الفصل 2
كان العناق الذي جمع فيولا بجدّها أرماند ڤلين عناقًا قويًا على غير ما توقعت، عناقًا يحمل في طيّاته ثقل السنوات التي مضت، ودفئًا نادرًا لا يظهر كثيرًا في أروقة قصر فلينغا الكبرى، حيث كانت ملامح الجد القاسية تلين للحظة واحدة فقط، لحظة احتضانه لحفيدته التي كبرت بعيدًا عن عينيه.
كانت فيولا ثابتة بين ذراعيه، شعرها الأسود مرتب بعناية رغم انتهاء تدريبها، وملابسها التدريبية نظيفة، لا تحمل سوى أثر خفيف من الحركة، بينما عيناها الذهبيتان تراقبان تعابير وجه جدّها بهدوء ناضج لا يناسب عمرها.
ابتسم أرماند أخيرًا، ابتسامة حقيقية، وقال بصوت عميق يحمل بقايا الحروب القديمة:
“حفيدتي… كيف حالكِ؟ لم أركِ منذ زمن طويل.”
رفعت فيولا رأسها قليلًا، وأجابت بصوت هادئ وواضح:
“أنا بخير يا جدي، شكرًا لسؤالك، وأنت كيف حالك؟ حقًا… لم أرك منذ زمن طويل.”
ضحك أرماند ضحكة خفيفة، ثم قال.
“أنا بخير يا فيولا، شكرًا لكِ.”
توقفت فيولا لحظة، ثم نظرت إلى جدها مرة أخرى، وسألت بنبرة تحمل فضولًا صادقًا.
“جدي… أبي عاد من القمع، أليس كذلك؟ هل رأيته؟”
تحولت نظرة أرماند ببطء نحو ابنه راينارد، الذي كان واقفًا بصمت، جسده مستقيم كالسيف، وعيناه الزرقاوان جامدتان كالجليد، فقال أرماند بنبرة لا تخلو من السخرية.
“أعلم، راينارد عاد. هذا الرجل صارم كما كان دائمًا، لم يتغير يومًا… الجميع يخافون منه، أليس كذلك يا فيولا؟”
لكن فيولا لم تُجب فورًا، بل بقيت واقفة في مكانها، فيما التفت راينارد بعينيه الزرقاوين نحوها مباشرة، وقال بصوت منخفض لكنه حازم.
“أبي، هل ما زلتَ تراني أحمقًا كما كنتَ دائمًا؟ أنا لست صارمًا مع ابنتي، أنا أحب فيولا أكثر مما تتخيل.”
ضحك أرماند ضحكة قصيرة جافة، وقال.
“في عينيّ، ما زلتَ أحمقًا يا راينارد. أنت صارم مع الجميع، مخيف للجميع، حتى لو أنك تحب ابنتك.”
بدأ التوتر يتصاعد، كلمات حادة تتبادل، ذكريات قديمة تعود، إلى أن.
“كفى!”
ارتفع صوت فيولا فجأة، واضحًا، ثابتًا، يحمل قوة لا تتناسب مع جسد طفلة.
“توقفا عن الشجار… يا أبي، يا جدي، لماذا تتشاجران؟ هذا يكفي، توقفا الآن.”
نظر راينارد إليها فورًا، ثم قال بنبرة أكثر هدوءًا.
“حسنًا يا فيولا، سنتوقف… أليس كذلك يا أبي؟”
أومأ أرماند ببطء.
“نعم، سنتوقف. حفيدتي على حق.”
تنفست فيولا بعمق، ثم قالت.
“الآن… سأغادر.”
قال راينارد.
“ركّزي على تدريبك، لا تنسي، غدًا سنتدرب معًا مرة أخرى.”
أومأت فيولا.
“أعرف يا أبي، لن أنسى. إلى اللقاء.”
“وداعًا يا حفيدتي.” قالها أرماند بابتسامة خفيفة.
لكن ما إن استدارت فيولا حتى تحولت نظرة أرماند إلى ابنه، وقال بصوت منخفض غاضب.
“أيها الأحمق… سنتحدث غدًا.”
