كانت الشمس قد غابت منذ زمن بعيد خلف الأفق، وكان القمر، هلالًا باهتًا وحيدًا، معلقًا عاليًا في السماء المظلمة الصافية. وقف إريك عند نافذة غرفة الجلوس، يراقب البوابة، منتظرًا. ظل ينتظر. جلبت زخات المطر الخفيفة التي هطلت لدقيقة تقريبًا برودةً محسوسةً في هواء الليل، تتسرب عبر الزجاج، لكنه لم يلحظها. أخرج ساعته الذهبية من جيبه للمرة العشرين على ما يبدو. أشارت عقاربها إلى ساعة متأخرة.
قال للغرفة الفارغة: “كان ينبغي أن تكون في المنزل الآن، أليس كذلك؟”
أمضى بقية اليوم محاولاً العمل، محاولاً التركيز على العقود والشحنات، لكن ذهنه ظلّ يعود إليها. تذكر ابتسامتها الخجولة الجميلة وهي تنظر إليه حين نزلت الدرج في وقت سابق من ذلك اليوم. لقد منحها مساحة، محترماً حاجتها لمعرفة ما تريد، لكن الآن، بدأت تلك المساحة تبدو كفراغ بارد موحش.
تنهد وسار نحو غرفته. وبينما كان يمر في الممر الهادئ ذي الإضاءة الخافتة، رأى باب غرفة ديليا مواربًا قليلًا. توقف، وعقد حاجبيه. أراد مساعدتها في إغلاقه ليضمن خصوصيتها، لكن شيئًا ما لفت انتباهه من الداخل. لون غريب متلألئ على طاولة كتابتها.
تردد للحظة قبل أن يدفع الباب ببطء وهدوء ويدخل. كانت هذه أول مرة يدخل فيها غرفتها منذ انتقالها للعيش معها. غمرته على الفور رائحة خفيفة آسرة من الخزامى. كانت رائحتها، وشعر بمزيج غريب من التطفل والراحة، كما لو كان يدخل إلى أعماق روحها.
اتجهت عيناه نحو مصدر اللمعان. على طاولة كتابتها، بجانب كومة مرتبة من الكتب، كانت هناك عبوة زجاجية صغيرة تحتوي على صبغة بلون لم يستطع تحديده بدقة. كان لونًا بنفسجيًا ناعمًا وشفافًا، لكنه بدا وكأنه يتلألأ بلمحات فضية في ضوء المصباح وبدرجات لونية مختلفة. لم يكن مثاليًا، لكنه كان جميلًا. بجانبه كانت هناك ملاحظة صغيرة مكتوبة بخط يدها الأنيق: “يجب إعادة الصبغ. نسبة المثبت لا تزال غير مضبوطة.”
ضحك إريك ضحكة خفيفة وهو يُعيد الورقة إلى الطاولة. حتى في مشاريعها الشخصية، كانت تسعى للكمال.
كانت حواسه لا تزال تغمرها رائحة الخزامى الخفيفة في الغرفة. كانت الرائحة في كل مكان – على الرداء البسيط المعلق على ظهر الكرسي، وعلى وسادة سريرها المرتب بعناية. ثم اتجهت عيناه إلى منضدة زينتها. رأى الشريط الأزرق الداكن الذي أهداها إياه، ذلك الذي كان في مكتبه في الكابينة، موضوعًا بجانب مجموعة قليلة جدًا من الزينة. فرشاة واحدة ذات ظهر فضي، وزجاجة صغيرة من ماء الخزامى، ولا شيء آخر تقريبًا.
“سأضطر لشراء المزيد من الحلي لها”، فكر في نفسه، وشعر بشعور دافئ وحمائي ينتشر في صدره.
شعر بوخزة ذنب لتركه إياها وحيدة هنا ليومين. رأى بعض الكتب على طاولة كتابتها؛ بعضها كان عليه علامات تدل على قراءتها وحبها. التقط أحدها. كان ديوان شعر.
ثم رآه. كتاب بسيط ذو غلاف جلدي، مدسوس قليلاً تحت كومة من الأوراق. كان مذكراتها. كان يعلم أنه لا ينبغي له لمسه. كان يعلم أنه مساحتها الخاصة، انتهاك لا يحق له ارتكابه. لكن فضوله، وحاجته الماسة لفهم تلك المرأة المعقدة والكتومة التي سيتزوجها، تغلبا عليه. بشعور من الذنب والترقب، أخذ الكتاب وفتحه.
