نظرت إليه ديليا، فرأت الألم والضعف الصارخين في عينيه. عبثت الرياح بشعره على وجهه، وبدا أن العاصفة القادمة تعكس الاضطراب الذي يعتريه.
“ألا تعرفين حقاً لماذا قطعت كل هذه المسافة لأجدك؟” سأل، وكان صوته همهمة منخفضة وحادة كادت أن تضيع وسط صوت الأمواج المتلاطمة.
أجابت بصدق، بصوت بالكاد يُسمع: “لا أعرف. كيف لي أن أعرف؟”
قال إريك، وعيناه مثبتتان عليها: “أريدكِ أن تعرفي”. مدّ يده وأمسك بيدها، متشابكًا أصابعهما، وكانت قبضته دافئة وحازمة. نظر إلى يديهما المتشابكتين، ثم رفع نظره إلى وجهها. “اشتقت إليكِ يا ديليا. هذا هو السبب الوحيد. الساعات القليلة التي قضيتها بدونكِ… كانت لا تُطاق”.
رفع يدها وقلبها، وتتبع إبهامه خاتم الزواج الذهبي الجديد الذي يزين إصبعها. قال: “أحبكِ”، كلمات بسيطة ومباشرة وصادقة حدّ الوجع. “كثيرًا”. نظر في عينيها، فلم ترَ فيهما إلا الصدق الخالص. واجهها تمامًا، وما زال ممسكًا بيدها، ويده الأخرى تداعب خاتم زواجها، يلفه برفق حول إصبعها.
“أحبكِ كثيراً يا ديليا”، كررها بصوتٍ يملؤه شعورٌ لم تسمعه من أحدٍ من قبل. ثم ضمّها إلى صدره، عناقٌ حارٌّ يائسٌ عبّر لها عن مشاعرَ لم تستطع كلماته التعبير عنها. أبقىها هناك، على الشاطئ العاصف المظلم، ولأول مرة منذ زمنٍ طويل، لم تشعر ديليا بالحاجة إلى الهرب.
كانت الشمس قد غربت منذ زمن، ولم يكن في غرفة ديليا الصغيرة المستأجرة على الجزيرة سوى ضوء شمعة خافتة. جلست على حافة السرير البسيط، تحدق في الفراغ، وعقلها يعيد تمثيل اللحظة على الشاطئ مرارًا وتكرارًا.
“أحبكِ. كثيراً.” تراءى لها صوته الصادق والعميق. “أحبكِ كثيراً يا ديليا.” ثم تذكرت شيئاً آخر، شعورها بذراعيه القويتين تُحيطان بها، وكأنه يحتضنها كما لو كانت أثمن شيء في العالم.
كانت وجنتاها، اللتان كانتا باردتين قبل لحظات، تحترقان الآن. نهضت واتجهت نحو المرآة الصغيرة المتصدعة المعلقة على الحائط. امرأة ذات وجنتين متوردتين وعينين زرقاوين واسعتين حائرتين حدقت بها.
“لماذا أشعر فجأةً بهذا الدفء؟” قالت لانعكاس صورتها، بصوتٍ مضطربٍ هامس. اتجهت إلى المغسلة، وملأت يديها بالماء البارد، ورشّت به وجهها، محاولةً إخماد تلك النار الغريبة غير المألوفة التي كانت تشتعل بداخلها.
في تلك اللحظة، سُمع طرق حاد على بابها.
كاد قلبها أن يقفز من مكانه. سوّت شعرها، وأخذت نفسًا عميقًا، وفتحت الباب. كان إريك. كان يقف هناك، وحقيبة سفره عند قدميه، وعلى وجهه ابتسامة خجولة بعض الشيء ولكنها حازمة.
قال وهو يبتسم ابتسامة عريضة: “سأضطر للبقاء معكم في الوقت الحالي، حتى نتمكن من العودة إلى المنزل”.
سألت ديليا، وعقلها يكافح لمواكبة ما يحدث: “لماذا؟”
أجاب بنبرة ندمٍ كانت تعلم أنها زائفة تمامًا: “كان ذلك إهمالًا فادحًا مني. كنتُ في عجلةٍ من أمري للعثور عليكِ لدرجة أنني نسيتُ حجز غرفتي عند وصولي. ذهبتُ إلى صاحب النزل، ويبدو أنه لا توجد غرف شاغرة. لا توجد غرفة واحدة متبقية في الجزيرة بأكملها.” ثم استند إلى إطار الباب، وعلى وجهه نظرة عجز.
“أو… هل تفضلين أن يبقى زوجك الجديد في الخارج طوال الليل تحت المطر؟”
تنهدت ديليا. كانت تلك أوضح كذبة سمعتها في حياتها، وأكثرها ركاكة. لكن بينما كانت تنظر إليه، إلى بريق الأمل الطفولي في عينيه، وجدت أنها لا تملك الشجاعة لمواجهته. فتحت الباب على مصراعيه ليدخل.
دخل وهو يجر حقيبته خلفه. وبينما كان يحاول الاستقرار في الغرفة الصغيرة ذات الطابع الريفي، سكبت ديليا لنفسها كوبًا من الماء، ويدها غير ثابتة تمامًا. بعد أن انتهى، وقع نظره على مكان الاستحمام. كان عبارة عن ركن صغير معزول بستارة في الجانب الآخر من الغرفة، لكنه صُمم بطريقة تسمح لأي شخص في الغرفة الرئيسية برؤية خيال الشخص الذي يستحم خلف الستارة الرقيقة بسهولة. ابتسم.
“هل تريدين الاستحمام أولاً؟” سأل، ونظرة ماكرة تلمع في عينيه.
لاحظت ديليا، وهي تتبع نظراته، لأول مرة التصميم المعماري الجريء لمنطقة الاستحمام. احمرّت وجنتاها مجدداً. هزّت رأسها نافيةً. “لا.”
ذهب وجلس على حافة سريرها الصغير، مما جعله يبدو أصغر. ثم سألها بابتسامة عريضة: “إذن هل أستحم أولاً؟”
“ليس هذا أيضاً”، أجابت بسرعة.
نظر إليها إريك، وكان تعبيره يعكس حيرة بريئة خالصة. “إذن ماذا تريدين أن تفعلي يا ديليا؟”
نظرت إليه، ثم إلى حاجز الحمام، ثم عادت تنظر إليه. خطرت ببالها فكرة جريئة ومتهورة بعض الشيء. ذهبت إلى السرير، وقبل أن تتراجع، وضعت يديها على صدره ودفعته حتى استلقى على السرير.
اتسعت عينا إريك في دهشة تامة. قال بصوت متقطع قليلاً: “ديليا”.
تجاهلته. جلست فوق وركيه، وركبتاها على جانبيه، وانحنت فوقه. قالت بصوت حازم: “سأستحم أولاً، لذا ستبقى على هذا السرير. هكذا تماماً.”
مدت يدها إلى البطانية الصوفية السميكة عند أسفل السرير، وبحركة سريعة من معصميها، غطت عينيه بها. “ابقَ مكانك”، أمرته. “ولا تجرؤ على التحرك”.
بدأت تنهض من فوق جسده، ولكن بينما كانت تفعل ذلك، رأته يحاول إزاحة الغطاء قليلاً ليلقي نظرة خاطفة.
“لا تفعل،” حذرت بصوت منخفض وخطير، ولكنه كان مليئًا أيضًا بمرح غريب. “إذا حاولت حتى النظر، فسأقتلك.”
التعليقات لهذا الفصل " 96"