أضاءت المصابيح الساطعة كل زاوية من زوايا مسرح لا فينيتشي. بُسطت سجادة حمراء فوق سلالم المدخل، وتوقفت أمامها عربات تحمل شعارات عائلات نبيلة مختلفة. واحدة تلو الأخرى، فُتحت الأبواب، وترجل النبلاء بملابسهم الفاخرة ومجوهراتهم المتلألئة، وشقوا طريقهم إلى الداخل بتعبيرات مشرقة.
راقبت بريانا هذا الموكب من نافذة قريبة من المدخل، تتبع بنظراتها النبلاء وهم يدخلون. وبشكل غريزي تقريباً، كانت تمسح العربات والوجوه، تبحث عن أي ملامح قد تكون مألوفة لها.
“بريانا.”
استدارت بسرعة عند سماع اسمها. كان المدير يقترب وبرفقته زوجان مسنان، فسارعت بريانا لاستقبالهم.
همس المدير بلغة شويرين وهو يقترب: “هؤلاء مستثمرون محتملون لمسرحنا. إياكِ وارتكاب أي خطأ.”
ردت بريانا بابتسامة مشرقة: “بالطبع يا حضرة المدير.”
التفتت إلى الزوجين المسنين، وبانحناءة رشيقة، حيتهم بلغة بازل بطلاقة: “أنا بريانا إيفيريت، وسأكون في خدمتكم هذا المساء.”
كان الرجل المسن ذو الشعر الأبيض الثلجي أول من مد يده: “أنا مارك دريفيس، وهذه زوجتي إليزابيث دريفيس.”
صافحت بريانا السيدة ذات الملامح اللطيفة أيضاً: “يسعدني لقاؤكِ يا سيدتي.”
ردت إليزابيث بدفء: “ولنا الشرف يا عزيزتي.”
أشارت بريانا نحو داخل المسرح: “هل نتفضل بالدخول؟”
كان مارك دريفيس عضواً في الطبقة البرجوازية* من بازل، وله مصالح تجارية واسعة في عدة دول. ومع اندلاع الحرب مؤخراً في سييرا، كان يبحث عن فرص استثمارية جديدة، وأثناء عطلته في باستون، بدأ يفكر في الاستثمار في دار الأوبرا.
بدا الزوجان في غاية المودة، فقد أمضيا سنوات طويلة معاً، لذا انعكس ذلك على وجوههما وتصرفاتهما. كانا يتمتعان برقي وأناقة تضاهي أي نبيل، وعاملا بريانا باحترام شديد؛ لهذا السبب، وجدت نفسها تستمتع بمحادثة ممتعة معهما، وهو أمر لم تشعر به منذ فترة طويلة.
قالت بريانا قبل بدء العرض: “اعذراني للحظة.” ابتعدت لتتحدث مع أحد الموظفين، الذي سلمها شيئاً ما، ثم عادت إلى الزوجين وقدمته لهما.
“من فضلكما، استخدما هذه للتدفئة.”
قال مارك وهو يضع البطانية على ركبتيه: “أوه، بطانيات للركب. شكراً لكِ.” لكن سرعان ما أدركا أنها ليست بطانيات عادية؛ فقد فاجأهما الدفء المنبعث منها.
“ما الذي يوجد بداخل هذه بالضبط؟”
كانت البطانيات محشوة بأجسام صغيرة مستديرة. ابتسمت بريانا وهي تشرح لهما: “إنها محشوة بالحبوب.”
ردد مارك بفضول وقد أثير اهتمامه: “حبوب؟”
لقد أمضت بريانا سنوات طويلة في رعاية ليونا، وكانت تعلم جيداً كيف يمكن لالتهاب المفاصل أن يزداد سوءاً لدى كبار السن خلال أشهر الشتاء الباردة. وفور علمها بعمر الزوجين، قامت بإعداد هذه البطانيات الخاصة للركب، مستخدمةً طريقة كانت ليونا تلجأ إليها غالباً. لقد تم تسخين البطانيات مسبقاً بحيث يمكن استخدامهما براحة طوال فترة العرض.
