نظرت إلى معصمها المختبئ تحت الأغطية، ثم أجابت، وظهرها لا يزال مُدارًا له: “أن تكون طبيعيًا،” قالت بصوت خافت حزين، “هو أصعب شيء في العالم.”
استمر المطر في الدق على سقف غرفة الجزيرة الصغيرة، بإيقاع ثابت ومنتظم بدا وكأنه يطابق دقات قلب ديليا البطيئة والثقيلة.
كان صوت إريك هادئاً وحذراً، كما لو كان يخاطب طائراً خائفاً. “ماذا تقصد بذلك؟”
أجابت ديليا: “لم أعش يومًا سعيدًا حقًا في حياتي قط”، وكانت كلماتها اعترافًا بسيطًا ومؤلمًا للظلام. “وأشعر أنني لن أعيش يومًا سعيدًا أبدًا. لأنه حتى لو وجدت لحظة سعادة، لا أعرف إلى متى ستدوم. لا شيء جيد يدوم بالنسبة لي أبدًا.”
“ديليا”، نادى إريك باسمها، في رجاءٍ رقيقٍ لها أن تستدير، وأن تواجهه.
لكن لطفه كان يفوق طاقتها. شعرت أنه أشد خطورة من أي كلمة قاسية من كلمات أوغستا. وبحركة غاضبة مفاجئة، نهضت من السرير. قالت بصوت حاد يعكس إحباطًا موجهًا إلى نفسها أكثر منه: “لا أستطيع النوم إن واصلت الحديث معي”.
أمسكت بوسادتها وبطانيتها. “سأنام على الأرض.”
وبينما كانت تحاول النزول من السرير، لخلق تلك المسافة المألوفة والآمنة بينهما، امتدت يد إريك فجأة وأمسك بمعصمها، قبضته لطيفة لكنها حازمة. سحبها إلى أسفل حتى جلست على حافة السرير، قريبة منه.
حاولت أن تسحب يدها، فغريزتها الأولى كانت دائمًا هي الهرب والاختباء. قالت: “دعني أذهب”، لكن صوتها كان يفتقر إلى أي قناعة حقيقية. لم يكن لذلك أي جدوى. كانت قبضته قوية جدًا، وثابتة جدًا. “قلتُ دعني أذهب.”
أجاب إريك بصوتٍ خفيضٍ وجاد: “كوني صادقة معي يا ديليا، ألا تثقين بي؟ بعد كل شيء، هل ما زلتِ تعتقدين أن مشاعري تجاهكِ ليست حقيقية؟”
أجابت: “نعم”، وكانت إجابتها الصادقة مفاجئة حتى لنفسها. “أنا لا أثق بك”. التفتت إليه أخيرًا، وعيناها تلمعان بدموع لم تسقط بعد في ضوء الشموع الخافت. “لكن الأمر لا يقتصر عليك يا إريك. أنا لا أثق بأحد. كلما وضعت ثقتي في شيء ما، أو في شخص ما، ينتهي بي الأمر دائمًا إلى أن أكون مخطئة. دائمًا ما ينتهي بي الأمر إلى أن أتأذى”.
أخذت ديليا نفسًا متقطعًا. ترددت في ذهنها كلماته الأخيرة على الشاطئ، والتي قال فيها إن ما آلمه حقًا هو ابتعادها عنه. كان يستحق أن يعرف. كان يستحق على الأقل جزءًا من الحقيقة.
“أنا…” بدأت حديثها، وتوقف صوتها لثوانٍ معدودة. “أنا الوريثة الحقيقية لعائلة إلينغتون.” بدت الكلمات، التي نطقت بها بصوت عالٍ لأول مرة، غريبة وقوية في آنٍ واحد. “قبل أيام، عندما اقتحمت أوغستا غرفة جدي، كنتُ مختبئة في خزانة الملابس. سمعتُهما يتحدثان. كانت تعلم بكل شيء منذ البداية. وجدي… كان يعلم أيضًا.”
نظرت إليه، وعيناها تفيضان بشعور خيانةٍ جديدةٍ وقاسية. “لقد أحببته ووثقت به يا إريك. كان ثاني شخصٍ في تلك العائلة، بعد والدي، يُظهر لي لطفًا كبيرًا. وقد أخفى عني معلومةً بالغة الأهمية، حقيقة حياتي بأكملها.” انقطع صوتها. “من طريقة حديثهم، بدا أنهم يعرفون ما حدث لأمي أيضًا. لكن هذا كل ما سمعته قبل أن تبدأ أوغستا بالتهديد.” صمتت للحظة، وتصلّب وجهها بعزمٍ. “عندما أعود، سأبحث في الأمر. سأكتشف كل شيء.”
كان تعبير إريك يعكس تعاطفاً عميقاً. قال بصوت خافت: “لا بد أن الأمر كان صعباً للغاية بالنسبة لك”.
أطلقت ديليا ابتسامة مصطنعة هشة وأومأت برأسها، محاولةً الحفاظ على رباطة جأشها، وأن تكون المرأة القوية والحكيمة التي يجب أن تكون عليها. لكن مشاعرها لم تعد قادرة على مجاراة التظاهر. فانطلقت شهقة مكتومة من شفتيها.
أمسك إريك بيدها، وكانت لمسته بمثابة مرساة دافئة وثابتة في عاصفتها. قال لها بصوتٍ حنونٍ آمر: “لا تكتمي مشاعرك. لقد أخبرتكِ من قبل، يمكنكِ البكاء. الأمر آمن معي.”
كان ذلك كل ما تطلبه الأمر. انهار السد الذي بنته بعناية حول قلبها أخيرًا. بدأت ديليا بالبكاء، ليس ذلك البكاء الخافت المفجع الذي شهدته الليلة الماضية، بل بكاءً مريرًا لا يمكن كبته. بكت على أمها التي فقدتها مرتين: مرة في الموت، ومرة أخرى في حياة مليئة بالأكاذيب.
تركها إريك تبكي لبرهة طويلة، وقلبه يتألم تعاطفًا مع ألمها. لم يُقدّم لها كلمات جوفاء أو مواساة زائفة. جلس هناك صامتًا، حاميًا صبورًا، يتركها تُفرّغ ما في قلبها من أعباء. وعندما خفت نحيبها، تكلم مجددًا.
“على الأقل معي،” بدأ حديثه بصوتٍ يفيض بصدقٍ عميقٍ لا يتزعزع، “أريدكِ أن تشعري بالراحة. سأظل أذكّركِ، كل يومٍ إن لزم الأمر، أنه مهما كان ما تحاولين فعله، ومهما كان الانتقام الذي تسعين لتحقيقه… سأكون دائمًا بجانبكِ.” نظر إلى عينيها المليئتين بالدموع، بنظرةٍ ثاقبةٍ وحاسمة. “حتى بعد الموت.”
مدّ يده الحرة، ومسح دموعها برفق بإبهامه. “إذن…” بدأ يقول، عازماً على تقديم المزيد من كلمات المواساة.
لكنه لم يستطع إكمالها. في حركة واحدة حاسمة، انحنت ديليا إلى الأمام، وبتنهيدة خافتة يائسة، قبلته. لم تكن خطوة محسوبة، ولم تكن جزءًا من أي اتفاق. بل كانت تعبيرًا عفويًا جارفًا عن الامتنان، وعن ثقة متنامية، وعن شعور كانت تخشى تسميته. كانت تلك أول قبلة حقيقية تمنحها، وكانت تمنحها له.
التعليقات لهذا الفصل " 100"