انطلقت العربة عبر شوارع المدينة المظلمة الخالية، يتردد صدى حوافر الخيول كدقات قلب مضطربة. في الداخل، جلس إريك متصلباً، ويداه مشدودتان بقوة، وعيناه تجوبان كل زقاق مظلم، وكل زاوية مظللة يمرون بها.
توقفوا عند كل نقطة، عند كل موقع يقف فيه حارس دورية مع فانوسه، نقطة ضوء وحيدة في الظلام الدامس.
“هل رأيتَ فتاةً؟” كان إريك يسأل بصوتٍ يائسٍ يملؤه اليأس. كان يميل من نافذة العربة، وعيناه تتوسلان. “لديها شعرٌ طويلٌ داكنٌ مجعد، وعيونٌ زرقاءٌ ساحرةٌ لم ترَ مثلها من قبل. كانت ترتدي فستانًا أزرق فاتحًا. هل رأيتها؟”
وتكرر الجواب نفسه مراراً وتكراراً. هزّة رأس، ونظرة متعاطفة لكنها غير مفيدة. “لا يا صاحب السمو. لم أرَ أحداً كهذا الليلة.”
مع كل رفض، ازداد خوف إريك، كحجر بارد ثقيل في معدته. وكان السيد راي يحث الخيول على المضي قدماً، ويستمر البحث اليائس.
وصلوا إلى نقطة تفتيش أخرى بالقرب من أطراف المدينة، حيث وقف حارسان معاً، يتشاركان بعض الدفء من موقد صغير.
“مساء الخير أيها السادة الكرام”، نادى إريك بصوت أجش من تكرار نفس السؤال طوال الليل.
فوجئ الحراس بتوقف العربة الفخمة من أجلهم، فردوا التحية دون أن يتعرفوا عليه. “مساء الخير يا سيدي”.
تكلم أحدهم، وهو رجل مسنٌّ أكثر حذراً، قائلاً: “لا ينبغي لك أن تكون بالخارج في هذا الوقت يا سيدي. فالمدينة ليست آمنة بعد اكتمال القمر.”
أجاب إريك وقد نفد صبره: “أجل، أعلم. أنا أبحث عن شخص ما. فتاة صغيرة.”
تنهد الحارس الآخر، وهو شاب ذو عينين متعبتين، وقال: “إنها ليلة سيئة يا سيدي. نشهد الكثير من حالات الاختفاء هذه الأيام.” هز رأسه بحزن. “في الواقع، هناك واحدة في منزلي الآن. زوجتي معها. إنها فاقدة للوعي تمامًا. لم أستطع الحصول منها على كلمة واحدة. سأجد طريقة للتواصل مع أهلها في الصباح.” تنهد مرة أخرى. “يا إلهي، تبدو تائهة للغاية. عيناها الزرقاوان… بدتا خاليتين من الحياة و…”
أثار ذكر العيون الزرقاء حواسّ إريك بشدة. لم ينتظر السيد راي ليفتح الباب، بل فعلها بنفسه، ونزل من العربة بسرعةٍ خاطفةٍ أرعبت الرجلين، فجعلتهما يتراجعان خطوةً إلى الوراء.
أجاب الرجل، وقد بدا عليه الذهول: “نعم سيدي. أزرق كلون سماء الصيف.”
“وشعر داكن مجعد؟” تابع إريك، متقدماً خطوة. “ربما يكون مربوطاً على شكل كعكة منخفضة أنيقة، أو ربما يكون قد انفك؟”
أجاب الرجل: “لا أعرف شيئاً عن الكعكة يا سيدي، لكن نعم، لديها شعر طويل جداً، داكن، ومجعد. كان مبللاً تماماً من الأمطار عندما وجدناها.”
سأل إريك السؤال الأخير والأهم، وقلبه يخفق بشدة في صدره: “هل كانت ترتدي فستاناً أزرق فاتحاً؟”
أومأ الرجل برأسه. “نعم يا سيدي. هذا هو.”
قال إريك: “إنها زوجتي”، وكانت كلماته مزيجاً من الارتياح الشديد والرعب الذي يكاد يخنق الأنفاس. “أرجوكم، خذوني إليها. يمكننا أن نأخذ عربتي. سيكون ذلك أسرع.”
أدرك الحارسان خطورة الموقف، فدخلا العربة بسرعة مع إريك. واتبع السيد راي توجيهات الحارس الأصغر، وقادهم عبر متاهة من الشوارع السكنية الهادئة.
