل ذلك، فلماذا خطبتني من الأساس؟”
“غريس، كفي عن التذمر قليلاً.”
ارتبكت ليا.
‘ما الذي أراه؟ هل هذا حلم؟’
لم تفهم لماذا يتعين عليها مشاهدة شجار عشاق لا تعرفهم بتاتاً، ثم، لمح الرجل بنظرته الحادة اتجاه ليا.
‘إنه ذلك الرجل الذي رأيته عند الجرف.’
حاولت ليا الهروب بغريزتها، لكن جسدها انجذب نحو تلك المرأة التي تدعى “غريس” وكأنها غارقة في إعصار هائل، ومهما حاولت الإفلات، كان الأمر يشبه الوقوع في مستنقع دوار، وأخيراً، بعد أن انجذب جسدها تماماً، غاب وعيها أيضاً.
‘الموت لم يكن بداية الخوف، بل كان راحة.’
حينها فقط شعرت ليا بالسكينة.
أحياناً كان رأسها يؤلمها وتسعل بشدة، وفي كل مرة كان يقترب شخص ما ويضع منشفة مبللة على جبينها. ولم يكن ذلك فحسب، بل كان يُسكب في فمها دواء مرّ المذاق في المواعيد المحددة، وهكذا، بعد نوبات متكررة من الحمى والألم، تصبب جسدها عرقاً بارداً وانخفضت حرارتها.
“آه…!”
عندما تأوهت ليا ورمشت بأجفانها، سُمع صوت أقدام مضطربة.
“آنستي، هل استعدتِ وعيكِ؟”
من خلال رؤيتها الضبابية، رأت امرأة ترفع شعرها الأسود بأناقة وعلى أنفها نمش متناثر.
‘ليست سارة، مَن هذه إذن؟’
وفي تلك اللحظة من التساؤل، بدأت المرأة الغريبة تنهال عليها بالتذمر:
“أنتِ تعرفين شخصية الدوق، فلماذا تصرين على الزواج منه في يوم ممطر كهذا؟”
‘عن ماذا تتحدث؟ اليوم الذي تزوجتُ فيه لم يكن ممطراً، وألين ليس دوقاً.’
“ألم أقل لكِ مراراً إن الرجال يملون بسرعة عندما تتودد إليهم المرأة بنشاط زائد؟”
“مَـ…ن؟”
أخرجت ليا صوتاً بصعوبة من شفتيها الجافتين المتشققتين، بدت وكأنها خادمة، لكنها أرادت معرفة اسمها.
“يا إلهي! هل نسيتِ اسمي لأنكِ كنتِ مريضة؟ أنا بولين.”
“آه! بولـ…ين، أريد النهوض.”
ساعدت بولين ليا على النهوض ووضعت عدة وسائد خلف ظهرها، تفقدت ليا المكان الذي تتواجد فيه؛ كان مكاناً غريباً لكنه لم يكن غريباً تماماً، كانت غرفتها أفخر من هذه، وكان الأثاث، والإضاءة، والستائر، والتماثيل من أرقى الأنواع، وعلاوة على ذلك، كانت تفوح من هذا المكان رائحة لم تشمها من قبل.
‘رائحة العزلة والنقص.’
في تلك اللحظة، فُتح الباب ودخلت ريح باردة إلى الداخل، سُمع صوت وقع أحذية عسكرية مألوف، ثم وقف أمامها رجل ينبعث منه حضور قوي يملأ المكان.
‘هذا الرجل؟’
تذكرت ليا هذا الرجل بدقة، ففي اللحظة التي غاب فيها وعيها، وعندما أصبحت كبذرة هائمة في العالم، ظهر أمامها مراراً وتكراراً.
بشرة بيضاء تتباين مع شعره الفاحم، وعينان حادتان غارقتان في التفكير بلون أسود متألق، أنف شامخ بشموخ العناد وشفتان مغلقتان بإحكام، كان يبدو مثالياً كلوحة مرسومة، كان وسيماً بلا شك، لكن ما يسيطر على المرء هو حضوره الطاغي.
“أنا سعيد لأنكِ استيقظتِ، غريس.”
‘غريس؟ أنا؟’
Chapters
Comments
- 1 - جحيم الزواج منذ 8 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 1"