كانت كاتدرائية القديس بطرس العظيمة صامتة، يعبق جوها برائحة ألف زنبق أبيض وحجارة قديمة مقدسة. تسللت أشعة الشمس، متناثرةً بألوان قوس قزح، عبر نوافذها الزجاجية الملونة الرائعة، لترسم وجوه النبلاء المجتمعين بألوان زاهية. امتلأت المقاعد بأقوى الشخصيات وأكثرها نفوذاً في مملكة ألبيون بأسرها، جميعهم ينتظرون بترقب صامت.
وقف الكاهن أمام المذبح الكبير، يتردد صدى صوته في المكان الفسيح ذي السقف المقبب. بدأ قائلاً: “أيها الأحبة الأعزاء”، بكلمات رسمية تقليدية، “نجتمع هنا اليوم أمام الله، وأمام هذا الجمع الكريم، لنربط بين هذا الرجل وهذه المرأة برباط الزواج المقدس…”
وقفت ديليا بجانب إريك، ويدها تستقر برفق على ذراعه. أمام العالم، بدت كعروسٍ خجولةٍ سعيدة. كانت ابتسامتها هادئة، وقوامها مثالياً، وعيناها، اللتان تظهران من خلال الحجاب الرقيق الشفاف، تلمعان فرحاً. لكن في داخلها، كان قلبها قاسياً كالحجر، مليئاً بالعزيمة.
نطق الكاهن بالكلمات بصوت ثابت، لكن ديليا بالكاد سمعته. كان تركيزها منصبًا على اللحظة القادمة، على النذور التي ستحدد مصيرها وتمنحها القوة التي كانت في أمس الحاجة إليها.
وأخيراً، التفت الكاهن إلى إريك قائلاً: “هل تريد هذه المرأة زوجةً لك، لتعيشا معاً وفقاً لشريعة الله في رباط الزواج المقدس؟ هل ستحبها، وتواسيها، وتكرمها، وتحفظها في السراء والضراء، وتتخلى عن كل غيرك، وتبقي نفسك لها وحدها، ما دمتما على قيد الحياة؟”
استدار إريك ليواجه ديليا. لم ينظر إلى الكاهن، ولا إلى المصلين، بل نظر مباشرةً في عينيها. كانت نظراته مليئة بحنان عميق وثابت لدرجة أنها كادت أن تُنسيها الهدف البارد الكامن في قلبها.
قال بصوتٍ واضحٍ وقويّ، ينبض بصدقٍ عميقٍ يتجاوز مجرّد وعد: “سأفعل”. ثمّ بدأ عهده، كلماته كانت بمثابة تعهدٍ شخصيٍّ نابعٍ من القلب: “أنا، إريك كارسون، أتخذكِ يا ديليا زوجةً لي”. أمسك بيدها برفق. “لأكون معكِ في السراء والضراء، في الغنى والفقر، في الصحة والمرض. سأكون درعكِ حين تحتاجين إلى الحماية، وشريككِ حين تحتاجين إلى سندٍ، وملاذكِ حين تحتاجين إلى مكانٍ آمنٍ للراحة. أقسم أن أحبّكِ وأعتزّ بكِ حتى يفرقنا الموت”.
ثم التفت الكاهن إلى ديليا وقال: “هل تقبلين بهذا الرجل زوجاً لكِ؟”
أخذت ديليا نفسًا قصيرًا هادئًا. كانت هذه لحظتها. التفتت إلى إريك، وعلى وجهها ابتسامة حب مثالية. أجابت بصوت عذب وواضح كجرس فضي: “سأفعل”. كررت عهودها، وكانت كلماتها تلاوةً متقنةً لعهد الزوجة ووعدها.
تبادلا الخواتم. وضع خاتمًا ذهبيًا بسيطًا في إصبعها، رمزًا لقوته وثباته. بدورها، وضعت خاتمًا أكثر زخرفة، يحمل شعار عائلة كارسون، في إصبعه. كان المعدن باردًا على بشرته.
