شهقت بريانا: “لقد بقي في الخارج لساعتين في هذا الطقس؟”
“نعم، ولم أستطع إدخاله إلى منزلي لأنني أعيش بمفردي… أنتِ تفهمين الأمر، أليس كذلك؟”
“بالطبع، هذا منطقي!” قالت بريانا بنبرة يملؤها الضيق.
“على أي حال، عليكِ الذهاب لرؤيته. يجب أن أركض الآن وإلا سأتأخر حقاً.” لوحت ليلي بسرعة وهرعت مبتعدة.
أسرعت بريانا أيضاً بصعود السلالم. وكما قالت ليلي، كان فلوريان يجلس مستنداً إلى الباب، وبدا تماماً كجرو ينتظر صاحبه.
“ماذا تفعل هنا؟” سألت بريانا بغير تصديق.
ابتسم فلوريان ابتسامة عريضة: “لقد أخبرتُكِ، لو أنكِ أعطيتني مفتاحاً فقط، لكنتُ قد انتهيتُ من تنظيف المكان الآن.”
حاولت بريانا تجاهل تخيل ذيل يهتز خلفه وتحدثت بصرامة: “فلوريان، لقد أخبرتُك أن هذا غير مقبول. عُد إلى منزلك.”
“بري، لقد انتظرتُ لأربع ساعات.”
“بل هما ساعتان.”
جال بصر فلوريان وهو يدرك أنه كُشف في كذبته. ثم بدأ يفرك ذراعيه ويرتجف بمبالغة: “الجو بارد جداً! آتسي!”
“التظاهر بالإصابة بنزلة برد لن ينفع هذه المرة. لقد جربتَ ذلك في المرة السابقة.”
كانت بريانا مصممة اليوم على عدم السماح له بالدخول. ورغم أن كل ما يفعله هو تناول الوجبات وشرب الشاي، إلا أن زيارات فلوريان أصبحت متكررة أكثر مما ينبغي، وبدأت تخشى أنه قد يحاول الانتقال للعيش هنا في نهاية المطاف.
لماذا يفضل هذا المكان الضيق على قصره الدافئ والفسيح؟
“والداك قلقان. يجب أن تعود إلى عقار الفيكونت—”
“بري، لقد اجتزتُ مناقشة أطروحتي.”
جعل تصريحه المفاجئ عيني بريانا تتسعان، بينما رفع فلوريان ذقنه بفخر. “يمكنني التخرج الآن.”
“حقاً؟ لقد قلت إن بروفيسورك كان يترصد الأخطاء باستمرار وأن الأمر بدا مستحيلاً””
“لقد غيرت منهجية التحليل وأعدت تنظيم النتائج، فوقّع عليها على الفور. لو كان يريد مني تغيير المنهجية، لكان عليه إخباري بذلك وقت مبكر!”
كان فلوريان يعاني مع أطروحته مؤخراً؛ فقد كان مشرفه معروفاً بتدقيقه المبالغ فيه وتغيير رأيه باستمرار، مما جعل طريق التخرج غير مضمون. حتى فلوريان المتساهل شعر باليأس، واصفاً بروفيسوره بـ “الطاغية المجنون الذي لا يُطاق!”
ولكن الآن، اكمل الأطروحة التي عذبته أخيراً.
“واو، نحتاج للاحتفال. مبروك…” نظرت بريانا إلى الآشياء الزهيدة في حقيبتها ثم عادت لتنظر إلى فلوريان. “علينا إحضار شيء إضافي للاحتفال. على الأقل زجاجة نبيذ…”
أشرق وجه فلوريان، وسحب حقيبة ثقيلة من خلف ظهره، وهو يهزها بزهو. “لقد أحضرتُ كل شيء بالفعل!”
كان بداخلها شامبانيا باهظة الثمن وكمية من الطعام تكفي بريانا لأكثر من أسبوع.
مد فلوريان يده نحو بريانا التي عقدت الصدمة لسانها. “هيا، أعطني المفتاح. سأفتح الباب.”
بمجرد دخولهما إلى المنزل البارد، كانت أولى مهام فلوريان هي إضاءة المصابيح وإشعال النار في الموقد. ثم بدأ يتجول في أرجاء المنزل، متفحصاً كل زاوية بحثاً عن أي أعطال.
“بريانا، متى حدث هذا؟” سألها وهو يمسك بالنافذة ذات القفل المكسور. مالت بريانا برأسها وهي تقطع اللحم، محاولة التذكر.
“دعني أرى، منذ أسبوع تقريبًا؟”
“ماذا؟ كنتِ تعيشين بهذا الوضع لمدة أسبوع؟ هذا خطير!” جعلتها نبرة توبيخه تنكمش قليلاً.
“كنتُ سأصلحها اليوم.”
“في المرة القادمة، لا تحاولي التعامل مع هذه الأمور بمفردك. أخبريني فوراً.”
فتش في غرفة التخزين، وخرج ببعض الأدوات. وعند رؤيته، سألت بريانا بحذر: “هل ستصلحها الآن؟”
“أجل، من الأفضل أن أتولى أمر كل شيء طالما أنني هنا.”