غادرت فيولا قاعة الاستقبال، وسارت في الممرات الطويلة لقصر فلينغا الكبرى، حيث الجدران الحجرية الرمادية والمشاعل المعلقة، والصمت الثقيل الذي يرافق كل خطوة.
وصلت إلى غرفتها، فتحت الباب، دخلت، وأغلقته خلفها بهدوء.
خلعت ملابس التدريب، وارتدت فستانًا أحمر داكنًا، ثم جلست قرب السرير، وأسندت ظهرها قليلًا، وأغمضت عينيها.
“أبي… كان قاسيًا.”
فتحت عينيها ببطء.
“لكنه قوي جدًا… كل حركة من حركاته كانت دقيقة، بلا تردد.”
تذكرت صوته.ركّزي على حركاتك.
“لماذا أركّز؟ هل لأنني ضعيفة؟”
نظرت إلى يديها الصغيرتين، فتحت كفيها ببطء.
“لا… أنا لست ضعيفة. حتى لو كان هذا الجسد صغيرًا، سأجعله قويًا.”
وفجأة، قُطع تفكيرها بصوت طرق على الباب.
جاء صوت أحد الحراس من الخارج، يحمل خبرًا ثقيلًا.
“صاحب السمو الملكي أرشيدوق كيليان دي ألين ، صاحب جلالة الإمبراطور ويليام إرسال رسالة إلى أرشيدوق كيليان دي ألين يطلب من هو دعمًا، وحش ظهر قرب الحدود بين القصر الإمبراطوري وقصر ألينغا.”
تجمدت فيولا.
“وحش…؟”
عادت ذكريات العمل الأصلي إلى ذهنها، كيليان دي ألين، الأمير الثاني، الرجل البارد، سيف الإمبراطورية.
أرشيدوق كيليان دي ألين كان الأب أسلان دي ألين.
“إذًا… بدأ الأمر.”
تنفست بعمق، ثم فتحت باب غرفتها وخرجت، تسير في الممرات الطويلة، إلى أن سمعت همسات الخادمات.
رفعت رأسها، وتحولت ملامحها إلى صرامة مخيفة، فتوقفت الهمسات فورًا، وعاد الجميع إلى أعمالهم.
“هذا غريب…”
قررت التوجه إلى مكتب والدها.
لكن فجأة، دوّى صوت ركض وصراخ. كان الخدم يلحق الصبي الصغير الذي كان يركض في الممرات الطويل. أجاب الخدم كان يركض قال. “سيدي الرجاء توقف عن الركض” أوسكار رفع رأسه ضحك ضحكة شرسة قال. “قلت لك دعاني وشأني سوف أركض”
ظهر أمامها أوسكار، شعره الأسود فوضوي، وعيناه الذهبيتان تلمعان بعناد.
“أوسكار، أيها الأحمق ماذا تفعل في هنا؟”
تشاجرا، كلمات حادة، إلى أن قال أوسكار بصوت منخفض.
“إليانا… استيقظت.”
توقفت فيولا فورًا.
“اخفض صوتك استيقظ بسببك أيها الأحمق.”
بقي أوسكار وحيدا في مرمر طويل تغير وجهه.
ثم غادرت دون أن تلتفت.
أوسكار رفعه رأسه ثم قال صوت منخفض. “حقا فيولا أنها الفتاة المخيف هي الحمقاء لا يعرف شيئا لم يتغير أبدا”
أخيرًا، وصلت إلى مكتب الدوق الأكبر راينارد ڤلين.
طرقت الباب.
“ادخلي.”
دخلت.
كان راينارد مشغولًا بالتقارير، لم يرفع رأسه.
“اجلسي.”
جلست فيولا على الأريكة، وقالت بهدوء ثابت:
“أبي… مساء الخير. أريد أن أتحدث معك عن أمر مهم.”
قال دون أن ينظر إليها.
“تحدثي، أنا أسمعك.”
رفعت فيولا رأسها، وعيناها الذهبيتان تلمعان بعزم واضح، وقالت.
“الأمر يتعلق… بتدريب السيف.”
