عندما تحدث الببغاء، غطت بريانا فمها من شدة الذهول، وفعل مايكل، الذي كان يقف بجانبها، الشيء نفسه.
“واو! إنه يتحدث تماماً مثل البشر!”
كان مايكل يلح عليها منذ فترة لتأخذه لرؤية الطيور المتكلمة، واليوم نال مراده أخيراً برفقة بريانا.
كانت الكونتيسة كيرشنر مشغولة للغاية في الآونة الأخيرة بالتحضير لحفل الخطوبة، لذا قررت إرسال ابنها للخارج طوال اليوم، لعلمها أنه سيستمر في التوسل لرؤية الطيور إذا ظل في المنزل.
داخل متجر التحف، وإلى جانب الببغاوين، كانت هناك العديد من الأشياء القديمة المتناثرة في الأرجاء. كانت الببغاوات ترفرف من مجثم إلى آخر، وهي تثرثر بصوت عالٍ بكل ما يحلو لها.
“بما أنكم هنا، لا تكتفوا بمجرد النظر، اشتروا شيئاً!”
انفجرت بريانا ومايكل ضاحكين على تعليق الببغاء.
“هذا توقيت مثالي. أحتاج لشراء هدية لصديق.”
قررت بريانا شراء هدية لفلوريان؛ فهي لم تتمكن من إحضار هدية له بعد استلام راتبها الأول، والآن وقد قدم لها خاتماً، أرادت أن تمنحه شيئاً في المقابل.
“سأختار هدية، لذا لمَ لا تلعب مع الطيور لفترة؟”
أجاب مايكل ببهجة: “حسنًا!”، وكان قد استغرق تماماً في المداعبة الرقيقة لريش الببغاء الجاثم على كتفه. راقبته بريانا بحنان للحظة قبل أن تلتفت لتتفحص أرجاء المتجر.
ولكن، ماذا عليَّ أن أشتري؟
غرقت بريانا في التفكير. في البداية، فكرت في إهداء فلوريان ساعة، تماماً كما أهدت والدتها والِدها ذات مرة، لكن فلوريان يمتلك بالفعل ساعة ذهبية باهظة الثمن.
خطرت ببالها أفكار أخرى، لكنه إما كان يمتلكها بالفعل، أو أنها كانت تتجاوز ميزانيتها بكثير.
ثم تذكرت بريانا البروش الذي أعطاه لها لوسيوس في الحفل.
بدا البروش خياراً جيداً؛ فهو في المتناول، وشيء يمكن لفلوريان ارتداؤه على ثيابه. وبما أنه يُرتدى قريباً من القلب، فإنه سيحمل معنىً خاصاً.
كانت هناك عدة بروشات معروضة، وبدأت بريانا في اختيار القطع التي قد تناسب فلوريان.
الآن وبعد أن فكرتُ في الأمر، هل من المقبول حقاً أن أحتفظ بذلك البروش؟
في ليلة الحفل، كانت مشاعرها مشوشة لدرجة منعتها من فحصه بدقة، ولكن عندما نظرت إليه في المنزل، بدا أن الحجر الأحمر المرصع به ياقوتة حقيقية.
شعرت بريانا أن البروش أغلى بكثير من أن تحتفظ به، وأرادت إعادته، لكن إعادة هدية قُدمت بشكل صريح يُعتبر أمراً غير مهذب. علاوة على ذلك، ومع انشغال لوسيوس بخطوبته واستعداداته للذهاب للحرب، بدا لقاؤه لإعادة الهدية أمراً مستبعداً، كما أن طلب شخص آخر ليوصلها له بدا تصرفاً غير لائق.
ماذا عليَّ أن أفعل؟
بينما كانت بريانا غارقة في حيرتها، قاطع صوت مايكل حبل أفكارها.
