ألقت الشمس الغاربة بظلال طويلة على جناح الحديقة حيث جلست آن مع والدتها. كان الهواء ساكناً ودافئاً، لكن الجو بين المرأتين كان بارداً وجافاً.
“ماذا!” قالت أوغستا، وارتطم فنجان الشاي الخزفي بصحنه وهي تسقطه على الطاولة في حالة صدمة. حدقت في ابنتها وكأنها تقول شيئًا غريبًا. كانت آن قد عادت لتوها من اجتماعها الفاشل للزواج، وبدلًا من أن تغضب من والدها لتزويجها بشخص مثل ويستون، كانت الآن تطلب أكثر طلب جريء وصادم سمعته أوغستا في حياتها.
“هل تريدين أن يتم ترتيب لقاء بينك وبين الدوق فيليب؟” كررت أوغستا، وكان صوتها مزيجًا من عدم التصديق والذعر.
ارتشفت آن رشفة بطيئة ومتأنية من شايها، وكان تعبير وجهها هادئاً تماماً. سألت، بنظرة تحدٍّ باردة في عينيها: “لماذا لا؟”
أجابت أوغستا، وقد بدأت أعصابها تتلاشى: “بالطبع لا يمكنكِ ذلك! آن، الدوق فيليب هو…”
قاطعت آن قائلةً بصوتٍ هادئٍ وواثق: “أعرف من هو. إنه الأخ الأكبر للدوق إريك. وهو الوريث الرسمي لمؤسسة كارسون للنسيج العريقة. وهذا يعني أنه أعلى من إريك مكانةً وسلطةً. يملك إريك دوقيةً صغيرةً في إلينبورغ، لكن فيليب يملك كولدر بأكملها، المقر التاريخي لعائلتهم.” توقفت آن للحظة، وارتشفت رشفةً أخرى من الشاي، وعلى وجهها نظرةٌ متأملةٌ وحسابية. “هذا هو نوع الرجل الذي أريده يا أمي.”
“وماذا تفكرين في فعله؟” سألت أوغستا، وعقلها مشوش.
أسقطت آن كوبها، وانحنت إلى الأمام، وثبتت نظرها على والدتها، وعيناها الآن تشتعلان بطموح جديد بارد.
قالت: “هناك شيء أفضل بكثير مما تفكرين به يا أمي”. ابتسمت ابتسامة حادة وواثقة جعلت والدتها تشعر بقشعريرة رغم دفء الجو. ثم استرخت في مقعدها.
“فقط رتب لي موعداً معه. أخبرني عندما يكون لديك موعد.”
أخذت رشفة أخرى من الشاي، وأغلقت على والدتها بإيماءة بسيطة وأنيقة، تاركة أوغستا عاجزة عن الكلام تحدق في الغريبة المصممة والقاسية التي أصبحت ابنتها فجأة.
~•••••~
كانت رحلة العربة إلى منزل إريك طويلة وصامتة حدّ الكآبة. كان القمر قد بزغ، قرصًا شاحبًا وحيدًا في السماء المظلمة، يُنير ضوءه الفراغ المتوتر بينهما. ألقت ديليا نظرة خاطفة على إريك. كان يحدق من النافذة، فكه مشدود، وملامحه قاسية كالحجر. استدارت ونظرت من نافذتها، تراقب الأشجار الداكنة وهي تمر مسرعة، وقلبها مثقل بمزيج من الخوف وقلق غريب عليه، شعور بالحماية.
عندما وصلوا أخيرًا، فتح راي باب العربة. نزل إريك أولًا، وكانت حركاته متصلبة وغاضبة. ثم ساعد راي ديليا على النزول. لم ينتظرها إريك، بل سار أمامها وأمسك باب المدخل الثقيل مفتوحًا لها. وما إن دخلت، حتى تبعها وأغلق الباب خلفهما بصوت نقرة مدوية.
كانت ديليا، التي أرادت الهروب من التوتر الخانق، تتجه مباشرة إلى أمان غرفتها عندما أوقفها صوته.
قال بصوت منخفض وبارد: “فيليب، لقد أخبرتك ألا تقابله”.
استدارت ديليا لمواجهته. سار نحوها بخطوات بطيئة ومتأنية، ولم يقطع التواصل البصري بينهما. “هذا هو الشيء الوحيد الذي طلبته منكِ يا ديليا. الشيء الوحيد. ولم تستطيعي حتى فعله؟”
أجابت بصوت هادئ لكن حازم: “أردت المساعدة. أردت أن أفهم ما كان يحدث. لهذا السبب ذهبت.”
