توقفت العربة في الفناء المظلم. وقبل أن يتمكن السيد راي من النزول من مقعده، فتح إريك الباب بنفسه وحمل جثة ديليا الهامدة برفق إلى هواء الليل البارد.
التفت إلى سائقه الموثوق وقال بصوتٍ مُلحٍّ ومتوتر: “سيد راي، هل يمكنك من فضلك أن تذهب وتنادي على السيدة أغنيس؟ إنها تسكن في نهاية الطريق. أخبرها أن الأمر طارئ. أحتاج إلى مساعدة إضافية في رعاية الليدي ديليا هذه الليلة.”
قال راي وهو يومئ برأسه بقلق: “حاضر يا صاحب السمو”. ثم انحنى وغادر على الفور، واختفى في الظلام.
حمل إريك ديليا إلى داخل المنزل الفخم الهادئ. لم يأخذها إلى غرفة الاستقبال أو إلى سريرها. بل حملها مباشرةً إلى غرفتها، ومنها إلى حمامها الخاص. جلس برفق على الأرضية الباردة، وضمّها إلى صدره كما لو كان يحميها من العالم بجسده. أبقاها هناك، في الظلام الهادئ، تنتظر.
بعد لحظات، دخلت امرأة قصيرة القامة، ذات وجه بشوش، في أواخر الخمسينيات من عمرها، مسرعة إلى الغرفة، وقد بدا عليها القلق. كانت السيدة أغنيس، مديرة منزل متقاعدة من عزبة كارسون، تعيش الآن حياة هادئة في مكان قريب، وتأتي لتنظيف منزل إريك من حين لآخر.
“صاحب السمو؟” نادت بصوت ناعم ومهذب.
أجاب إريك بصوت ثقيل: “هنا يا سيدتي أغنيس”.
تبعت السيدة أغنيس الصوت ودخلت منطقة الاستحمام، ووضعت يدها على فمها. “يا إلهي!” صرخت، عندما رأت الدوق ملقىً على الأرض، وهو يحتضن الشابة التي بدت بلا حراك بين ذراعيه. “ما الأمر؟”
قال إريك بصوت مليء بالامتنان المتعب: “أنا آسف لأنني اتصلت بك في وقت متأخر من الليل”.
أجابت السيدة أغنيس، وقد استعاد جانبها العملي زمام الأمور: “لا مشكلة على الإطلاق يا صاحب السمو. سأكون حاضرة دائماً كلما احتاج صاحب السمو إلى خدماتي”. تأملت بعينيها الحنونتين الخبيرتين وجه ديليا الشاحب وفستانها المبلل بالطين.
سأل إريك: “هل يمكنكِ تحضير حمام دافئ لها؟ و… تحميمها لي أيضاً، بالطبع؟” كان الطلب حساساً، ولكنه ضروري.
“بالتأكيد يا صاحبة السمو”، انحنت أغنيس، ثم التفتت على الفور إلى المهمة.
راقب إريك المرأة المسنة الخبيرة وهي تُجهز الحمام، وملأ صوت الماء الجاري الغرفة الهادئة. أضافت أملاح الاستحمام العطرية، وسرعان ما امتلأ الجو برائحة اللافندر المهدئة.
“صاحبة السمو؟” قالت السيدة أغنيس بلطف، مشيرة إلى أن الحمام جاهز.
نهض إريك، وحمل ديليا معه. ضمّها إليه للحظة، ولامست يده برفق خدّها البارد، وقلبه يعتصر ألمًا لرؤية نظرتها الشاردة الخالية من المشاعر. ثم ناولها بحرص إلى مدبرة المنزل وغادر منطقة الاستحمام، تاركًا لهما بعض الخصوصية.
خلعت السيدة أغنيس ملابس ديليا بحرص وساعدتها على دخول الماء الدافئ العطر. ثم غسلتها برفق، مزيلةً عنها الأوساخ وآثار صدمة الليلة الماضية. بعد ذلك، ألبستها ثوب نوم نظيفًا وناعمًا.
بينما كانت السيدة أغنيس تجلس ديليا على طاولة الزينة، سار إريك، الذي كان يجلس بقلق على حافة سريرها، نحو طاولة الزينة.
قال بصوت هادئ لكن حازم: “سأتولى الأمر من هنا يا سيدتي أغنيس. شكرًا لكِ. يمكنكِ أخذ إحدى غرف الضيوف لليلة. سيكون من الأسهل عليكِ العمل في الصباح قبل عودتكِ إلى المنزل.”
أدركت السيدة أغنيس حاجته إلى أن يكون هو من يعتني بها الآن، فانحنت ببساطة وغادرت، وأغلقت الباب بهدوء خلفها.
أخذ إريك منشفة ناعمة ونظيفة وبدأ يجفف شعر ديليا الطويل الداكن برفق. ثم أخذ فرشاة ومشطها ببطء وعناية، حتى أصبح الشعر ناعمًا ولامعًا. ذهب إلى حقيبة الإسعافات الأولية في منطقة الاستحمام ووجد علبة مرهم علاجي. جثا أمامها، وأخذ قدميها الصغيرتين العاريتين في حضنه، وبدأ يضع المرهم الملطف برفق على الجروح في باطن قدميها.
بعد أن انتهى من الاعتناء بها، وبعد أن لبّى جميع احتياجاتها بتفانٍ وحبٍّ عميقين، حملها مرة أخرى إلى سريرها. وضعها برفق وسحب الغطاء حتى ذقنها.
لأول مرة منذ أن وجدها، تحركت من تلقاء نفسها. استدارت إلى الجانب الآخر من السرير، وأدارت ظهرها له، متجنبة نظراته. كانت حركة صغيرة، لكنها كانت علامة على الحياة، علامة على أنها ما زالت موجودة هناك، في مكان ما.
جلس على حافة السرير، وقلبه يعتصر ألمًا لأجلها. تحدث بنبرة حنونة رقيقة، كأن صوته همسة لطيفة في الغرفة الهادئة. همس قائلًا: “لا أعرف ما حدث لكِ الليلة يا ديليا، ولكن إن أردتِ البكاء، فلا بأس. أخرجي ما في قلبكِ. سيساعدكِ ذلك على تخفيف الألم والحزن.”
كأن كلماته كانت مفتاحًا يفتح بابًا أبقته مغلقًا بإحكام لفترة طويلة. انهمرت دمعة من عينها، ثم أخرى. بدأت أكتافها ترتجف. ثم قطعت شهقات خافتة الصمت، الذي سرعان ما تحول إلى بكاء مدوٍّ يمزق القلب.
انهمرت دموعها بغزارة، مُفرغةً كل الألم والخوف والخيانة والحيرة التي رافقتها خلال الأيام القليلة الماضية. بكت على أمها التي لم تعرفها قط، وعلى جدها الذي كانت أسراره عبئاً ثقيلاً، وعلى الحياة التي سُلبت منها.
جلس إريك هناك، يستمع، وكل شهقةٍ كانت كأنها طعنةٌ في قلبه. شعر بالألم نفسه في صدره، ألمٌ عميقٌ لا حول له ولا قوة. مدّ يده، راغبًا في التربيت على كتفها، ليُخفف عنها قليلًا. تردد في البداية، لا يريد أن يُقحمها في حزنها الخاص. لكنه لم يستطع البقاء مكتوف الأيدي. وضع يده برفق على كتفها المرتجف.
بقي بجانبها طوال الليل. جلس هناك فقط، يراقبها، ويسمع بكاءها، ويقدم لها الراحة الصامتة بوجوده بينما كانت أخيراً، أخيراً، تنهار تماماً.
التعليقات لهذا الفصل " 89"