سارت ديليا على الرمال البيضاء الناعمة لجزيرة باستون، ذلك المكان الذي لم تقرأ عنه إلا في الكتب، سواء في حياتها الماضية أو الآن. كانت هذه أول مرة تغادر فيها شواطئ ألبيون المألوفة، وأول مرة في حياتها تشعر بذلك الإحساس الغريب والمبهج للرمال الدافئة بين أصابع قدميها العاريتين. غمرتها نسمة لطيفة من الشاطئ الفيروزي، تحمل معها رائحة البحر المالحة وصوت طيور النورس البعيدة وهي تصيح. كان عالمًا مختلفًا تمامًا عن غرف الاستقبال الخانقة وأسرار منزلها المظلمة. لم يأخذها جورج إلى أي مكان خلال شهر عسلهما، بل كان يتركها في المنزل تحت رحمة والدته ويذهب للمقامرة.
“من حسن حظي أنني ما زلت أملك بعض النقود لأصرفها”، فكرت في نفسها، وابتسامة صغيرة صادقة ترتسم على وجهها. شعرت أن المال الذي كسبته من بيع صبغتها للسيدة إيسلا بمثابة مفتاح لحرية لم تعرفها من قبل. “هذا كفيلٌ بتطهير ذهني وتهدئة روحي”.
وجدت مقعدًا خشبيًا عتيقًا على حافة الشاطئ، قبل أن تبدأ أشجار النخيل الطويلة المتمايلة. جلست، وشدّت عباءتها البسيطة حولها، وراقبت الأمواج. كانت تتلاطم، واحدة تلو الأخرى، بإيقاع ثابت وهادئ بدا وكأنه يزيل التوتر من كتفيها.
على امتداد الشاطئ، رأت شابين، ربما في نفس عمرها وعمر إريك. كانا يمسكان بأيدي بعضهما، يسيران على حافة الماء، وضحكاتهما تتردد في النسيم. كان يتوقف ويهمس في أذنها، فتضحك وتداعب كاحليه بالماء. ثم ينحني ويقبلها قبلة رقيقة على جبينها، فتبادله القبلة.
نظرت ديليا إليهما وابتسمت، وعلى وجهها نظرة حزينة تنمّ عن الوحدة. ثم ضمّ الزوج زوجته في عناق دافئ وحامي. وقال بصوتٍ يفيض بصدقٍ عميق وبسيط: “سأكون دائمًا بجانبكِ”، وهو يربت على ظهرها بينما كانت تتمسك به بشدة.
سمعت ديليا الكلمات، فصدمتها كأنها أمواج المحيط تضرب الصخور. تذكرت إريك، متكئًا على نافذة العربة، وعيناه تفيضان بدفءٍ أرعبها. قال لها: “سأكون دائمًا بجانبك. لستِ مضطرةً لفعل كل شيء بمفردكِ بعد الآن.”
هزّت رأسها محاولةً طرد تلك الذكرى. قالت لنفسها، وهي تعبس قليلاً ناظرةً إلى المحيط الممتد بلا نهاية: “إنه يردد لي مثل هذه الأشياء باستمرار، مما يجعل قلبي يخفق رغماً عني. لكن هذا الكلام لا معنى له”. كيف لرجل بالكاد تعرفه، رجل أبرم معها صفقة تجارية، أن يقطع مثل هذا الوعد العميق؟ “كيف يمكن لأحد أن يعدني بالبقاء بجانبي دائماً؟ حتى الأشخاص الذين وثقت بهم طوال حياتي لم يتمكنوا من البقاء بجانبي لفترة طويلة دون أن يخونوني”.
قاطع أفكارها الحزينة مشهد شخص يقترب. كان رجلاً طويل القامة يسير نحوها من جهة الممر الصغير المؤدي إلى الشاطئ. ومع اقترابه، خفق قلبها فجأة بدهشة. نظرت إليه بتمعن، واتسعت عيناها في حالة من عدم التصديق. كان إريك. كانت نسمات البحر القوية تداعب شعره الداكن، فجعلته يبدو أشعثاً وغير مهذب.
“إريك… إريك!!! ماذا يفعل هنا؟” فكرت في نفسها، ومزيج من الانزعاج وشعور غريب بالسعادة يملأ صدرها. أرادت أن تكون وحدها، لتفهم ما تشعر به، وكل ما حدث خلال الأسابيع الماضية، لكن يبدو أن لديها زائرًا غير متوقع عليها التعامل معه.
توقف أمام مقعدها مباشرةً. كان يرتدي ملابس سفر بسيطة، لكنه مع ذلك كان يتمتع بهيبة لا تُنكر. نظر إليها، وارتسمت على وجهه ابتسامة انتصار هادئة.
قال بصوتٍ يفيض بالرضا العميق والدافئ: “ها أنتِ ذا. لقد وجدتكِ أخيرًا. أفتقدكِ، كما تعلمين.” ثم ابتسم.
نهضت، تنفض الرمل عن تنورتها. “كيف أتيتِ…”
قاطعها، وتحولت ابتسامته إلى ابتسامة ماكرة وعارفة. سألها: “أليس هذا هو سبب ترككِ للرسالة؟ حتى أتمكن من العثور عليكِ؟”
حوّل إريك نظره من وجهها إلى السماء. بدأت غيوم داكنة كثيفة تتشكل في الأفق، قادمة من البحر. “لكن لماذا جزيرة باستون تحديدًا؟” تابع حديثه بنبرة متغيرة. “تهطل الأمطار بغزارة هنا في هذا الوقت من السنة.” نظر مجددًا إلى المحيط، وخيّم ظلٌّ على ملامحه. “أنا لا أحب المطر.”
رفعت ديليا نظرها إلى الغيوم المتجمعة وقالت: “أوه، لم أكن أعرف ذلك. لطالما سمعت عن جمال جزيرة باستون وأردت رؤيتها بنفسي. لكن المنظر رائع حقًا، ألا تعتقد ذلك؟ وصوت المطر مريح أيضًا.”
قال إريك بصوت خافت وهو يجلس على المقعد: “أجل، إنه مكان جميل. المنظر رائع حقاً.”
جلست ديليا بجانبه، تاركة مسافة مناسبة بينهما.
قال بهدوء، وعيناه لا تزالان مثبتتين على الأفق: “لكن بالنسبة لي، المطر هو أكثر شيء مرعب في العالم. صوته، ورائحته التي تفوح في الأرض، وبلله على الجلد والأرض، ودوي الرعد وهو يهطل بعنف شديد”. نظر إلى ديليا للحظة وجيزة، وعيناه تفيضان بضعف عميق وصادق جعلها تحبس أنفاسها. ثم عاد بنظره إلى المحيط.
“هل تريد أن تعرف لماذا لا يعجبني ذلك؟” سأل بصوت منخفض وجاد.
التعليقات لهذا الفصل " 94"