وهنا،
بدأت الحديث بين فيولا و الدوق الأكبر راينارد فلين. كان مكتب الدوق الأكبر راينارد فلين واسعًا، جدرانه مكسوّة بخشب داكن تفوح منه رائحة الورق القديم والحبر، تتراكم فوق مكتبه التقارير العسكرية والخرائط، وكأن هذا المكان لم يُخلق يومًا للراحة، بل للقرارات الثقيلة فقط.
جلست فيولا بهدوء على الأريكة المقابلة له، ظهرها مستقيم، يداها فوق حجرها، وعيناها الذهبيتان تتابعان والدها الذي كان لا يزال ممسكًا بالقلم.
أخيرًا، رفع راينارد رأسه، نظر إليها مباشرة، وقال بصوت منخفض لكنه واضح.
“نعم يا فيولا، أسمعكِ. ماذا تقصدين بشأن التدريب؟”
التقت عيناها الذهبيتان بعينيه الزرقاوين دون تردد، وقالت بنبرة جادة تفوق عمرها.
“أبي… الأمر يتعلق بتدريب السيف. بالحقيقة، أريد أن أعرف كيف سأتدرّب، وما الذي يجب عليّ فعله بالضبط.”
توقّف راينارد عن الكتابة، وضع القلم جانبًا، ثم قال بهدوء.
“حسنًا يا ابنتي. ماذا تريدين أن تعرفي عن التدريب؟”
أخذت فيولا نفسًا قصيرًا، ثم قالت.
“أريد تفاصيل التدريب، كل الحركات، وكيف تعلّمتَ أنتَ. أريد أن أفهم كل شيء.”
نظر إليها راينارد لثوانٍ صامتة، ثم أومأ ببطء.
“حسنًا، سأشرح لكِ. لكن اسمعي جيدًا.”
أجابت فورًا.
“نعم يا أبي، أنا أسمع. ابدأ الآن.”
أسند راينارد ظهره إلى الكرسي، وقال.
“السيف… ليس مجرد أداة. أول حركة تبدأ من اليد، من طريقة الإمساك به.”
عقدت فيولا حاجبيها قليلًا.
“من اليد؟ كيف ذلك؟ اشرح لي بالتفصيل.”
قال بهدوء.
“في المرة الأولى، تمسكين السيف بإحكام، لا بقوة متهورة، ولا بارتخاء. ثم ترفعينه إلى الأعلى بثبات.”
أومأت فيولا، ثم قالت.
“والخطوة الثالثة… أليس بعد الرفع أضرب سيف الخصم بضربة قوية؟”
ارتسمت على وجه راينارد ابتسامة خفيفة بالكاد تُرى.
“أحسنتِ. نعم، بعد رفع السيف، تضربين سيف الخصم بضربة قوية ودقيقة. هذا صحيح.”
ثم سألها.
“هل لديكِ سؤال آخر؟”
ترددت فيولا لحظة، ثم سألت.
“أبي… هل صحيح أن السحر يخرج على شكل هالة حول السيف؟ وإذا خرج، هل يكون لونه ذهبيًا أو أزرق؟”
أغمض راينارد عينيه لوهلة، ثم فتحهما وقال.
“نعم، هذا صحيح. السحر يظهر كهالة تحيط بالسيف.”
انحنت فيولا للأمام قليلًا.
“وكيف… كيف يخرج السحر؟ كيف تستعملونه؟”
تنهد راينارد، وصوته أصبح أعمق.
“في أول مرة قاتلتُ وحشًا في القهر، نظرتُ إليه مباشرة. في تلك اللحظة تغيّرت عيناي، خرجت هالة السيف، سحر أزرق، وضربتُ الوحش… وانتهى الأمر.”
ابتلعت فيولا ريقها، ثم سألت مرة أخرى.
“أبي… عندما أكبر وأحمل السيف، كيف سأُخرج السحر؟ ما لون هالتي؟”
هزّ راينارد رأسه ببطء.
“لا أعلم. لون السحر، وطريقة استخدامه، ستُعرف عندما تكبرين. حينها… ستفهمين كل شيء بنفسك.”
سادت لحظة صمت، ثم قالت فيولا بصوت خافت.