“الدفء يدوم لفترة طويلة جداً. كنتُ أعدها باستمرار للسيدة التي كنت أخدمها. إذا وجدتموها مفيدة، فأرجو ألا تترددا في أخذها معكما كهدية.”
تبادل الزوجان نظرات مندهشة قبل أن يلتفتا إلى بريانا بابتسامتين عريضتين.
“شكراً لكِ، حقاً.”
لم يكن العرض الذي تلا ذلك أقل من ساحر. وحتى بريانا، التي كانت تحضر أول أوبرا في حياتها، شعرت بالانبهار، وكذلك كان حال آل دريفيس، الذين استمتعوا بالتجربة أكثر مع ترجمة بريانا لبعض الأجزاء الرئيسية بين الحين والآخر. كانا قد خططا في الأصل لمشاهدة العرض مرة واحدة فقط، لكنهما انبهروا لدرجة أنهما قررا الحضور مجدداً في اليوم التالي.
بعد انتهاء الأوبرا، قدم مارك دريفيس طلباً غير متوقع.
“هل يمكنكِ تخصيص بعض الوقت لنا قبل عرض الغد؟”
اتسعت عينا بريانا من المفاجأة، غير متأكدة من السبب وراء هذا الطلب، لكن السيدة دريفيس ضحكت بنعومة بجانبه.
“كنتُ أتحدث أنا وزوجي سابقاً، ونود بشدة دعوتكِ لتناول العشاء معنا غداً. نحن ممتنون جداً لكل ما فعلتِه اليوم، وقد استمتعنا حقاً بحديثنا معكِ. نود مواصلة الحوار في مكان أكثر هدوءاً، إذا لم يكن ذلك سيشكل عبئاً عليكِ.”
“آه…”
سرعان ما أضاء وجه بريانا بابتسامة مشرقة: “بالطبع، سأتشرف بذلك. شكراً جزيلاً على الدعوة.”
“وقد ذكرتِ أنكِ تبحثين عن منصب معلمة خصوصية، أليس كذلك؟”
بينما كانوا يتبادلون أطراف الحديث قبل بدء العرض، انتهى بها الأمر بذكر أنها تبحث عن عمل كمعلمة خصوصية. وعندما أخبرتهم بأنها لا تزال عاجزة عن إيجاد وظيفة لعدم امتلاكها رسالة توصية، قدموا لها مواساة نابعة من القلب.
أومأت بريانا برأسها وهي تستحضر كلماتهم الدافئة، فقالت السيدة دريفيس بابتسامة:
“إن لم يكن لديكِ مانع، فما رأيكِ أن نكتب لكِ رسالة توصية؟ نحن أجانب ولسنا من النبلاء، ولكن إذا كان ذلك سيساعدكِ…”
شعرت بريانا بالذهول قليلاً. فبينما كانت تلازمها خيبة الأمل في مقابلات العمل حتى الأسبوع الماضي، وجدت نفسها فجأة تحصل على عمل مؤقت، بل وتتلقى عرضاً برسالة توصية أيضاً.
“ولكن، أنتم لم تروني إلا لبضع ساعات فقط…”
كان السبب وراء توظيف النبلاء لمن لديهم رسائل توصية فقط هو أن هذه الرسالة تمثل “الائتمان والثقة”. وكما ذكرت كونتيسة ليناريس سابقاً، إذا تسبب الخادم الذي يحمل رسالة توصية بمشكلة في منزل آخر، فإن الشخص الذي كتب له الرسالة سيقع في موقف محرج للغاية. لهذا السبب، جرت العادة على منحها فقط لمن عمل بجد لسنوات طويلة، لكن هؤلاء عرضوها عليها بكل بساطة.
تحدث مارك دريفيس بنظرة بدت وكأنها تخترق أفكارها قائلاً: “آنسة بريانا، لقد قابلتُ خلال عملي في التجارة عدداً لا يحصى من الناس، لذا أنا واثق جداً من فراستي في تقييم البشر. رؤيتكِ تخلصين لنا بهذا الشكل رغم أن علاقتنا لن تتجاوز الأسبوع، تجعل معدنكِ الحقيقي واضحاً كالشمس.”