أول صفحة قلبها جعلته يبتسم. خطها الأنيق ملأ الصفحة.
تقول السيدة تريمين إن آمبر أخبرتها أن عينيّ تتألقان كالياقوت. لم أفكر في عينيّ بهذه الطريقة من قبل. آمبر إنسانة طيبة وحنونة. أعتقد… أعتقد أنني بدأت أفهم معنى أن يكون لديكِ أخت حقيقية.
ضحك بخفة، وشعر بدفء يملأ قلبه عند فكرة أن يصبحا صديقين. ثم قلب الصفحة إلى صفحة أخرى، صفحة من بعد لقاء العائلة في دار الأيتام.
رأيت الدوقة الأرملة اليوم، وابتسمت لي. أما الدوقة ليرا، حماتي المستقبلية، فقد دافعت عني. وقفت إلى جانبي. أمي نعمة حقيقية. أحبها وأحب جدتي أيضاً. أخيراً لدي عائلة أشعر أنها عائلة حقيقية.
قلب الصفحة إلى صفحة أخرى، يعود تاريخها إلى أسابيع مضت، حتى قبل أن تلتقي به. وبينما كان يقرأ، اختفت الابتسامة من وجهه. شعر بدوار، وخرجت أنفاسه متقطعة وحادة.
أغلق الكتاب بسرعة، ويداه ترتجفان. رماه على الطاولة كأنه أحرقه. الألم في تلك الكلمات، والخيانة القاسية التي تعرضت لها… كان الأمر يفوق طاقته. خرج متعثرًا من غرفتها، وأغلق الباب خلفه، وتوجه إلى غرفة الجلوس، وقلبه يخفق بشدة. سكب لنفسه كوبًا من الماء، ويده ترتجف بشدة حتى أن بعض الماء انسكب.
وبينما كان يحاول تهدئة قلبه، دخل السيد راي الغرفة، ووجهه شاحب، وتعبير وجهه يعكس ذعراً شديداً.
قال بصوتٍ مُلحٍّ ومفعمٍ بالخوف: “يا صاحب السمو، السيدة ديليا مفقودة”.
سقط الكأس من يد إريك وتحطم على أرضية الخشب المصقولة، وتردد صدى الصوت كصوت طلقة نارية في المنزل الصامت.
قال إريك بصوتٍ خافتٍ مختنق: “ديليا؟ ماذا تقصدين؟ كيف؟”
«ذهبتُ لأخذها يا صاحب السمو، كما طلبت مني»، أوضح راي بصوتٍ مرتعشٍ قليلاً. «ذهبتُ إلى منزل جدها في الموعد المتفق عليه. ولكن عندما وصلتُ، أخبرني كبير الخدم أنها غابت لساعات. قال إنه يعتقد أنها استأجرت عربةً لتُقلّها إلى المنزل». أخذ نفسًا عميقًا مرتعشًا. «لقد تأخر الوقت جدًا يا صاحب السمو. أخشى… أخشى أنها ربما تكون قد اختُطفت».
لم يُضيّع إريك ثانيةً أخرى. لم يصرخ، ولم يُصب بالذعر. تحرّك فحسب. ساد عليه هدوءٌ باردٌ ومُرعب. أخذ معطفه من على الأريكة حيث تركه، واتجه مباشرةً نحو الباب الأمامي. نظر إلى السماء المظلمة الخالية من النجوم. قال بصوتٍ خفيضٍ وخطير: “سيزداد البرد. أتمنى أن تكون بخير”.
فتح راي، الذي استعاد وعيه من الصدمة، باب العربة لإريك. صعد إريك إلى العربة. سارع راي إلى مقعد السائق. لم ينتظر. بل حرّك اللجام بقوة.
“هايا!” صاح بصوت حادّ كصوت صرير في هواء الليل البارد. شعرت الخيول بإلحاح سيدها، فانطلقت تعدو بأقصى سرعة، حاملةً الدوق في ظلمة الليل ليجد المرأة التي أدرك الآن أنه لا يستطيع العيش بدونها قبل أن يحدث شيء فظيع.
التعليقات لهذا الفصل " 87"