كان اليوم التالي لوصولهما إلى جزيرة باستون هادئًا. سار إريك وديليا على امتداد الشاطئ الطويل الخالي، وشعرا ببرودة الرمال البيضاء الناعمة تحت أقدامهما الحافية. كان الوقت قد تجاوز منتصف النهار، وبدأت الشمس، التي كانت مشرقة ودافئة طوال الصباح، بالاختفاء خلف غيوم داكنة كثيفة تتجمع من الأفق.
رفعت ديليا عينيها إلى السماء، وعلى وجهها تعبير متأمل. قالت: “السماء تُظلم، تمامًا كما كانت بالأمس. لكنها لم تُمطر حينها.”
أجاب إريك، وعيناه مثبتتان على الغيوم المشؤومة: “نعم، لقد لاحظت ذلك”.
وبينما كان يتحدث، شعرت ديليا بقطرة مطر باردة تسقط على ذراعها العارية. ثم أخرى. التفتت إليه، وعلى وجهها عبوسة قلقة. “صاحب السمو”، بدأت حديثها.
“إريك،” صحّح لها بلطف، متوقفًا عن سيرهما. استدار نحوها، وعلى شفتيه ابتسامة دافئة رقيقة. “أنا زوجكِ الآن. لقد قررتُ أنني أريد دائمًا أن أسمع اسمي يتردد على شفتيكِ. كما قلتِ بكل جرأة تلك الليلة في غرفتنا.”
تذكرت ديليا لحظة دفعها له على السرير، فاحمرّت وجنتاها بلون وردي جميل. نظرت إلى الرمال وقالت بصوت خافت: “إريك”.
“نعم يا دوقة؟” أجاب بصوت مليء بالدفء العميق والمُرضي.
“لا يزال من الصعب عليك الاستمتاع بالمطر، أليس كذلك؟” سألت، ونظرتها مليئة بفهم جديد ومتعاطف.
تلاشت ابتسامة إريك عندما شعر بأولى قطرات المطر على جلده. لم يكن عليه أن يجيب. فالتوتر المفاجئ في كتفيه، وانقباض فكه، كانا كافيين للتعبير عن كل شيء.
كانت ملامح ديليا تنمّ عن تعاطف رقيق ومفاجئ. قالت: “بإمكاني أن أريك طريقة جيدة. كنتُ أكره المطر أيضًا عندما كنت صغيرة. البارونة… كانت تحبسني في الخارج تحت المطر كلما اشتكيتُ لأبي منها، وكان يوبخها. كانت تعاقبني بهذه الطريقة. كنتُ أشعر دائمًا بالبرد والخوف.” صمتت للحظة، ثم نظرت إليه بعينيها الزرقاوين الصافيتين الصادقتين. “هل تريد أن تعرف كيف تعلمتُ ألا أخاف منه بعد الآن؟”
نظر إريك إليها، ورأى في عينيها عرضاً صادقاً للمساعدة، فأومأ برأسه، واضعاً ثقته الكاملة فيها.
قالت ببساطة: “فقط اشعر بالمطر”.
انحنت، والتقطت حذاءها الجلدي البسيط، وأمسكته بيدها. كان الناس الآخرون الذين كانوا يتنزهون على طول الشاطئ قد دخلوا بالفعل إلى الداخل، يحتمون من المطر الذي بدأ ينهمر بغزارة. لكن ديليا لم تبدُ منتبهة. سارت أكثر نحو حافة الماء، ثم استدارت وبدأت تمشي إلى الوراء ببطء، وعلى وجهها ابتسامة عريضة، بهيجة، وخالية من أي هموم، وهي تدع المطر يغمرها.
قال إريك بصوتٍ يرتجف من شدة الذعر: “انتظر”. رائحة الرمال المبتلة، صوت المطر وهو يضرب الماء، رائحة الإسطبلات من بلدة الميناء الصغيرة القريبة – كل ذلك عاد إليه، ذكريات ذلك اليوم المروعة. تراجع خطوةً إلى الوراء لا إرادياً، مبتعداً عن المطر، مبتعداً عن الماضي.
سمع صوت ديليا المرح ينادي اسمه، مخترقاً العاصفة المتصاعدة في ذهنه. “إريك!”
