“لوس…؟” تمتمت فيرونيكا بذهول تام، وهي تراقب ابنها وهو يؤدي انحناءة محترمة ثم يغادر الغرفة دون كلمة أخرى.
جلست هناك في صمت مذهول لفترة طويلة قبل أن تدفن وجهها بين كفيها. “هذا الفتى! من بين كل الصفات، لم يكن عليه إلا أن يرث عناد والده!”
***
أما لوسيوس، فبعد مغادرته غرفة الجلوس، توجه مباشرة إلى جناحه الخاص. وعندما اقتربت منه إحدى الخادمات لتسأله إن كان يرغب في تناول العشاء، أجابها باقتضاب أنه ليس جائعاً، وأمرها بألا يسمح لأحد بإزعاجه.
داخل غرفته، ثم ألقى سترته جانباً واستلقى على سريره. وبينما كان يحدق في السقف بعينين تائهتين، وضع يده على جبهته وأغمض عينيه.
راحت أحداث الليلة الماضية تتكرر في ذهنه.
فبعد انتهاء الأوبرا، ذهب للبحث عن بريانا.
لم يكن من الصعب معرفة أين تسكن؛ إذ كفاه استفسار سريع من موظفي المسرح الذين تحدثوا معها سابقاً للحصول على عنوانها.
وبينما كان يسير باتجاه منزلها، حاول لوسيوس أن يفهم لماذا ارتكب مثل هذا الخطأ الفادح. فعلى الرغم من أن الموقف بدا مريباً، إلا أنه لم يكن من عادته القفز إلى مثل هذه الاستنتاجات. ففي العادة لم يكن ليهتم بمن يقابل من، أو أين.
لكن الأمر كان مختلفاً هذه المرة— لأنها بريانا.
كانت النتيجة واضحة ومؤلمة، لم يكن الأمر سوى غيرة تافهة.
ففي اللحظة التي رأى فيها رجلاً آخر بجانبها، اشتعل الغضب في داخله. وعندما ضحكا معاً، تملكه دافع للكم ذلك الرجل وجذب بريانا بعيداً عنه.
كيف يمكنه أن يقف شاهداً في حفل زفاف وهو يحمل مثل هذه المشاعر؟
أدرك الآن أنه لن يكون قادراً على تلبية طلب فلوريان. فرؤيتها بجانب فلوريان ستثير بلا شك نفس المشاعر التي اختبرها بالأمس.
وبينما كان غارقاً في هذه الأفكار، لمح فجأة قواماً مألوفاً يسير في أزقة خافتة الإضاءة.
لقد كانت بريانا.
كانت تمشي بكتفين منحنيين، ونظراتها معلقة بالأرض. رؤيتها على تلك الحال جعلت تفكير لوسيوس يتجه في اتجاه مختلف تماماً.
هل تمشي في هذه الشوارع المظلمة والمهجورة وحدها كل يوم؟ ماذا لو قرر شخص سيء تتبعها؟ إنها لا تبدو واعية حتى لما يدور حولها…
راح لوسيوس يتتبع أثرها من مسافة بعيدة. وكما توقع، لم تلحظ هي أبداً أن هناك من يلحق بها.
أراد إيقافها عند ذلك الحد، وتوبيخها على عدم انتباهها أثناء المشي، لكنه كان يعي الواقع جيداً.
لو فعلتُ ذلك، فمن المحتمل أن تظن أنني جننت. بعد كل ما قلته سابقاً، كم سيكون الأمر سخيفاً لو بدأتُ فجأة بالقلق على سلامتها الآن؟ حتى لو صفعتني على وجهي، فلن أستطيع لومها.
وبينما كان يدلك صدغيه اللذين ينبضان بالألم، لاحظ لوسيوس آثار أقدامها الصغيرة التي خلفتها وراءها في الثلج.