“أبي… عندما كنت أتدرّب معك، قلتَ لي ركّزي على التدريب. هل كنتُ ضعيفة؟”
رفع راينارد رأسه فجأة.
“لا.”
ثم قال بنبرة واضحة.
“أنتِ لستِ ضعيفة. أنتِ قوية، وشجاعة. وستفوزين بكل شيء.”
ابتسمت فيولا ابتسامة صغيرة صادقة.
“شكرًا لك يا أبي.”
قال راينارد.
“من يولد في عائلة فلين، يجب أن يحمي الشمال، ويحمي أراضي فلينغا.”
قالت فيولا بهدوء.
“أبي… كل أفراد هذه العائلة صارمون. يستخدمون مشاعرهم كسلاح، كالسيف. هل نحن بلا مشاعر؟”
أجاب راينارد دون تردد.
“نعم. نحن نستخدم مشاعرنا كسلاح. هذا صحيح.”
رفعت فيولا رأسها وقالت بثبات.
“إذًا… عندما أكبر، سأحمل السيف، وأقاتل من أجل فلينغا، من أجل الشمال، من أجل الشعب.”
نهض راينارد فجأة، اقترب منها، فتح ذراعيه، وعانقها بقوة.
تفاجأت فيولا.
“أبي… ماذا تفعل؟”
قال بصوت منخفض.
“أنا فخور بكِ يا فيولا. ولحسن الحظ… أنتِ ابنتي الوحيدة.”
وفجأة، قاطع اللحظة صوت صراخ من الخارج.
“ابتعد عني أيها الأحمق!”
التفت راينارد نحو النافذة.
“ما هذا الصوت؟”
اقتربا، ونظرا إلى الحديقة، حيث كان أوسكار يصرخ ويركض، وكبير الخدم يلاحقه.
قال راينارد ببرود.
“ذلك الغبي… أوسكار.”
ضحكت فيولا قليلًا.
“أبي… أوسكار يشبهك كثيرًا.”
نظر إليها بدهشة.
“ماذا قلتِ؟”
قالت بابتسامة.
“إنه يصرخ في وجهي دائمًا.”
قال راينارد.
“ذلك الأحمق سيهرب من المسؤولية عندما يكبر.”
ضحكت فيولا.
“جدي قال لي: لا تهربي من مسؤوليتك.”
أومأ راينارد.
“كان على حق.”
نظرت فيولا إلى الخارج.
“أبي، انظر… أوسكار يهرب.”
انفجر راينارد ضاحكًا، ثم ضحكت فيولا معه.
بعد أن هدأ، قال.
“أين أمكِ… شارلين؟”
أجابت.
“في غرفة النوم مع إليانا.”
وقبل أن تغادر، قالت.
“سأذهب إلى أمي.”
“اذهبي.”
خرجت فيولا، سارت في الممرات الطويلة، تتمتم.
“الجو بارد…”
وأخيرًا وصلت، فتحت الباب، ورأت أمها، الدوقة الكبرى شارلين ڤلين، بشعرها الأحمر الطويل وعينيها الذهبيتين، تحمل إليانا الصغيرة.
“مرحبًا يا أمي.”
ابتسمت شارلين.
“مرحبًا يا ابنتي.”
نظرت فيولا إلى أختها.
“هل استيقظت؟”
“نعم، يجب أن تنام الآن.”
شعرها الأحمر قصير فتحت إليانا عينيها الصغيرتين، الزرقاء في الأسفل، والذهبية في الأعلى.
ابتسمت فيولا.
“مرحبًا يا إليانا… أنا فيولا.”
سألت شارلين.
“كيف كان حديثك مع والدك؟”
“كان ممتعًا… وغدًا سنتدرّب.”
ثم حملت فيولا إليانا بين ذراعيها، وعانقتها عناقًا شديدًا.
وفي تلك اللحظة،
شعرت فيولا…
أن هذا الدفء،
هو القوة الحقيقية. ( يتبع في فصل القادم) .
Chapters
Comments
- الفصل 2 منذ 17 ساعة
- 1 - الفصل 1 2025-12-27
- 0 - المقدمة وصف الشخصيات 2025-12-23
التعليقات لهذا الفصل " الفصل 2"