كان حفل الزفاف حدثاً طويلاً ومرهقاً. وبحلول الوقت الذي عاد فيه الدوق ودوقته الجديدة إلى مقر إقامتهما الخاص، كانت الشمس قد غربت منذ فترة طويلة، وكان القمر دائرة عالية ساطعة في سماء الليل.
بمجرد دخولهما، خلع إريك معطفه الرسمي. كانت ديليا، التي كان جسدها يؤلمها من الوقوف لساعات في الفستان الثقيل، تستعد للذهاب إلى غرفتها الهادئة. انتهى حفل الزفاف؛ والآن كل ما تريده هو أن تكون وحدها.
لكن إريك أوقفها، وصوته خافت في القاعة الهادئة. وسأل: “هل نشرب نخبًا للاحتفال؟”
التفتت ديليا إليه. رأت الأمل في عينيه، والرغبة في جعل هذه اللحظة مميزة، حقيقية. لكنها كانت متعبة للغاية، منهكة عاطفياً، بحيث لم تستطع الاستمرار في إظهار السعادة. أجابت بصوتها الرقيق والحازم: “لا، لست في مزاج جيد. لم أنم جيداً الليلة الماضية، لذا فأنا متعبة جداً.”
ارتسمت على وجهه لمحة من خيبة الأمل، لكنها اختفت بالسرعة نفسها التي ظهرت بها. قال: “لا بأس”.
ابتسمت له ابتسامة صغيرة مليئة بالامتنان، ثم استدارت لتغادر، ويدها كانت بالفعل على درابزين الدرج الكبير.
“ديليا؟” سأل. توقفت ونظرت إليه. “هل تحتاجين إلى أي مساعدة بخصوص هذه الأزرار؟”
تذكرت ديليا على الفور ظهر فستان زفافها. كان مُغلقًا بصف طويل ومعقد من خمسين زرًا صغيرًا من اللؤلؤ على الأقل، تصميم جميل ولكنه مستحيل. “هممم… أنا…” تلعثمت، وقد بدأت تدرك حقيقة موقفها.
كان تعبير إريك محايداً بعناية، لكن ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيه. قال: “أستطيع مساعدتك. أنا بارع بشكل مدهش في التعامل مع الأزرار الصغيرة.”
فكرت ديليا للحظة، وغمرها شعورٌ بالإرهاق. “لا يمكن أن تصل يداي إلى الخلف”، قالت لنفسها. “لقد عادت جميع الخادمات اللواتي أرسلتهن آمبر إلى منازلهن. إنه الوحيد هنا الذي يستطيع مساعدتي”. تنهدت، تنهيدةً تنم عن إرهاقٍ شديدٍ واستسلامٍ تام. يبدو أن العرض لم ينتهِ بعد.
ذهبا إلى غرفة نومها. دخلت ووقفت أمام المرآة الكبيرة المزخرفة، وظهرها إليه. وقف إريك خلفها، وملأ حضوره الغرفة الهادئة التي تفوح منها رائحة الخزامى.
بدأ بإزالة حجابها برفق، متوخياً الحذر حتى لا تعلق أصابعه بالشبكة الرقيقة. ثم وضعها جانباً على طاولة زينتها. بعد ذلك، أزال الدبابيس وحلي اللؤلؤ من شعرها. انسدلت خصلات شعرها الطويلة الداكنة، بعد فكها من كعكتها الأنيقة، على ظهرها في موجة ناعمة لامعة.
أزاح شعرها برفق عن كتفها، فظهر صف طويل من أزرار اللؤلؤ يمتد من مؤخرة عنقها إلى خصرها. بدأ من الأعلى، بأصابعه التي كانت تعرفها قوية وفعّالة، والتي بدت الآن رشيقة ولطيفة بشكلٍ مدهش.
قام بفك الزر الأول، ثم الثاني، وكانت مفاصل أصابعه تلامس برفق جلد ظهرها مع كل حركة صغيرة.
حبست ديليا أنفاسها. راقبت انعكاسه في المرآة، وجهه جامد التركيز، وعيناه مثبتتان على مهمته. مع كل زر يُفك، كان الفستان يتسع، وشعرت ببرودة هواء الغرفة على بشرتها، إحساس مختلف عن دفء لمساته العابرة. بعد ما بدا وكأنه دهر، فك الزر الأخير.
قال بصوت خافت: “هناك”.
استدار ليغادر.
قالت ديليا بصوت خافت: “شكراً لك يا صاحب السمو، على كل شيء”.
ابتسم وهو ينظر إلى انعكاس صورتها في المرآة. قال: “هذا واجبي كزوجك”. ثم غادر، وأغلق الباب خلفه بهدوء.
استند إلى بابها الخشبي البارد لبرهة طويلة، وعيناه مغمضتان. ما زال يشعر بحرير فستانها، ودفء بشرتها تحت أنامله. تذكر قبلتهما عند المذبح، تلك اللحظة القصيرة العفيفة حين لامس شفتيها. لمس شفتيه الآن، متذكراً نعومة شفتيها، وكيف أيقظت تلك اللمسة البسيطة فيه شوقاً عميقاً هزّه من الأعماق. ابتسم لنفسه في الردهة الخالية، ثم تنهد بعمق ورضا، وتوجه إلى غرفته.
~ ••••• ~
كان الصباح. تسللت أشعة الشمس الساطعة إلى المطبخ، بدايةً بهيجةً ليوم جديد. نزل إريك إلى الطابق السفلي، شعره أشعث تمامًا، ووجهه لا يزال عليه أثر النعاس. تثاءب، تثاؤبًا واسعًا، كرجلٍ نام نومًا عميقًا ومريحًا.
سكب لنفسه كوباً من الماء البارد، على أمل أن يوقظه من غيبوبة الأحلام اللطيفة التي راودته طوال الليل. أحلام عن ديليا.
ارتشف رشفة طويلة من الماء، فرأى ورقة على طاولة المطبخ. كانت ورقة واحدة مطوية بعناية، بدون ظرف. التقطها، فتعرف على خطها الأنيق على الفور. قرأ الرسالة:
سأذهب في رحلة إلى جزيرة باستون. سأعود خلال يومين أو ثلاثة أيام.
هذا كل ما في الأمر. لا تحية، ولا وداع. مجرد بيان بسيط للواقع.
صعد إريك مسرعًا إلى الطابق العلوي، وقلبه يخفق بشدة بمزيج مفاجئ ومربك من القلق والتسلية. فتح باب غرفة ديليا فوجدها فارغة. كان سريرها مرتبًا بعناية. فتش خزانة ملابسها ولاحظ أن بعض فساتين النهار البسيطة التي اشتراها لها مفقودة، بالإضافة إلى عباءة سفر.
نظر إلى المذكرة مجدداً، وهي لا تزال بين يديه. قرأ الجملة البسيطة والمباشرة مرة أخرى. ثم انطلقت من شفتيه ضحكة مكتومة خفيفة. تصاعد الصوت حتى أصبح ضحكة، ضحكة دافئة وصادقة ملأت أرجاء المنزل الخالي.
قال لنفسه وهو يهز رأسه في دهشة ممزوجة بالحب: “إنها رحلة، كما تقول. يبدو أن زوجتي قررت الذهاب في شهر عسل بمفردها.”
التعليقات لهذا الفصل " 93"