قال بصوت مليء بألم عميق وحقيقي كان يحاول إخفاءه بالغضب: “أنا لست بحاجة لمساعدتك يا ديليا”.
كانت تحدق به، في الألم الذي بدا واضحًا في عينيه، مهما حاول إخفاءه. “أنا بخير”، أصرّ، رغم أنها كانت كذبة واضحة. “لقد أخبرتكِ من قبل أنني بخير”.
قالت ديليا بصوتٍ يزداد قوةً وهي تسرد الحقائق التي لاحظتها: “أنت لست بخير. هو السبب في أنك لا تحب العودة إلى قصر كارسون. هو السبب في بقائك هنا، حبيسًا في هذا المنزل الكبير الفارغ وحيدًا. هو السبب في أنك لا تنام جيدًا في الليل، هو السبب في أنك تغرق نفسك في عملك حتى تُنهك، فقط لتمنع نفسك من النوم. لقد رأيتك يا إريك. أحيانًا لا تستطيع حتى التنفس بشكل صحيح، وتشعر بالدوار.” اقتربت خطوةً إلى الأمام. “كيف يُمكن حل أيٍّ من هذا؟ أنت لست بخير. أنت فقط تتجنب الأمر.”
استدارت لتغادر، وكلماتها معلقة في الهواء بينهما. ولكن قبل أن تخطو خطوة، امتدت يد إريك فجأة وأمسك بمعصمها، وجذبها إليه حتى تعثرت وسقطت على صدره.
تحدث إريك، أنفاسه دافئة على بشرتها، وصوته أجشّ من شدة اليأس والعاطفة الجياشة. سألها، وعيناه الداكنتان تحدقان في عينيها: “هل تريدين معرفة كل هذا؟ هل أخبركِ بكل شيء؟ القصة البشعة بأكملها؟”
حدقت ديليا إليه، في مدارات عينيه المظلمة، ورأت الألم العميق الذي أخفاه هناك.
“إذن، هل أنتِ مستعدة لمواجهة ما سيأتي بعد ذلك؟” همس. قلّص المسافة المتبقية بينهما، جسده يحيط بجسدها، وقبضته لا تزال محكمة على معصمها. “لا يمكننا الجلوس والدردشة حول الكعك وعقود العمل بعد الآن يا ديليا. بمجرد أن نتزوج، ستتعمق الأمور. ستصبح حقيقية.” نظر إليها، وابتسامة مريرة ترتسم على شفتيه. “وأنتِ من كنتِ تنصحينني بعدم تجاوز الحدود. والآن أنتِ من تتجاوزينها. ألا تدركين ذلك؟”
كانت حدة نظراته، وضعفه الصارخ في صوته، أكثر من اللازم. تراجعت ديليا للخلف، خالقةً مسافة بينهما، وتصاعدت دفاعاتها. قالت بصوتٍ متقطع: “أنا لا أقول ذلك. أشعر فقط… أشعر أنك ستكون في خطرٍ مجدداً إذا استمر هذا الوضع.”
“أترين؟” أجاب إريك، وقد غمرت ملامحه نظرة حزن عميق. “أنتِ تهربين مجدداً.” أدرك أنه ما زال يمسك بمعصمها، فأطلق سراحها ببطء وعلى مضض.
استدار ليذهب إلى غرفته، ليعود إلى عزلته. تنهد تنهيدةً عميقةً تنم عن استسلامٍ مُنهك. توقف والتفت لينظر إليها للمرة الأخيرة، وقد بدت ملامحه الآن جادة وحزينة للغاية.
قال بصوتٍ خافتٍ لكنه يحمل في طياته معاني عميقة: “دعيني أخبركِ شيئًا أخيرًا يا ديليا. إن كنتِ تعلمين في قرارة نفسكِ أنكِ لن تحبيني، فلا تهتمي لأمري. إن لم تستطيعي تحمّل كل هذا،” وأشار بإيماءةٍ مبهمةٍ إلى ماضيه، وألمه، ونفسه المحطمة، “فلا تلمسيني.” نظر إليها بعينين متوسلتين: “أنا أكتم ما في داخلي بما فيه الكفاية.”
نظر إلى شفتيها ثم إلى عينيها ثم عاد ينظر إليها، وهذه المرة لم يتوقف. سار إلى غرفته وأغلق الباب بهدوء خلفه، تاركًا ديليا واقفة وحدها في الردهة الصامتة الخالية، مثقلةً بكلماته الأخيرة المفجعة.
التعليقات لهذا الفصل " 81"