دهشه صغر خطواتها؛ فتساءل في نفسه؛
هل كانت قدماها بهذا الصغر دائماً؟
فكر في كيف أنها تقف ثابتة على الأرض، صامدة في وجه الحياة رغم فقدان والديها والشخص الوحيد الذي كانت تعتمد عليه.
في سنٍّ لا يزال فيه الآخرون ينعمون بدلال والديهم…
رفع بصره ليراقب طيفها المبتعد، وهي لا تزال تتحرك ببطء وكأنها غارقة في أفكارها.
بماذا تفكرين الآن؟ هل تخطر ببالكِ صورتي ولو للحظة؟ لو أوقفتكِ الآن واعترفتُ بأنني منجذب إليكِ، فماذا سيكون ردكِ؟
أخيراً، أدرك السبب الذي جعل فلوريان خائفاً جداً من الاعتراف بمشاعره.
“بريانا.”
خرق ذلك الصوت المألوف سكون المكان.
كان فلوريان واقفاً في الأمام، يبتسم لها. انزوى لوسيوس بسرعة خلف مبنى قريب، بعيداً عن الأنظار.
وبعد لحظات، ارتمت بريانا بين ذراعي فلوريان، الذي أطلق ضحكة مفعمة بالبهجة. كانت تلك هي اللحظة التي تحقق فيها مراد فلوريان الذي طال انتظاره.
أما بالنسبة لـ لوسيوس، فقد كانت تلك هي اللحظة التي أدرك فيها أن الوقت قد حان حقاً ليتخلى عنها.
***
جلست بريانا بتوتر في غرفة الاستقبال، متمسكة بطرف كرسيها. وفي الجهة المقابلة، كانت الكونتيسة تراجع محتوى رسالة التوصية بعناية. وبعد أن تفحصت التوقيعات بدقة، رفعت بصرها نحو بريانا.
“المعلم السابق لم يذكركِ إلا بكل ثناء، آنسة بريانا. التاريخ، اللغات الأجنبية، والأدب؛ يبدو أنكِ تتفوقين في جميع هذه المجالات.”
ابتسمت بريانا وأحنت رأسها بتواضع: “هذا من لطفكِ.”
بعد انتهاء عملها في دار الأوبرا، استأنفت بريانا بحثها عن وظيفة معلمة منزلية. ولم يمضِ وقت طويل حتى أجرت مقابلة مع عائلة نبيلة تبحث عن معلم لابنها الصغير.
كانت تلك عائلة كيرشنر. اشتهرت هذه العائلة بتاريخها الطويل وتقاليدها العريقة، وقد كان القصر على قدر سمعته، بأراضٍ شاسعة وخدم كثر.
ورغم أنه لم يكن بفخامة قصر كارلايل، إلا أنه كان من الواضح أن العائلة تتمتع بنفوذ كبير.
لقد اجتازت جميع الاختبارات السابقة، ولم يتبقَّ أمامها سوى العقبة الأخيرة وهي المقابلة الشخصية مع الكونتيسة.
تمنت بريانا بشدة أن يتم اختيارها؛ ليس فقط لتأمين وظيفتها، بل أيضاً للحفاظ على سمعة عائلة دريفيس التي منحتها رسالة التوصية بكل كرم.
تحدثت الكونتيسة بعدما تفقدت الوقت قائلة: “ليس لدينا الكثير من الوقت؛ سيصل ضيف مهم عما قريب، لذا سأطرح عليكِ بضعة أسئلة ضرورية فقط”.
“بالطبع، تفضلي”.
“ليس معكِ سوى رسالة توصية من عائلة دريفيس، وهذا يجعلني أتساءل؛ أليس لديكِ أي خبرة عملية أخرى؟”
كان هذا السؤال الأول هو السؤال ذاته الذي تمنت بريانا تجنبه.
كان من الأسهل أن تكتفي بالقول إنها لا تملك خبرات أخرى، فبهذه الطريقة لن تضطر لشرح سبب عدم حصولها على رسالة توصية من الكونتيسة ليناريس.
