تحولت نظرات دانييل، التي كانت تتابع الخطاب، فجأة نحو الملك وولي العهد. كان الملك قد تخلى عن جميع صلاحياته منذ زمن طويل، مما جعل ولي العهد هو الحاكم الفعلي للأمة.
على ذكر ذلك، يبدو ولي العهد هادئاً بشكل غير معتاد.
كان ولي العهد، الذي أتم الثلاثين من عمره هذا العام، يستمع إلى الخطاب بابتسامة باهتة على شفتيه. عيناه الذهبيتان وشعره الأحمر، وهي سمات مميزة للعائلة المالكة، أظهرت بوضوح أنه ولد من أقوى سلالة ملكية.
كان يبدو دائماً وكأنه يعيش حياته بلا طموح، يقضي معظم أيامه في الصيد أو حضور المآدب بابتسامة خالية من الهموم. لكن دانييل كان يدرك أن هذا الرجل يضمر رغبة أقوى من أي شخص آخر. وبما أن هذه كانت الفرصة المثالية لاستعادة السلطة الملكية، توقع دانييل منه أن يتحرك. ومع ذلك، وعلى عكس توقعاته، ظل ولي العهد صامتاً، يكتفي بمراقبة الموقف فحسب.
حسناً، من الأفضل الاستمرار في المراقبة حالياً… إذا تصرف برعونة، سأتعامل مع الأمر حينها.
أعاد دانييل انتباهه إلى المتحدث، وهو يشد على قبضته المستندة على فخذه.
في سن السابعة عشرة، توفي والده فجأة في حادث. فبينما كانوا عائدين من بطولة صيد استضافتها العائلة المالكة، تعرضت العربة التي كانوا يستقلونها لحادث مأساوي؛ فبينما العربة تمشي على طول منحدر صخري، انفصلت إحدى العجلات فجأة، وتدحرجت العربة نحو الأسفل.
بينما بدأت العربة تتدحرج، سارع والده بحماية دانييل بجسده على الفور. وبفضل والده، لم ينتهِ الأمر بـ دانييل إلا بساق مهشمة، لكن والده لم ينجُ. كان من حسن الحظ أن لوسيوس لم يشارك في الصيد ذلك اليوم بسبب إصابته بنزلة برد.
وبينما كان دانييل طريح الفراش، ظهرت شكوك مختلفة حول الحادث. لكن في النهاية، لم يتم العثور على أي دليل على وجود فعل مدبر. وحتى لو كان أحدهم قد خطط للواقعة، فقد كان من المستحيل تحديد الجاني؛ فالأعداء كانوا كثر، تابعين الملك الذين يسعون لتعزيز سلطتهم، ونبلاء معارضون، وقوى أجنبية تضع عينها على مملكة شفيرين. كان تحديد المذنب مستحيلاً، وأي اتهام متسرع قد يؤدي إلى ضرر أكبر.
علاوة على ذلك، كان عليه رعاية والدته التي فقدت زوجها فجأة، ولوسيوس الصغير الذي فقد والده. وأيضًا، كان عليه دعم جبهة النبلاء التي فقدت زعيمها. لقد كان الوقوف على ساقه المصابة صراعاً هائلاً بالفعل.
وبالنظر إلى الماضي الآن، كان تابعين الماك هم الجناة الأكثر احتمالاً. في ذلك الوقت، كان الملك قد فقد للتو كل سلطاته بسبب الشكوك المحيطة بوفاة الملك السابق، وكان دوق كارلايل الراحل هو من قاد تلك الحملة.
الشخص الذي أراد موت دوق كارلايل أكثر من أي شخص آخر في ذلك الوقت كان على الأرجح الملك المسلوب السلطة وولي عهده.
لكن ذلك أيضاً كان مجرد تكهنات؛ فلا يوجد دليل، وإثارة حادثة وقعت قبل ثماني سنوات الآن لن تجدي نفعاً. لذا، كل ما كان بإمكان دانييل فعله هو مراقبتهم عن كثب قبل أن يتسببوا في أي مشكلة.