“معلمتي! هل اخترتِ الهدية؟”
جاء نحوها بعد أن اكتفى من اللعب مع الببغاء. التقطت بريانا بسرعة دلاية (قلادة معلقة) على شكل ورقة شجر من منصة العرض، حيث بدا أنها ستلائم أي زي بشكل جميل.
بعد دفع ثمنها وتغليفها كهدية، توجه الاثنان إلى مقهى كانت قد زارته من قبل؛ فقد كان مايكل يتوسل للعودة إليه من أجل الشوكولاتة اللذيذة التي استمتع بها في المرة الماضية.
“ممم! إنها لذيذة جداً!”
أخذ مايكل قضمة كبيرة من الشوكولاتة وبدا وكأنها ستذوب في فمه في أي لحظة. بمراقبته، لم تستطع بريانا إلا أن تشعر بالسعادة أيضاً.
“هل تحب الشوكولاتة إلى هذا الحد؟”
“نعم، إنها لذيذة للغاية! معلمتي، عليكِ أن تجربي البعض أيضاً!”
وضعت بريانا قطعة صغيرة من الشوكولاتة في فمها. ذابت النكهة الحلوة، مما رسم ابتسامة على وجهها.
مايكل، الذي كانت وجنتاه منتفختين مثل سنجاب، ألقى نظرة على الطرد المغلف بجانب بريانا.
“هل هذه هي الهدية لذلك الصديق الذي ذكرتِه من قبل؟”
تذكر مايكل كيف قالت بريانا ذات مرة إنها ستقابل صديقاً، فسأل، وأومأت بريانا برأسها.
“نعم، هذا صحيح. أنا مدينة لهذا الصديق بالكثير، لذا أردتُ أن أهديه شيئاً جميلاً.”
“لا بد أنكِ تحبين هذا الصديق كثيراً، أليس كذلك يا معلمتي؟”
ابتسمت بريانا بإشراق: “بالطبع أفعل”.
“أختي تحب أخي لوسيوس أيضاً. لكنني لا أعرف لماذا هي غاضبة طوال الوقت مؤخراً.”
بالفعل، كانت أديلهيد سريعة الانفعال بشكل غير عادي في الآونة الأخيرة، مما جعل الأمور غير مريحة لبريانا أيضاً.
“الخطوبة يفترض أن تكون أمراً جيداً بالنسبة لها، فلماذا تبدو مستاءة إذن؟”
بالفعل لماذا؟
أجابت بريانا بحذر: “ربما هي قلقة لأن اللورد لوسيوس سيغادر إلى الحرب بعد الخطوبة”.
“أوه، هل هذا هو السبب؟”
أومأ مايكل برأسه وكأن التفسير قد بدا له منطقياً.
“لهذا السبب عليك أن تواسي أختك، وتكون قريباً منها، وتتوقف عن مضايقتها كثيراً.”
“حسنًا!”
أجاب مايكل ببهجة قبل أن يصب تركيزه على طعامه مرة أخرى، بينما كانت بريانا تراقبه بهدوء.
من المذهل مدى اختلاف شخصية هذين الشقيقين.
بعيداً عن كونه مشاغباً في بعض الأحيان، كان مايكل يتمتع بشخصية طيبة وسهلة المراس. كان ينسجم جيداً مع الخدم وكان محبوباً أينما ذهب.
أما أديلهيد، فكانت على النقيض تماماً…
خفضت بريانا بصرها، وغرقت في أفكارها.
هل كانت أديلهيد حقاً هي من دبرت ما حدث في الحفل؟ إذا كان الأمر كذلك، فلماذا قد تفعل شيئاً كهذا؟
“بريانا، لدي شيء أريد إخباركِ به.”
قبل أن يفترقا في ذلك اليوم، تحدث إليها فلوريان.
“السبب في تأخري عن الحفل، كان بسبب الآنسة أديلهيد. انظري إلى هذا، ألا يبدو هذا الزي كبيراً عليّ قليلاً؟” بَسَط فلوريان ذراعيه، مشيراً إلى أن الكتفين والأكمام بدت فضفاضة بعض الشيء.