“… لا، ليس الأمر كذلك. حتى وقت قريب، كنت أعمل في خدمة الكونتيسة الأرملة في عقار ليناريس لسنوات عديدة”.
لكن ذلك كان سيعد كذباً، وبريانا لم ترغب في خداع الكونتيسة.
“الكونتيسة الأرملة لعائلة ليناريس من هارزن، التي وافتها المنية مؤخراً؟”
“نعم”.
“إذن لماذا لم تحضري رسالة توصية منهم؟ رغم وفاة الكونتيسة الأرملة، كان بإمكانكِ الحصول على واحدة من الكونتيسة الحالية.”
أحكمت بريانا قبض أصابعها التي كانت تستقر بهدوء فوق حجرها.
“لم أحصل على رسالة توصية عندما غادرتُ عقار ليناريس.”
تغيرت نظرة الكونتيسة على الفور؛ فتبخر الدفء الذي كان يملأ عينيها وحلّ محله برود ونظرة ناقدة حادة.
“… الآن بعد أن فكرتُ في الأمر، تبدو هذه التوصية غريبة بعض الشيء. عائلة دريفيس معروفة بمشاريعها التجارية في بازل. بما أنكِ تعيشين هنا، فكيف حصلتِ على توصيتهم؟ لا يبدو الأمر منطقياً إلا إذا كنتِ قد عشتِ في الخارج.”
أدركت بريانا حينها أن فرصها قد ضاعت.
“لم أعمل لدى عائلة دريفيس بشكل مباشر. لقد قابلتُ السيد والسيدة دريفيس خلال زيارتهما الأخيرة إلى شفيرين، وكان من لطفهما أن منحاني رسالة توصية بناءً على تعاملنا معاً.”
“… لا يوجد ما نناقشه أكثر من ذلك.”
ألقت الكونتيسة رسالة التوصية على الطاولة بحدة.
“لن أوظف شخصاً بخلفية غير واضحة ليكون معلماً لابني. يمكنكِ الانصراف الآن.”
ومع تلك الكلمات، أشاحت بوجهها بعيداً، فوقفت بريانا.
“أفهم ذلك. شكراً لكِ على وقتكِ.”
انحنت بأدب وغادرت غرفة الاستقبال.
وما إن أغلقت الباب خلفها، حتى أطلقت بريانا زفيراً طويلاً ومرتجفاً، وهي تضغط على قبضتيها لتمالك نفسها.
لا بأس يا بريانا. ستكون هناك فرص أخرى.
توجهت نحو الباب الأمامي، ولكن قبل أن تصل إليه، اندفع خادم من الخارج وهو ينادي بصوت عالٍ.
“سيدتي، الآنسة آديلهايد! الابن الثاني لعائلة كارلايل في طريقه إلى هنا!”
عائلة كارلايل؟
تجمدت بريانا في مكانها للحظة، ثم تناهى إلى مسامعها صوت وقع أقدام خفيفة تهبط الدرج. كانت فتاة شابة ذات شعر ذهبي تركض نحو الأسفل، وعلامات الحماس بادية عليها بوضوح.
“أمي! تعالي بسرعة! اللورد لوسيوس هنا!”
لقد كان الوجه ذاته الذي رأته في دار الأوبرا، الفتاة التي كانت في غاية السعادة بصحبة لوسيوس؛ الآنسة آديلهايد.
مستحيل…
وضعت بريانا يدها على فمها من الصدمة.
إذن اسمها هو أديلهيد كيرشنر؟
في هذه الأثناء، كانت الكونتيسة قد فتحت الباب وانضمت إلى ابنتها في الردهة، وراحت توبخها بلطف على حماسها الزائد.
“آديلهايد، لقد أخبرتكِ مراراً أنه لا ينبغي على الآنسة النبيلة أن تكون سريعة الانفعال هكذا.”
“ولكنها المرة الأولى التي يزور فيها اللورد لوسيوس منزلنا رسمياً! أنا في غاية الحماس!”
التعليقات لهذا الفصل " 37"