“الآن، لنبدأ التصويت!”
ومع انتهاء خطابات الطرفين، بدأ التصويت، حيث أدلى كل شخص بصوته واحداً تلو الآخر.
وكما توقع الكونت كيرشنر، كان التصويت متقارباً جداً.
وبفارق صوت واحد فقط، تقرر المصير.
***
أغلقت بريانا كتاب دراسة اللغة الإمبراطورية وقالت: “هذا هو ختام درس اليوم!”.
“ياي!” هتف مايكل على الفور وهو يمدد ذراعيه وساقيه. جسده الصغير الذي تعب من الجلوس طويلاً جعلها تبتسم وهو يتمطى مثل قطة صغيرة مرهقة.
“تأكد من كتابة الكلمات الخاطئة عشر مرات لكل منها قبل الدرس القادم.”
ولكن بمجرد أن حددت الواجب المنزلي، عبس مايكل وقال: “هل يجب علي ذلك؟ يدي تؤلمني”.
“يجب عليك ذلك.”
عندما لم يفلح توسله اللطيف، جرب مايكل تكتيكاً مختلفاً: “معلمتي، غداً يوم عطلة، أليس كذلك؟ لنخرج ونلعب معاً!”.
تهلل وجه مايكل وهو يترجى بريانا: “هناك متجر في المدينة لديه طائر يتكلم. لنذهب لرؤية الطائر. أرجوكِ؟”.
ربتت بريانا بلطف على رأس مايكل وهي تشعر بالأسف تجاهه. كانت تود قضاء الوقت معه، لكنها وضعت خططاً أخرى بالفعل.
“أنا آسفة، لكن لدي موعد لمقابلة شخص ما غداً.”
“من ستقابلين؟”
“صديقاً.”
انفتح فم مايكل من المفاجأة: “هل لديكِ أصدقاء أيتها المعلمة؟”.
“بالطبع لدي.”
ولتكون دقيقة كان صديقها الحميم(حبيبها).
منذ انتقالها للعيش في عقار كيرشنر، أصبح من الصعب عليها مقابلة فلوريان. ورغم أنها كانت تحظى بوقت فراغ بعد الدروس، إلا أنه كان يتعين عليها العودة مبكراً دائماً. وبمجرد احتساب وقت التنقل، لم يكن يتبقى لها سوى بضع ساعات تقضيها معه. كما أن خيار مقابلة فلوريان بالقرب من عقار كيرشنر لم يكن وارداً على الإطلاق.
لذا، خططت غداً لقضاء اليوم بأكمله مع فلوريان، الذي لم تره منذ فترة طويلة.
“هل يمكنني المجيء أيضاً؟”
كان من النادر أن يكون مايكل ملحاً إلى هذا الحد. ورغم مخاوف ليلي، كان مايكل طفلاً طيباً ولطيفاً بالنسبة لسنه، ونادراً ما يتصرف بعناد.
لكنه في الآونة الأخيرة أصبح أكثر تعلقاً بها. فقد انشغلت العائلة بأكملها منذ أن أصبحت محادثات زواج لوسيوس وأديلهيد رسمية. وبينما جعل هذا الأمر الحياة أسهل بالنسبة لـ بريانا التي بالكاد تراهم، فقد كان يعني بالنسبة لـ مايكل فقدان اهتمام عائلته المفاجئ.
“لنذهب معاً في المرة القادمة. لقد وضعتُ خططاً بالفعل هذه المرة، لذا سيكون الأمر صعباً.”
أطلق مايكل تنهيدة عميقة وكأن العالم ينهار، ثم أومأ برأسه: “حسناً، أتفهم ذلك. ليس من شيم الرجال مضايقة آنسة”.
لم تستطع بريانا منع نفسها من الانفجار ضاحكة. لو لم يكن هذا الطفل هو الابن الوحيد للكونت، لكانت قد غمرت وجنتيه بمئات القبلات.