نظر أمامه فرآها، شخصية جميلة ساحرة وسط المطر الرمادي الغزير. كانت تبتسم له، ذراعاها ممدودتان في دعوة واضحة وبسيطة. عناق. ملاذ آمن في نهاية رحلة مرعبة.
نظر إلى حذائه الجلدي اللامع، رمز ثروته ومكانته، وخلعه دون تردد، تاركًا إياه على الرمال. خطا خطوة مترددة نحو المطر، ثم أخرى. مع كل خطوة يخطوها نحوها، كانت ديليا تتراجع خطوة مماثلة، محافظة على المسافة بينهما، تشجعه على الاستمرار، على الاقتراب منها بمفرده.
خطوةً تلو الأخرى، وهو يخطو خطواتٍ مُرهقة، ركّز نظره عليها، على وجهها المُبتسم، على ذراعيها الممدودتين. كان يُحاول السيطرة على أنفاسه، يُغمض عينيه ويفتحهما ليُبدد ذلك الشعور المألوف بالدوار الذي كاد يُسيطر عليه. تحوّلت خطواته المُترددة الخائفة ببطء إلى مشيةٍ أكثر ثقة. كان يمشي تحت المطر الغزير، دون أن يُصاب عقله بالذهول، ودون أن يُثقله عبء الماضي الثقيل. بدأت ابتسامةٌ بطيئةٌ مُرتابةٌ ترتسم على وجهه. وكذلك كانت ابتسامة ديليا.
توقف عندما توقفت هي أخيرًا، على بُعد أمتار قليلة منها. كان المطر يُلصق شعرهما بوجوههما ويُبلل ملابسهما، لكن لم يبدُ أن أيًا منهما يُبالي.
ثم مدت ذراعيها نحو السماء، وأمالت رأسها للخلف وأغمضت عينيها، وعلى وجهها نظرة من السعادة الخالصة وهي تدع المطر البارد ينهمر عليها. في تلك اللحظة، حين رآها إريك بهذه الحرية والجمال والحيوية، فعل شيئًا فاجأهما كليهما.
أمسك بيدها وقرّب أطراف أصابعها إلى فمه. قبّلها برفق، ثم، وهو يحافظ على التواصل البصري معها، وضع طرف إصبعها السبابة في فمه ومصّه برفق.
كانت تلك اللفتة الحميمة الحسية غير متوقعة، ورومانسية بشكل صادم، لدرجة أنها أخرجتها من شرودها المبهج. فتحت عينيها فجأة. سألت بصوت متقطع ومرتبك وهي تسحب يدها: “ماذا تفعل؟”
أجاب، وابتسامةٌ بطيئةٌ وكسولةٌ وآسرةٌ للغاية ترتسم على وجهه: “كنتُ أفعل ما طلبتِ مني فعله”، قال بصوتٍ خافتٍ أجشّ. “كنتُ… أشعر.”
كان في غاية السعادة، وفي غاية الارتياح، وفي غاية الحب الجديد والقوي لهذه المرأة الرائعة التي أخرجته للتو من أشد سجونه ظلمة. اقترب منها، ليضمها أخيرًا بين ذراعيه، لينال مكافأته.
لكن بينما كان يهمّ باحتضانها، بدأت بالركض، وخرجت من شفتيها ضحكة مرحة مذعورة.
“لا!” ضحكت وهي تركض، وتشق طريقها عبر المياه الضحلة على حافة البحر.
خطا إريك خطوةً أولاً، ثم مشى، ثم بدأ يركض. ركضا لبعض الوقت تحت المطر الغزير، في مطاردة فوضوية، مبهجة، وغير لائقة على الإطلاق. وأخيرًا لحق بها، ولفّ ذراعيه حول خصرها ورفعها عن الأرض، واختلطت ضحكاتها بضحكاته.
عانقها بشدة، ودفن وجهه في شعرها المبلل العطر. ثم ابتعد قليلاً، وبحنانٍ جعل قلبها يتألم، قبّلها على جبينها، قبلة طويلة، حلوة، وعميقة غسلتها مياه المطر.
التعليقات لهذا الفصل " 98"