استدارت ديليا، وذراعها لا تزال مرفوعة، وأصابعها متشابكة بإحكام حول التمثال الخزفي الثقيل. رأت أنه إريك. كان وجهه قناعًا من الصدمة والفزع. أخذ التمثال من قبضتها برفق ولكن بحزم، وأعاده إلى الطاولة بصوت نقرة خفيفة.
عادت نظرة ديليا الجامحة إلى الباب. لقد رحلت أوغستا. انطلقت من شفتيها شهقة مكتومة محبطة. التفتت إلى إريك، وعيناها تشتعلان غضباً ممزوجاً بالحزن.
همست بصوت أجشّ متقطع: “ماذا تفعل هنا؟ ليس من المفترض أن تكون هنا! من سوء الحظ أن يرى العريس عروسه قبل مراسم الزفاف!”
“أتحاولين تدمير كل شيء؟” أجاب إريك بصوتٍ منخفضٍ وعاجلٍ وهو يمسك بكتفيها. “ديليا، فكري! كل ما تحملتيه، كل إهانة، كل لحظة ألم، كل ذلك كان من أجل اليوم! وتريدين تدمير كل شيء بيديكِ؟” هزّها هزّةً خفيفةً لطيفة. “لو كنتِ ضربتِها، لو كنتِ قتلتِ البارونة، لكانوا قد ألقوا القبض عليكِ. لكانوا قد زجّوكِ في زنزانة. ماذا عن آن وجورج حينها؟ لن يكون انتقامكِ كاملاً. سيكون كل شيءٍ عبثاً.”
صرخت ديليا قائلةً: “لا يهمني!”، والكلمات تخرج من حلقها بصعوبة. “لا يهمني ما سيحدث بعد الآن! فقط اتركني وشأني!”
حاولت مغادرة غرفة الانتظار، للحاق بأوغستا، لإكمال ما بدأته. لكن إريك أمسك بذراعها، وسحبها إلى الوراء قبل أن تصل إلى الباب.
صرخت وهي تقاوم قبضته الحديدية: “أطلق سراحي! أطلق سراحي! قلت أطلق سراحي! أطلق سراحي!” ثم لوت وجذبت، وكانت حركاتها محمومة وهستيرية، كحيوان محاصر.
“تماسكي يا ديليا!” صاح بصوت حاد آمر اخترق ذعرها. هزّ كتفيها، لا ليؤذيها، بل ليعيدها إلى رشدها.
توقفت عن المقاومة فورًا. وقف كلاهما في الغرفة الصامتة، يلهثان بشدة، ويحدقان في بعضهما. أرخى قبضته عنها ببطء، وتحولت ملامحه من الغضب إلى قلق عميق. وقفت لثوانٍ طويلة، يرتجف جسدها، قبل أن تستدير وتعود إلى مقعدها أمام المرآة، وقد انحنت كتفاها في استسلام.
أطلق إريك نفساً عميقاً مرتجفاً. ثم تقدم نحوها وجثا أمامها حتى أصبح وجهه بمستوى عينيها. نظر إلى المرأة الجميلة المكسورة التي ترتدي فستان زفافها الرائع.
قال بصوتٍ رقيقٍ وعذب: “ستصبحين اليوم عروس الدوق إريك. ستكونين الدوقة ديليا من إيلينغبورغ. ستتزوجين في أبرز كاتدرائية في المملكة، وستبدين أجمل من أي امرأة رأيتها في حياتي”. ثم مدّ يده ومسح بإبهامه برفق دمعةً واحدةً لامعةً انهمرت من عينها على خدها.
“عليكِ أن تخرجي إلى هناك وتبتسمي،” تابع بصوتٍ هادئٍ ولطيف. “عليكِ أن تبتسمي وكأنكِ أسعد إنسانةٍ على وجه الأرض، حتى يحسدكِ كل من في هذه الكاتدرائية. ستُظهرين لهم جميعًا أنكِ قد انتصرتِ.” نظر إلى عينيها، وعيناه تفيضان بإخلاصٍ عميقٍ لا يتزعزع. “إذن، أخبريني يا ديليا، ماذا يمكنني أن أفعل لأجعلكِ تبتسمين؟”
نظرت إلى انعكاس صورته في المرآة، إلى التعبير الصادق والمحب على وجهه. هدأت ارتعاشاتها، وتحول الحزن الجامح في عينيها إلى نار باردة مألوفة.
قالت بصوتٍ خافتٍ بارد: “سأدمر البارونة، وسأدمر ابنتها، وسأدمر جورج بيمبروك. ثم”، أضافت وعيناها تضيقان، “سأحرق مصنع إلينغتون للنسيج عن بكرة أبيه. سأستولي على كل ما يخصني”. ثم التفتت أخيرًا عن المرآة ونظرت إليه بنظرةٍ حادةٍ ثاقبة. “هل ستساعدني في ذلك؟”
أجاب إريك بابتسامة هادئة وثابتة: “أتتذكرين حين طلبت يدكِ في الكوخ؟ حين أخبرتكِ أنني سأساعدكِ في انتقامكِ؟” أومأ برأسه. “لقد أعطيتكِ وعدًا، ولن أخلفه.” مسح برفق دمعة أخرى من خدها. “إذن، هل ستفعلين هذا من أجلي الآن؟ هل ستبتسمين؟ أرجوكِ.”
نظرت إليه ديليا، إلى الرجل الذي لم يكن يعرض عليها لقباً وحماية فحسب، بل سيفه في حربها. أومأت برأسها، حركة واحدة حاسمة.
وبعد لحظات، بدأت نغمات موسيقى الزفاف العظيمة والمهيبة تعزف على أورغن الكاتدرائية الضخم، وتردد صداها عبر الأقواس الحجرية. ثم فُتحت الأبواب الخشبية الكبيرة المؤدية إلى صحن الكنيسة.
سارت ديليا وحدها في الممر الطويل المغطى بالسجاد الأحمر. كانت جميع الأنظار متجهة إليها. وانتشرت الهمسات بين الحضور كريح عاصفة.
“إنها تمشي وحدها!”
أين والدها؟ البارون؟
“يا لها من فضيحة! عروس ليس لديها من يسلمها إلى عريسها!”
لكن ديليا لم تسمعهم. رفعت رأسها عالياً، وعلى وجهها ابتسامة صغيرة هادئة، ابتسامة بدت لمئات الضيوف وكأنها ابتسامة سعادة خالصة لا تشوبها شائبة. كانت نظرتها مثبتة على نهاية الممر، على الرجل الذي كان ينتظرها هناك.
وقف إريك عند المذبح، يبدو أكثر وسامة وجلالاً من أي وقت مضى. عندما وصلت إليه، مدّ يده، فأمسكت بها، وأحكمت أصابعه الدافئة والقوية قبضتها على أصابعها. تصاعدت موسيقى الأورغن إلى ذروة انتصار ثم خفتت.
انحنى نحوها، وهمس بصوت خاص لها وحدها: “هل أنتِ مستعدة يا دوقة؟”
رفعت بصرها إليه، وعيناها الزرقاوان تلمعان بعزيمة جديدة لا تلين، وأومأت برأسها. ثم استدارا لمواجهة الكاهن، شخصان وحيدان، جبهة موحدة، وسط حشد من الشهود.
التعليقات لهذا الفصل " 91"