“ماذا لو آذيتَ نفسك مجدداً؟”
عندما انتقلت بريانا إلى هذا المنزل لأول مرة، حاول فلوريان تثبيت لوح خشبي مفكك في الأرضية، وانتهى به الأمر بضرب إصبعه بالمطرقة. لم يسبق له القيام بمثل هذا العمل من قبل، وكلفته حماقته في استخدام المطرقة ضمادة على سبابته اليسرى لأسابيع.
“بما أنني انتهيت من أطروحتي، فلا بأس الآن”. بدأ يطرق القفل الخشبي بقوة، ليرتد صدى الطرقات في أرجاء المنزل بينما كانت بريانا تراقبه بمزيج من القلق والإعجاب. وفجأة، صرخت.
“بري؟ ماذا حدث؟”
حدقت بريانا بذهول في إصبعها الذي ينزف. وبسبب انشغال بالها بفلوريان، جرحت نفسها بالسكين عن غير قصد.
“إنه مجرد جرح صغير؛ لا داعي للمستشفى.” أومأت بريانا برأسها نحو الدرج الموجود بجانب المطبخ. “هناك بعض الضمادات والمرهم المتبقي من زيارتك الأخيرة. أحضرهم.”
أجلسها فلوريان على الطاولة وبدأ يضع المرهم بعناية ويلف إصبعها. وبمجرد أن انتهى، انفجر فجأة في الضحك.
“ما المضحك في الأمر؟”
“إنه أمر مسلٍ فحسب. أنا وأنتِ، أصبنا نفس الإصبع.” لمس إصبعها المضمد بإصبعه وهو يبتسم. “كأننا مرتبطان.”
احمرّ وجهه قليلاً بعد أن نطق بتلك الكلمات، وتمطّى بشكل أخرق متظاهراً بانشغاله بشيء آخر.
“ولكن ماذا عن العشاء؟ أنا ميؤوس مني في الطبخ.”
كان المطبخ في حالة فوضى؛ اللحم نصف المقطع والخضروات مبعثرة هنا وهناك. ورغم حماس فلوريان لمواجهة أي تحدٍ، كان من الواضح أن الطبخ ليس من نقاط قوته.
بعد لحظة من التفكير، اقترحت بريانا: “هل يمكنك صنع شطائر؟”
في النهاية، كان عشاءهما عبارة عن شطائر، تماماً كما كان مخططاً له في البداية. قرعا كأسي الشامبانيا معاً احتفالاً.
“نخب اجتيازك لأطروحتك!”
“نخب هروبي من السجن!”
لم يتوقف فلوريان عن الثرثرة أثناء تناول شطيرته، وكان معظم حديثه عن حياته في المدرسة. في البداية، كال الشتائم لمشرفه الطاغية، لكنه نقل المحادثة تدريجياً إلى صديقه المفضل، لوسيوس كارلايل.
قال فلوريان: “تعلمين، لوسي كان مشغولاً للغاية مؤخراً.”
سألت بريانا: “لماذا؟”
“إنه يخطط للزواج في أقرب وقت ممكن.”
“هل هناك شابة معينة يواعدها؟”
“لا، ليس تماماً. مع كون الأمور غير مستقرة مؤخراً، تحتاج عائلة كارلايل إلى حلفاء أكثر قوة. هو يخطط لاختيار عروس من عائلة بارزة.”
“سيكون من الأفضل لو اختار هو شخصاً لنفسه…”
هز فلوريان كتفيه قائلاً: “لوسي لم يكن لديه أي اهتمام بالنساء قط. حتى لو لم تكن هناك حرب، لكان قد ذهب مباشرة إلى حجرة الزفاف مع أي من تختارها له الدوقة الأرملة والدوق. صراحةً، أشعر بالأسف للمرأة التي سيتزوجها؛ سيكون جيداً معها بالتأكيد، لكنه ليس من نوع الرجال الذين يمكنهم الحب.”
تذكرت بريانا لقاءها بـ لوسيوس منذ حوالي ستة أشهر. هل كان حقاً بهذا البرود والقسوة؟
بالتأكيد، كان متحفظاً وهادئاً في البداية، وهو ما كان مربكاً بعض الشيء، لكنه كان أيضاً طيبًا ورقيقاً. لقد وجد حقيبتها وساعة والدها، وأراها الألعاب النارية…
بالتفكير في الأمر، لم تره ولو لمرة واحدة منذ قدومها إلى هنا.
رغم أنهما يعيشان الآن في باستون، لم يكن يكن هناك سببًا لتقاطع طرقهم طوال الأشهر القليلة الماضية. كان ذلك أمراً طبيعياً؛ فرغم وجودهما في المدينة نفسها، إلا أنهما يعيشان في عالمين مختلفين. فلقد كان لقاؤهما السابق مجرد مصادفة عابرة فقط.
“مهلاً يا بريانا، لماذا لا تطلبين من الدوقة الأرملة كارلايل خطاب توصية؟” اقترح فلوريان.
كان فلوريان يعلم أن بريانا غادرت عائلة ليناريس دون خطاب توصية. لم يكن يعرف التفاصيل كاملة، بل علم فقط أن شيئاً غير سار قد حدث.
التعليقات لهذا الفصل " 29"