“سأحضر لك هدية عند عودتي. هل هناك شيء ترغب فيه؟”
“شوكولاتة!” دون تردد، صرخ مايكل بحماس: “أريد شوكولاتة!”.
كان مايكل يعشق الحلويات، والمشكلة أنه كان يحبها أكثر من اللازم؛ لذا كانت الكونتيسة غالباً ما تضع قيوداً على الحلويات التي يحصل عليها.
“الشوكولاتة قد تكون صعبة بعض الشيء…”
وعند رؤية تردد بريانا، نظر إليها مايكل بعيني جرو صغير، والدموع تترقرق فيهما: “أعدكِ أنني لن آكلها كلها دفعة واحدة. أرجوكِ؟”.
في النهاية، هل كان هناك شيء يحتاج إليه حقاً هذا الطفل الذي يملك كل شيء؟ بالنسبة له، كانت الشوكولاتة تبدو وكأنها أعظم هدية في العالم.
“حسناً، لنتفق على هذا.” ابتسمت بريانا للصبي. “سأحضر لك الشوكولاتة، لكنني سأعطيك القليل منها في كل درس، مرة واحدة في الأسبوع. هل يبدو هذا جيداً؟”
“نعم!”
بعد التوصل إلى تلك التسوية الدرامية، بدأت بريانا بالتحضير للخروج في وقت مبكر من اليوم التالي. ارتدت ملابسها المفضلة وربطت شعرها بعناية. وبعد أن وضعت قبعتها الجديدة، ألقت نظرة أخيرة على نفسها في المرآة قبل المغادرة.
همم، هذا سيفي بالغرض.
وضعت المظروف الأبيض المستقر على مكتبها في حقيبتها، وارتسمت ابتسامة فخر على شفتيها.
بالأمس، تسلمت أول راتب لها كمعلمة خاصة. واليوم، خططت لاستخدام ذلك المال لشراء هدية لـ فلوريان. وبالتفكير في كل المساعدة التي قدمها لها منذ وصولها إلى باستون، فإن إنفاق كل المال على هديته لن يكون كافياً.
بقلب يخفق حماساً، توجهت نحو الباب الأمامي، ولكن قبل أن تتمكن من المغادرة، دوى صوت أديلهيد الحاد.
“هل هذا أفضل ما يمكنكِ فعله؟ أحضري لي شيئاً آخر! وما خطب شعري؟ ماذا لو انفرط أثناء الركوب؟”
يبدو أن لديها موعداً لركوب الخيل اليوم.
كلما نابت أديلهيد نوبة غضب كهذه، كان ذلك يجعل بريانا تشعر بعدم الارتياح داخل القصر. فمزاج أديلهيد السيئ سيؤدي إلى توبيخ كبيرة الخادمات للخادمات الأدنى رتبة، واللواتي بدورهن سيفرغن إحباطهن في بريانا.
لقد مر أكثر من شهر منذ أن بدأت العيش في العزبة، ومع ذلك لم تكن قد كونت صداقات مع أي شخص باستثناء مايكل. لذا مؤخراً، بدأت بريانا تشك حتى في مهاراتها الاجتماعية.
شعرت بالارتياح لخروجها بينما كان الجو في المنزل عكراً، فتسللت بسرعة إلى خارج القصر.
كان مكان اللقاء أمام محطة سانتارينو.
بمجرد وصولها إلى الساحة المقابلة للمحطة، كان أول ما خطر ببال بريانا هو ذكرياتها مع لوسيوس في هذا المكان.
بدءاً من سرقة حقيبتها وصولاً إلى حادثة المسرح منذ وقت ليس ببعيد. وبالنظر إلى الماضي، لم تقابله مرات عديدة، لكن الكثير من الأحداث قد وقعت.
هل سبق وأن وُجد شخص مثله في حياتي…؟
بينما كانت بريانا تسترجع ذكرياتها معه واحدة تلو الأخرى، هزت رأسها فجأة بقوة.
التعليقات لهذا الفصل " 44"