ثم أردف بابتسامة ودودة: “في هذا العالم، لا تُنجز الأمور بالمهارة وحدها، بل لا بد من العلاقات الشخصية. ولكن، هل تعلمين؟ إن تكوين تلك العلاقات يعتمد أيضاً على مجهود الشخص نفسه.”
تذكرت أن ليونا قال شيئاً مشابهاً من قبل. في ذلك الوقت، لم تلامس تلك الكلمات قلبها، أما الآن فقد بدأت تفهمها.
فالقلب الذي يقدر حتى الروابط العابرة، هو ما يصنع الفرص الكبرى.
“شكراً لكم.”
قالتها بريانا بصدق ممتن، وأضافت: “سأبذل قصارى جهدي لأكون عند حسن ظنكم بهذه الفرصة الثمينة.”
***
قبل ذهابه إلى دار الأوبرا، توجه لوسيوس إلى منزل الكونت كيرشنر، وذلك لمرافقة آديلهايد إلى المسرح.
إن استمرت الأمور على هذا المنوال، فربما يجد نفسه يتبادل عهود الزواج معها بحلول الربيع.
تمتم لوسيوس بابتسامة مريرة وهو يحدق عبر نافذة العربة: “هل هذا ما يسمونه بمأساة الزواج السياسي؟”
لم يستطع منع نفسه من التفكير في أن كارين برانتل من عائلة برانتل قد تكون خياراً أفضل؛ فمن خلال لقاءاته القليلة بها، بدت شخصاً يتعامل معه بحسابات دقيقة بحتة، ولا تملك ذرة من تلك المشاعر الساذجة التي تظهرها أديلهيد. علاقة خالية من أي عاطفة، يأخذ فيها كل طرف ما ينفعه من الآخر؛ ربما كان ذلك أكثر راحة.
بالطبع، لم يكن هذا بالأمر الجيد تماماً. ألم يقل فلوريان سابقاً إن الأطفال الذين يولدون لزوجين لا يحبان بعضهما محكوم عليهم بالتعاسة؟
طفل…
كانت هذه هي المرة الأولى في حياة لوسيوس التي يفكر فيها بهذا الأمر. لقد فكر في الزواج من امرأة لا يحبها، لكنه لم يضع في حسبانه أبداً الطفل الذي قد يولد بينهما. وبما أنه لا يحمل عبء توريث العائلة مثل أخيه الأكبر، فقد كان يعتبر وجود طفل من عدمه أمراً سيان.
لكن، إذا رزق بطفل من امرأة يحبها، فمن المؤكد أن الأمر سيكون مختلفاً. سيكون الطفل ثمينًا ومحبوبًا، لدرجة أن مجرد التفكير في لمسه سيكون أمراً غامراً للمشاعر.
كانت السماء بلون رمادي باهت وثقيل، وكأنها قد تمطر ثلجاً في أي لحظة. وللوصول إلى قصر كيرشنر، كان على لوسيوس المرور عبر أكثر أجزاء المدينة ازدحاماً، حيث كانت الشوارع تكتظ بالعربات. ومع تباطؤ السرعة بشكل ملحوظ، نحى لوسيوس أفكاره المتشابكة جانباً وأغمض عينيه، ناوياً الراحة للحظة. ولكن في تلك اللحظة، لفت شيء ما انتباهه، فالتفت عائداً إلى النافذة.
كانت بريانا تخرج من مبنى، يرافقها رجل مسن ذو شعر أبيض.
وقفا بجانب الطريق، وتبادلا بضع كلمات والابتسامات تعلو وجهيهما، قبل أن يركبا عربة توقفت أمام المبنى. سرعان ما اختفت العربة عن الأنظار.
رفع لوسيوس بصره نحو المبنى الذي خرجا منه للتو. وما إن لمح لافتة مكتوباً عليها “فندق”، حتى تيبست ملامح وجهه بشكل مخيف.
يتبع^^
ترجمة نينا @justninaae
*الطبقة البرجوازية: ظهرت هذه الطبقة في المدن الأوروبية في أواخر العصور الوسطى. كانوا هم التجار والمصرفيين وأصحاب المهن الحرة الذين جمعوا ثروات مكنتهم من منافسة النبلاء في النفوذ، رغم أنهم لا يملكون ألقاباً نبيلة.
التعليقات لهذا الفصل " 33"