رفع الكاهن يديه فوق يديهما المتشابكتين وقال: “من جمعه الحاكم لا يفرقه إنسان”. ثم ابتسم وقال: “أعلنكما الآن زوجاً وزوجة”.
ساد الصمت أرجاء الكاتدرائية بينما رفع إريك، وعيناه لا تزالان مثبتتين عليها، حجابها برفق. للحظة، نظر إليها فقط، وتعبير وجهه يفيض بحب جارف وحقيقي يخطف الأنفاس. ثم انحنى وقبّلها، قبلة رقيقة وحنونة على شفتيها، ختمت عهودهما.
التفتوا إلى المصلين، وانفجرت الكاتدرائية الصامتة بتصفيق مدوٍّ من التهاني. كانت ابتسامة ديليا مشرقة. بدت كأنها أسعد عروس في العالم.
من المقعد الأمامي، رأت الدوقة ليرا تبتسم لهم، وعيناها تتألقان بفرحة خالصة لا تشوبها شائبة.
وبينما كانا ينزلان من المذبح، متشابكي الأيدي، مستعدين للسير في الممر كزوج وزوجة، تحركت أوغستا لاعتراض طريقهما. كانت تلوح بمروحتها بشكل درامي، كما لو كانت في حداد، وكان وجهها مرسوماً بقناع من التعاطف الحزين الكامل.
قالت أوغستا بصوتٍ عالٍ بما يكفي ليسمعه من حولها: “يا عزيزتي ديليا، لا بد أنكِ تشعرين بخيبة أمل كبيرة لأن والدكِ العزيز لم يتمكن من الحضور اليوم. لقد تدهورت صحته هذا الصباح.” ثم تظاهرت بذلك.
ابتسمت ديليا ابتسامةً رقيقةً لزوجة أبيها، التي كانت تؤدي دورها في هذه المهزلة العلنية. قالت بصوتٍ يفيض بقلق الابنة الرقيق: “لا بأس يا بارونة، صحته هي الأهم. لا داعي للقلق”.
ثم فعلت ديليا شيئًا فاجأ الجميع. انحنت وعانقت أوغستا عناقًا دافئًا وحنونًا. وبينما كانت ذراعاها تُحيطان بجسد زوجة أبيها المتصلب والمُكره، قرّبت شفتيها من أذن أوغستا.
همست قائلة: “أعلم أنك منعته من المجيء”، وكان صوتها أشبه بفحيح خافت سام لم يسمعه أحد سواها.
ثم أنهت العناق، وابتسامتها الرقيقة المعهودة لا تزال ثابتة على وجهها. أما أوغستا، فلم تستطع إخفاء بريق الصدمة والخوف في عينيها. أطلقت ابتسامة متسرعة مصطنعة، وشحب وجهها فجأة.
نظرت ديليا إليها، إلى المرأة التي عذبتها طوال حياتها، وشعرت بنشوة باردة مُرضية من القوة. “هذا صحيح، يا بارونة،” فكرت في نفسها. “اغضبي. خافي.” أمسكت بيد إريك الممدودة، وتحولت ابتسامتها إلى ابتسامة صادقة لأول مرة في ذلك اليوم. “لأن الغضب والخوف اللذين تشعر بهما الآن لا يُقارنان بما شعرت به. وهما لا شيء مقارنةً بما سأفعله بكِ.”
ابتسمت ابتسامةً مشرقةً أمام الجميع، فبدت كعروسٍ في غاية السعادة. وبينما بدأت هي وإريك مسيرتهما المظفرة في الممر الطويل، ألقت نظرةً أخيرةً على أوغستا، وكشفت لها عن أنيابها بسرعةٍ خاطفة. لم تكن ابتسامةً، بل كانت كشفًا عن أنيابها، وعدًا صامتًا.
التعليقات لهذا الفصل " 92"