توقفوا أمام منزل صغير وجميل، منزل متواضع ولكنه مُعتنى به جيداً مع حديقة صغيرة في الأمام. نزل إريك بسرعة من العربة وتبع الرجل إلى منزله دون انتظار دعوة.
هناك، في غرفة جلوس بسيطة ولكنها نظيفة، رآها.
كانت ديليا جالسةً على كرسي خشبي بجوار المدفأة الباردة، تبدو وكأنها بلا حياة. شعرها الأسود الجميل، الذي لم يعد مرفوعًا في كعكته الأنيقة، كان منسدلًا، وخصلاته المبللة تتساقط في فوضى عارمة على وجهها وكتفيها. عيناها الزرقاوان الرائعتان، اللتان وصفهما للتو بأنهما كسماء الصيف، كانتا خافتتين بلا روح، تحدقان في الحائط بنظرة جامدة. كان طرف فستانها الأزرق الباهت الجميل ممزقًا ومغطى بالطين. كانت قدماها حافيتين، ولم يكن لقفازاتها أثر.
كانت زوجة الرجل، وهي امرأة طيبة المظهر، جاثيةً أمامها، تمسح برفق الدماء عن الجروح الصغيرة العديدة في باطن قدميها بقطعة قماش دافئة ورطبة. لكن ديليا لم تُبدِ أي ردة فعل تجاه الألم. لم تُبدِ أي رد فعل على الإطلاق. كانت كما لو كانت دمية جميلة مكسورة. كما لو كانت ميتة من الداخل.
انكسر قلب إريك لرؤيتها. اقترب ببطء وانحنى أمامها، حتى أصبح وجهه بمستوى وجهها.
قال بصوتٍ خافتٍ متألم: “ديليا، ماذا حدث لكِ؟”
ظلت ديليا صامتة، ولم تبدُ عيناها الخاليتان وكأنهما تدركان وجوده.
قال الحارس بهدوء من خلفه: “لا نعلم نحن أيضاً يا سيدي. وجدناها تتجول قرب الغابة القديمة، وقد تبللت تماماً من الأمطار. إنها لا تنطق بكلمة واحدة.”
نظر إليها إريك مجدداً. لقد رحلت تلك المرأة المفعمة بالحيوية والقوة والجمال والبهجة التي غادرت منزله ذلك الصباح. لقد حلت محلها هذه القشرة الفارغة المحطمة، امرأة بدت وكأنها سئمت الحياة نفسها.
التفت إلى الرجل وزوجته، وعيناه تلمعان بالامتنان. قال بصوتٍ يرتجف من شدة التأثر: “شكرًا لكما، شكرًا جزيلًا لكما”. ثم طلب ورقة وقلمًا، وكتب بسرعة شيئًا ما وناولها للرجل.
نظر الرجل إلى الورقة، واتسعت عيناه في حالة من عدم التصديق لما كُتب هناك – مذكرة ائتمان بمبلغ كبير من المال من شأنه أن يغير حياتهم إلى الأبد وعنوان إقامته.
قال إريك: “إذا احتجت إلى أي شيء، أي شيء على الإطلاق، فلا تتردد في القدوم إلى ذلك العنوان. وإلا فسأرسل مساعدي ليقدم لك شكري الرسمي”.
أجاب الرجل، وهو يتعرف على الرجل الذي أمامه، يهز رأسه، ولا يزال في حالة صدمة: “لا، لا يا صاحب السمو. كنت أقوم بعملي فقط. لم يكن الأمر شيئاً”.
أجاب إريك بصوتٍ يملؤه صدقٌ يائس: “لم يكن الأمر لا شيء. لقد أنقذتني مهمتك الليلة. لأنني لا أعرف ماذا كان سيحدث لي لو لم أتمكن من العثور عليها.”
ثم التفت إلى ديليا. أزاح شعرها الأشعث برفق عن وجهها، وبحنانٍ يكاد يُفطر القلب، حملها من على الكرسي بين ذراعيه. كانت خفيفة كطفلة، لا تُصدر صوتًا ولا حركة، ورأسها مُستلقٍ على كتفه.
قال للمرة الأخيرة وهو ينحني برأسه للزوجين اللطيفين: “شكراً لكما”. ثم حملها خارج المنزل الصغير وأعادها إلى هواء الليل البارد، نحو العربة، وهو يضمها إليه، كما لو أن دفئه وحده قادر على إعادتها من ذلك المكان المظلم الصامت الذي ذهبت إليه.
التعليقات لهذا الفصل " 88"