“هذا ليس زيّي الخاص. لقد استعرته من أحد الأصدقاء.”
ثم شرح فلوريان كل ما حدث قبل الحفل، بما في ذلك كيف بدا سكب العصير متعمداً، وكيف بدا الادعاء بأن ملابسه الرسمية قد فُقدت كذبة واضحة.
“لهذا السبب تأخرت. لقد استغرق الأمر وقتاً أطول مما توقعت للعثور على شخص لا يحضر حفل التخرج.”
“لماذا قد تفعل شيئاً كهذا؟”
عند سؤال بريانا، ضحك فلوريان بخفة، وأسند ذقنه على يده وهو يجيب: “ربما لأنها تغار مني”.
“ماذا؟”
“إنها منزعجة من مدى قربي من لوسيوس. إنه نوع من التملك المشوه، هوس في غير محله. حتى وإن كنتُ رجلاً، فهي لا تطبق رؤية أي شخص بالقرب منه.”
ضحك فلوريان بحرارة، فقد وجد الموقف برمته مثيراً للسخرية. لكن بريانا لم تجرؤ على إخباره بتجربتها الخاصة.
كانت تعلم أنه في اللحظة التي ستذكر فيها ما حدث لها، ستختفي الابتسامة عن وجه فلوريان ليحل محلها الغضب. علاوة على ذلك، لم تكن متأكدة تماماً من أن أديلهيد هي من كانت تدعم مارغوت.
وإذا سألها فلوريان: “لماذا قد تعاملكِ أديلهيد هكذا؟”، فلن تملك إجابة لتعطيها إياه.
ولحسن الحظ أو ربما لسوئه لم يحدث شيء ذو أهمية منذ ذلك الحين. كانت مارغوت تتجنب بريانا كلما تقاطعت طرقهما، وبينما ظلت نظرات أديلهيد تجاهها باردة، إلا أنها لم تطلب استدعاءها أو تسبب لها أي متاعب إضافية.
في الوقت الحالي، بدا أن كل ما يمكنها فعله هو الانتظار ومراقبة ما سيحدث.
ابتسمت بريانا وهي تلاحظ أن مايكل قد أنهى طبقه بالكامل.
“هل نعود الآن؟”
***
عاد مايكل، الذي خرج مع معلمته، إلى المنزل بمفرده. بدا في حالة مزاجية رائعة وهو يدخل غرفة الجلوس، ووجهه يشع بهجة.
“لماذا عدت بمفردك؟ أين معلمتك؟”
عند سؤال أديلهيد، ثرثر مايكل بالإجابة: “لقد أوصلتني ثم ذهبت لمقابلة صديقها. لقد اشترت هدية لصديقها اليوم، وقالت إنها تريد إعطاءها له على الفور”.
صديق؟
كان من المرجح جداً أن يكون ذلك “الصديق” هو فلوريان روبرت.
“أمي! كان الببغاء مذهلاً، لقد تحدث بشكل جيد للغاية!”
بينما كان مايكل يخبر الكونتيسة كيرشنر بحماس عن يومه، كانت أديلهيد ترتشف شايها بهدوء.
في الآونة الأخيرة، كانت تفكر ملياً في كيفية التعامل مع بريانا إيفريت. أدركت أنها إذا تصرفت برعونة كما حدث في المرة السابقة، فقد تأتي النتائج عكسية، لذا انتوت هذه المرة التعامل مع الموقف بحذر أكبر.
“مايكل، هل تحب الببغاوات إلى هذا الحد؟ هل أشتري لك واحداً؟”
عند اقتراح الكونتيسة، هز مايكل رأسه نفياً. “لا، لقد قالت المعلمة إن الببغاوات حيوانات حساسة، وليس من الجيد اقتناؤها بإهمال.”
التعليقات لهذا الفصل " 58"